تحولات لافتة بواقع المسلمين في بريطانيا

قوة ديمغرافية صاعدة بزيادة 151% في أعدادهم

مريم السايح

الرائد- اختار جيمس (شاب بريطاني أسلم حديثا) بعد اعتناقه الإسلام اسم “يعقوب”، وكانت رحلته نحو الإسلام قد بدأت بصورة غير متوقعة خلال مشاركته في مظاهرات مؤيدة لفلسطين شهدتها لندن أواخر عام 2023، دون أن يتخيل آنذاك أن تلك التجربة ستقوده بعد أشهر قليلة إلى تغيير جذري في حياته وقناعاته.

نشأ جيمس، وهو بريطاني أبيض، بعيدا عن أي معرفة حقيقية بالإسلام أو المسلمين، ويقول عن نفسه إنه “ترعرع ملحدا”، قبل أن تبدأ نظرته بالتغير تدريجيا بعد احتكاكه المباشر بمسلمين خلال سنوات الدراسة الجامعية.

ويشهد المجتمع المسلم في بريطانيا تحولات متسارعة خلال العقود الأخيرة، مع ارتفاع أعداد المسلمين واتساع تنوعهم العرقي والثقافي، إلى جانب تزايد أعداد البريطانيين الذين يعتنقون الإسلام، خاصة بين الشباب والنساء.

ورصد تقرير إحصائي حديث، أصدره المجلس الإسلامي في بريطانيا قبل أيام، بعنوان “مسلمو بريطانيا في أرقام”، أبرز التحولات التي يشهدها المجتمع البريطاني، حيث لا يقتصر نمو المسلمين على الزيادة العددية فحسب، بل يعكس أيضا تحولا ديموغرافيا لافتا.

تحولات وأرقام

يقول جيمس لقناة الجزيرة إن أكثر ما لفت انتباهه لم يكن الجانب الديني بقدر ما كان “أخلاق المسلمين وطريقة تعاملهم وصبرهم”، موضحا أن الصورة التي كان يتلقاها عن المسلمين عبر بعض وسائل الإعلام بدت مختلفة تماما عن أصدقائه المسلمين الذين عرفهم عن قرب.

ومع اندلاع الحرب على غزة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، شعر -حسب وصفه- بأن الخطاب الإعلامي تجاه المسلمين أصبح “سلبيا ومبالغا فيه”، وهو ما دفعه إلى إعادة النظر في كثير من الأفكار والانطباعات التي تشكلت لديه سابقا.

وأوضح جيمس للجزيرة نت أن المجتمع المسلم “استوعبه بسرعة”، وأن الإسلام أصبح “جزءا أصيلا من حياته اليومية”، مضيفا أن عائلته وأصدقاءه لاحظوا “تغيرا إيجابيا” في شخصيته منذ اعتناقه الإسلام.

وقصة جيمس هذه لم تعد استثناءً في بريطانيا، بل تمثل تحولات أوسع داخل المجتمع المسلم البريطاني، وهو ما يعكسه تقرير أصدره المجلس الإسلامي، وكشف عن أن عدد المسلمين في بريطانيا ارتفع بنسبة 151% خلال العقدين الماضيين، ليصل إلى نحو 3.8 ملايين نسمة، كما أصبح المجتمع المسلم أكثر تنوعا عرقيا وأعلى مستوى تعليميا مقارنة بالماضي.

وجاء في التقرير ذاته، والذي أعده الباحث مقداد فرسي من كلية لندن للاقتصاد، مستندا إلى بيانات التعداد السكاني الإحصائي الرسمي للأعوام 2001 و2011 و2021، أن متوسط أعمار المسلمين في بريطانيا يبلغ نحو 29 عاما، مقارنة بـ44 عاما هو مستوى السكان عامة، فيما يشكل الأطفال في سن الدراسة أكثر من خُمس المجتمع المسلم.

قوة ديمغرافية صاعدة

شارك جيمس لاحقا في إحدى المظاهرات المؤيدة لفلسطين في لندن، وهناك لفت انتباهه -كما يقول- “التنوع الكبير ووحدة المسلمين رغم اختلاف خلفياتهم”، الأمر الذي أثار فضوله لمعرفة مصدر تلك القيم والشعور الجماعي بالانتماء.

ويتميز المسلمون في بريطانيا بكونهم من أكثر الفئات العمرية شبابا مقارنة ببقية مكونات المجتمع البريطاني، بينما تميل غالبية المجموعات السكانية الأخرى إلى التقدم في العمر. وهو ما يمنح الجالية المسلمة ثقلا ديمغرافيا متزايدا وحضورا أكثر تنوعا وتأثيرا في الحياة البريطانية.

وصرح واجد أختر، الأمين العام لمجلس مسلمي بريطانيا، للجزيرة نت، أن المسلمين في بريطانيا “لم يرتفع عددهم فقط، بل أصبحوا أكثر تنوعا وتعليما”، مشيرا إلى أن غالبية المسلمين تقل أعمارهم عن 25 عاما، وهو ما وصفه بـ”الرصيد الديمغرافي” القادر على تحويل المجتمع المسلم إلى قوة اقتصادية واجتماعية مؤثرة مستقبلا.

ويرصد التقرير في الوقت نفسه تحديات عميقة تواجه المسلمين البريطانيين، أبرزها:

التركز في المناطق الأكثر فقرا وحرمانا.
وضعف التمثيل في الوظائف العليا.
ووجود فجوات صحية وسكنية واضحة مع الفئات الأخرى.
ووفقا للتقرير، يعيش نحو 40% من المسلمين في أكثر المناطق حرمانا في البلاد، وهي النسبة نفسها تقريبا منذ عام 2001.

كما ترتفع معدلات الاكتظاظ السكني بين المسلمين مقارنة ببقية السكان، في حين تعاني النساء المسلمات الأكبر سنا من أوضاع صحية أسوأ من مثيلاتهن في الفئات الأخرى بصورة لافتة.

قلق وخوف

ويشير المسؤولون في المجلس الإسلامي البريطاني إلى أن “الأرقام ليست سوى جزء من القصة”، مؤكدين أن وراء تلك الإحصاءات “مجتمعات حقيقية وقصصا من الصمود والتحديات والنجاح”.

وفي موازاة النمو العددي، تواجه المسلمات الجدد تحديات خاصة، لا سيما فيما يتعلق بالعائلة والهوية والاندماج الاجتماعي.

وتلقت مؤسسة “سولاس”، وهي مؤسسة متخصصة في دعم المسلمات الجدد، خلال عام 2025 أكثر من 1273 طلب دعم من نساء اعتنقن الإسلام، بزيادة بلغت 23% عن العام السابق، بمعدل يقارب أربع حالات جديدة يوميا.

وأوضحت المؤسسة، في تعليق للجزيرة نت، أن كثيرا من النساء اللاتي يعتنقن الإسلام في بريطانيا “متعلمات وواعيات ويتخذن قرارهن عن قناعة وبحث”، لكن غالبا ما يواجهن العزلة وتوتر العلاقات العائلية وصعوبات بناء شبكة دعم اجتماعية جديدة.

وتشير المؤسسة إلى أن القلق الاجتماعي والخوف من لفت الانتباه يشكلان أحد أبرز التحديات النفسية التي تواجه المسلمات الجدد في بداية رحلتهن الدينية.

تحول اجتماعي

ويأتي هذا التوسع في وقت يواجه فيه المسلمون تحديات متصاعدة، من تنامي الخطاب المعادي للإسلام وارتفاع جرائم الكراهية ضد المسلمين إلى مستويات غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب استمرار فجوات اجتماعية واقتصادية تؤثر على قطاعات واسعة منهم.

وبينما تتصاعد في بريطانيا خلال السنوات الأخيرة خطابات العداء للمسلمين وجرائم الكراهية ضدهم، يواصل بعض البريطانيين خوض رحلة معاكسة تقودهم إلى الإسلام، مدفوعين -كما يقول كثير منهم- بالبحث عن المعنى والانتماء والطمأنينة الروحية.

وفي وقت تكشف فيه الأرقام عن مجتمع مسلم أكثر شبابا وتنوعا وحضورا في الحياة البريطانية، تبدو قصص المسلمين الجدد مؤشرا على تحولات أعمق تتجاوز الإحصاءات، لتطرح أسئلة متجددة حول الهوية والدين ومستقبل التعددية في بريطانيا.

ولا يقتصر هذا النمو الديموغرافي للمجتمع المسلم في بريطانيا على المهاجرين أو الوافدين الجدد من العمالة الماهرة واللاجئين، بل يتسع أيضا عبر موجة متزايدة من اعتناق الإسلام بين فئات من الشباب والفتيات البريطانيين، بما في ذلك داخل شرائح من المجتمع الأبيض، في مؤشر على تحولات اجتماعية وثقافية أوسع داخل المجتمع البريطاني.

*المصدر: الجزيرة

اترك تعليقا