بعد الترخيص الأميركي لأوكرانيا..ماذا نعرف عن منظومة «باتريوت»؟

تاريخ يمتد لأكثر من أربعة عقود وقدرات متطورة تعزز دفاعات كييف في مواجهة موسكو

في خطوة تُعد من أبرز التحولات في مسار الدعم العسكري الغربي لـ”كييف”، أعلنت “الولايات المتحدة” موافقتها السياسية على منح “أوكرانيا” ترخيصًا لإنتاج صواريخ الاعتراض الخاصة بمنظومة الدفاع الجوي «باتريوت»، في تطور يتجاوز مجرد توريد الأسلحة إلى نقل جزء من التكنولوجيا العسكرية الأميركية الأكثر تطورًا إلى دولة تخوض حربًا مفتوحة مع “روسيا”.

 ويعكس هذا القرار تحولًا في فلسفة الدعم الغربي، من الاعتماد على المخزونات العسكرية المحدودة إلى بناء قدرة إنتاجية محلية تضمن استدامة “الدفاعات الجوية الأوكرانية” على المدى الطويل، كما يحمل القرار أبعادًا استراتيجية تتجاوز حدود «الحرب الروسية الأوكرانية»، إذ يعيد رسم معادلات الصناعات الدفاعية في “أوروبا الشرقية” ويبعث برسائل ردع إلى “موسكو” بشأن استمرار الدعم الغربي لـ”كييف”.

 وتأتي هذه الخطوة بعد إعلان الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” التوصل إلى اتفاق سياسي مع الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” بشأن منح “كييف” ترخيصًا لإنتاج صواريخ الاعتراض الخاصة بمنظومة «باتريوت»، على أن يستغرق تنفيذ المشروع وقتًا نظرًا لتعقيد التكنولوجيا وسلاسل التوريد الخاصة بها.

إرث أميركي يمتد لأكثر من أربعة عقود..

تُعد منظومة «باتريوت» (MIM-104 Patriot)، واحدة من أشهر أنظمة الدفاع الجوي في العالم، وهي منظومة أميركية المنشأ بدأ تطويرها “أواخر ستينيات القرن الماضي” في ذروة «الحرب الباردة» لتكون بديلًا أكثر تطورًا لأنظمة الدفاع الجوي السابقة، وتولت شركة «رايثيون» وهي شركة أميركية، وتعد واحدة من أكبر شركات الصناعات الدفاعية والفضائية في العالم، تطوير المنظومة بالتعاون مع شركات دفاع أميركية أخرى، بينما دخلت الخدمة الفعلية في الجيش الأميركي “عام 1981” قبل أن تخضع لسلسلة طويلة من التحديثات رفعت قدراتها بصورة كبيرة.

في البداية.. صُممت لـ”اعتراض الطائرات”، إلا أن «حرب الخليج» عام 1991 دفعت إلى تطويرها لاعتراض “الصواريخ الباليستية”، لتظهر لاحقًا أجيال «PAC-2» و«PAC-3» الأكثر تطورًا، والتي أصبحت قادرة على تدمير “الصواريخ الباليستية” و”الطائرات” و”صواريخ كروز” و”الطائرات المسيّرة” باستخدام تقنية “الاصطدام المباشر” عالية الدقة، وهي أسلوب اعتراض متطور لا يعتمد على انفجار رأس الصاروخ الاعتراضي بالقرب من الهدف، بل على الاصطدام المباشر بالهدف بسرعة هائلة لتدميره بالطاقة الحركية، بمعنى أوضح.. بدلًا من تفجير الصاروخ بالقرب من الصاروخ المُعادي، يقوم الصاروخ الاعتراضي بتوجيه نفسه بدقة شديدة ليصطدم بالهدف وجهاً لوجه، فتكون “قوة الاصطدام” وحدها كافية لتدميره.

واليوم تُعد المنظومة من أكثر أنظمة الدفاع الجوي انتشارًا بين “حلفاء الولايات المتحدة”، حيث تستخدمها أكثر من “18 دولة”، كما تم تصنيع أكثر من “عشرة آلاف” صاروخ اعتراضي بمختلف طرازاته، فيما تتولى شركات أميركية مثل «لوكهيد مارتن» و«رايثيون» إنتاج الصواريخ ومكوناتها الرئيسية، وخلال «الحرب الروسية الأوكرانية» أثبتت المنظومة قدرتها على اعتراض الصواريخ الباليستية الروسية المتطورة، وهو ما جعلها أحد أكثر الأسلحة طلبًا من جانب “كييف”، في وقت تواجه فيه “الولايات المتحدة” وحلفاؤها ضغوطًا متزايدة لتوسيع الطاقة الإنتاجية بسبب ارتفاع الطلب العالمي على هذه المنظومة.

تصنيع أوكراني يغيّر موازين الردع..

لا تقتصر أهمية تصنيع صواريخ «باتريوت» داخل “أوكرانيا” على تلبية الاحتياجات العسكرية المباشرة، بل تمتد إلى أبعاد إقليمية ودولية واسعة، فمن الناحية العسكرية.. يمنح الإنتاج المحلي “كييف” قدرة أكبر على تعويض الصواريخ المستخدمة بسرعة وتقليل الاعتماد الكامل على الشحنات القادمة من “الولايات المتحدة”، خاصة في ظل محدودية المخزونات الغربية وارتفاع وتيرة الهجمات الروسية بالصواريخ الباليستية.

كما يسهم المشروع في نقل المعرفة التقنية وتطوير الصناعات الدفاعية الأوكرانية، بما يعزز استقلالية البلاد في مجال التسليح ويخلق قاعدة صناعية متقدمة يمكن أن تصبح جزءًا من منظومة التصنيع الدفاعي الأوروبية مستقبلاً، أما على المستوى الإقليمي.. فمن المتوقع أن تنظر “موسكو” إلى الخطوة باعتبارها «تصعيدًا استراتيجيًا» يعمّق الشراكة العسكرية بين “واشنطن” و”كييف”، بينما يرى «حلف شمال الأطلسي» أن بناء قدرات إنتاجية داخل “أوكرانيا” يمثل استثمارًا طويل الأجل في أمن “أوروبا الشرقية”.

وعلى الصعيد الدولي.. يبعث القرار برسالة مفادها أن “الدعم الغربي” لم يعد يقتصر على “تسليم الأسلحة”، بل يشمل نقل “التكنولوجيا” و”بناء القدرات الصناعية”، وهو تحول قد يدفع دولًا أخرى إلى طلب ترتيبات مشابهة مستقبلًا، ورغم ذلك.. يؤكد خبراء الدفاع أن بدء الإنتاج لن يكون سريعًا، إذ يتطلب إنشاء خطوط تصنيع متخصصة، وتأمين مكونات إلكترونية معقدة، وتدريب كوادر فنية، والحصول على موافقات تقنية وأمنية أميركية، ما يعني أن النتائج العملية ستحتاج إلى وقت طويل نسبيًا قبل أن تنعكس على أرض المعركة، ولكن بالرغم من ذلك.. فإن مجرد منح الترخيص يمثل نقطة تحول استراتيجية في الحرب، لأنه يؤسس لمرحلة يصبح فيها الدعم العسكري الغربي أكثر استدامة، ويعزز قدرة “أوكرانيا” على مواصلة الدفاع عن مجالها الجوي في مواجهة التهديدات الروسية المتزايدة.

اترك تعليقا