النووي الإيراني يفتح جبهة خلاف داخل إسرائيل

انقسام إعلامي وسياسي حول دقة التصريحات

أثار تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن إيران كانت تمتلك بالفعل قنابل نووية موجة واسعة من الجدل السياسي والأمني داخل إسرائيل، بعدما نقلت صحيفة هآرتس عن مصدر إسرائيلي مطلع على الملف النووي الإيراني وصفه لهذه التصريحات بأنها “كذب محض”. ولم يتوقف الجدل عند حدود الإعلام، بل امتد إلى شخصيات أمنية وعسكرية بارزة، اعتبرت أن الخطاب الجديد لنتنياهو يتناقض مع الرواية الرسمية التي تبناها لسنوات، ويثير تساؤلات حول الدوافع السياسية والأمنية وراء هذا التحول.

الطاقة الذرية: لا دليل

ويأتي هذا السجال في توقيت بالغ الحساسية، بعدما شهدت المنطقة مواجهة عسكرية غير مسبوقة بين إسرائيل وإيران، وما تبعها من تصاعد النقاش حول نتائج الضربات العسكرية ومدى تأثيرها على البرنامج النووي الإيراني، في وقت لا تزال فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية تؤكد أنها لم ترصد دليلاً يثبت امتلاك طهران سلاحاً نووياً جاهزاً.

ويقول يوسي ميلمان، أحد أبرز المتخصصين في شؤون الاستخبارات الإسرائيلية، إن الخلط بين امتلاك مواد انشطارية عالية التخصيب وبين امتلاك قنبلة نووية مكتملة يعد “خطأً جوهرياً”، موضحاً أن الانتقال من امتلاك اليورانيوم المخصب إلى إنتاج سلاح نووي يحتاج إلى مراحل تقنية معقدة تشمل تصميم الرأس النووي، وأنظمة التفجير، ووسائل الإطلاق، وهي مراحل لم تؤكد أي جهة دولية أن إيران أنجزتها بالكامل.

العتبة النووية

ويرى ميلمان أن تصريحات نتنياهو تعكس توظيفاً سياسياً لملف الأمن القومي أكثر من كونها استناداً إلى تقييم استخباراتي جديد، خاصة أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية نفسها كانت تؤكد طوال الأشهر الماضية أن إيران اقتربت من “العتبة النووية”، لكنها لم تعلن امتلاكها قنبلة جاهزة.

من جانبه، اعتبر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق غادي آيزنكوت أن تصريحات نتنياهو تمثل محاولة لإثارة مخاوف الرأي العام الإسرائيلي، مؤكداً أن إيران لم تكن تمتلك قنابل نووية، وأن استخدام هذا الخطاب يهدف إلى تبرير قرارات سياسية وعسكرية اتخذتها الحكومة خلال الفترة الماضية.

وأحدثت تصريحات آيزنكوت صدى واسعاً داخل الأوساط السياسية، إذ انضم عدد من قادة المعارضة إلى انتقاد نتنياهو، معتبرين أن المبالغة في توصيف التهديد الإيراني قد تؤدي إلى تآكل الثقة بين الجمهور والمؤسسة السياسية إذا ثبت عدم دقتها.

في المقابل، دافع مقربون من الحكومة عن رئيس الوزراء، معتبرين أن حديثه لا ينبغي تفسيره حرفياً، بل في إطار التحذير من أن إيران كانت على بعد خطوات قليلة جداً من إنتاج السلاح النووي، وأن الفارق الزمني بين امتلاك المواد اللازمة وامتلاك القنبلة قد يكون قصيراً للغاية في حال اتخاذ القرار السياسي داخل طهران.

ويشير الباحث في شؤون الأمن القومي عاموس يادلين إلى أن مفهوم “القدرة النووية” يختلف عن “امتلاك السلاح النووي”، موضحاً أن العديد من الدول تمتلك المعرفة والمواد اللازمة لكنها لا تصنع قنبلة فعلية، بينما يعتمد الأمر على القرار السياسي والقدرات الهندسية والعسكرية.

ويضيف يادلين أن النقاش الحالي يعكس خلافاً داخل إسرائيل حول كيفية تقييم التهديد الإيراني، وليس مجرد خلاف لغوي، لأن أي تغيير في هذا التقييم ستكون له انعكاسات على السياسة الخارجية والعلاقات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

أما على المستوى الدولي، فقد أعادت تصريحات نتنياهو تسليط الضوء على تقييمات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي أكد مديرها العام رافائيل غروسي مراراً أن الوكالة تمتلك معلومات عن مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، لكنها لم تعلن العثور على أدلة تثبت إنتاج قنبلة نووية مكتملة.

ويؤكد الخبير الأمريكي في منع الانتشار النووي ديفيد أولبرايت أن امتلاك كمية كبيرة من اليورانيوم المخصب لا يعني تلقائياً امتلاك سلاح نووي، مشيراً إلى أن هناك فجوة تقنية واستخباراتية كبيرة بين المرحلتين، وأن المجتمع الدولي يعتمد في تقييمه على الأدلة الفنية وليس على التصريحات السياسية.

ويرى أولبرايت أن الجدل الإسرائيلي يعكس اختلافاً في قراءة المعلومات الاستخباراتية، لكنه لا يغير من حقيقة أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا تزال الجهة المرجعية الأساسية في تقييم الوضع النووي الإيراني.

وفي السياق نفسه، يلفت الباحث في شؤون الشرق الأوسط كريم سجادبور إلى أن الخطاب الإسرائيلي تجاه البرنامج النووي الإيراني لطالما تميز باستخدام لغة تحذيرية قوية، بهدف الحفاظ على الضغط الدولي على طهران ومنع أي تراجع في سياسة العقوبات أو الرقابة الدولية.

ويعتقد سجادبور أن التصريحات الأخيرة قد تكون مرتبطة أيضاً بالحسابات الداخلية في إسرائيل، حيث يواجه نتنياهو ضغوطاً سياسية متزايدة، الأمر الذي يجعل الملف الأمني وسيلة لتعزيز صورته باعتباره الزعيم القادر على حماية إسرائيل من التهديدات الوجودية.

وفي إيران، استغلت وسائل الإعلام الرسمية هذا الجدل لتأكيد روايتها بأن الاتهامات الإسرائيلية تفتقر إلى المصداقية، معتبرة أن الخلاف بين المسؤولين الإسرائيليين يعزز موقف طهران القائل إن برنامجها النووي ذو طبيعة سلمية، رغم استمرار الخلافات مع الوكالة الدولية بشأن بعض الأنشطة النووية.

أما داخل الأوساط الأكاديمية، فيرى أستاذ العلوم السياسية إفرايم إنبار أن الأزمة الحالية تكشف عن أهمية الدقة في استخدام المصطلحات المتعلقة بالردع النووي، لأن أي مبالغة أو تضخيم قد تؤثر في مصداقية الرسائل الإستراتيجية التي توجهها إسرائيل إلى خصومها وحلفائها.

ويرى إنبار أن إسرائيل بنت سياستها الأمنية لعقود على الموثوقية في عرض التهديدات، ولذلك فإن أي تناقض بين تصريحات القيادة السياسية والتقديرات المهنية قد ينعكس سلباً على صورة المؤسسة الأمنية.

وتباينت ردود الفعل في الصحافة الإسرائيلية؛ فبينما اعتبرت صحيفة هآرتس أن تصريحات نتنياهو تتعارض مع الوقائع المعروفة، رأت وسائل إعلام أخرى قريبة من اليمين أن رئيس الوزراء كان يقصد الإشارة إلى اقتراب إيران من امتلاك السلاح النووي، وليس امتلاكه فعلياً، وأن خصومه السياسيين استغلوا الصياغة لمهاجمته.

كما انقسم الرأي العام الإسرائيلي بين من رأى أن التركيز يجب أن ينصب على حجم التهديد الإيراني بغض النظر عن الصياغة المستخدمة، وبين من اعتبر أن المبالغة في عرض المعلومات الأمنية قد تضر بثقة الجمهور في القيادة السياسية.

ويرى مراقبون أن القضية تتجاوز مجرد خلاف إعلامي، لأنها تمس جوهر عملية صنع القرار الأمني في إسرائيل، وتطرح تساؤلات حول العلاقة بين التقييمات الاستخباراتية والخطاب السياسي، ومدى استقلالية المؤسسات الأمنية عن الاعتبارات الحزبية.

وفي المحصلة، يعكس الجدل الدائر حول تصريحات نتنياهو تعقيد الملف النووي الإيراني، ويؤكد أن الخلاف لا يدور فقط حول قدرات إيران، بل أيضاً حول كيفية عرض هذه القدرات للرأي العام وصناع القرار.

وبينما تتمسك الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعدم وجود دليل على امتلاك إيران قنبلة نووية جاهزة، يواصل السجال الإسرائيلي الداخلي كشف التباينات بين الخطاب السياسي والتقديرات الفنية، في وقت يبقى فيه البرنامج النووي الإيراني أحد أكثر ملفات الشرق الأوسط حساسية وتأثيراً على الأمن الإقليمي والدولي.

اترك تعليقا