انتقادات إسلامية واسعة لبريطانيا بسبب قيود تمويل المساجد

أزمة بين لندن والجالية المسلمة

في تطور أثار جدلا حقوقيا وسياسيا واسعا في المملكة المتحدة، أعلنت وزارة الداخلية البريطانية في أواخر مايو 2026 عن إصدار حزمة جديدة من التوجيهات التنظيمية التي تشترط معايير صارمة لتمويل المساجد والمراكز الثقافية الإسلامية، بدعوى تعزيز الشفافية ومكافحة ما تصفه بالتطرف غير العنيف. وشملت التوجيهات، التي دخلت حيز التنفيذ في التاسع والعشرين من مايو، إلزام جميع المؤسسات الإسلامية بتقديم تقارير مالية وإدارية تفصيلية للسلطات المحلية كشرط للحصول على الإعفاءات الضريبية أو التمويل المجتمعي، مما أثار موجة من الرفض والاستياء داخل أوساط الجالية المسلمة التي ترى في هذه الإجراءات تضييقا على الحريات الدينية وتكريسا لمراقبة المؤسسات المدنية.

وعقد مجلس مسلمي بريطانيا مؤتمرا صحفيا في الحادي والثلاثين من مايو، حيث طالبت قيادات الجالية الحكومة بالتراجع عن هذه التوجيهات. وصرحت Zara Mohammed، الأمينة العامة لمجلس مسلمي بريطانيا، بأن هذه الإجراءات تمثل وصاية غير مبررة على المؤسسات الدينية، وتعامل المسلمين كمشتبه بهم بشكل افتراضي. وأكدت أن المساجد في بريطانيا تخضع بالفعل لقوانين صارمة للشفافية المالية، وأن التوجيهات الجديدة ستثقل كاهل المؤسسات الصغيرة التي تفتقر إلى الموارد الإدارية للامتثال لهذه البيروقراطية المعقدة، مما قد يؤدي إلى إغلاق العديد من المراكز التي تقدم خدمات اجتماعية حيوية للمجتمعات المحلية.

ومن جانبه، يرى الدكتور سلمان فخوري، الباحث المستقل في شؤون السياسات الأمنية والدينية في جامعة أكسفورد، أن الحكومة البريطانية تواصل الاعتماد على مقاربة أمنية في تعاملها مع الملف الإسلامي، متجاهلة الأبعاد الاجتماعية. ويشير في تحليل نشره مركز رنيميد ترست للأبحاث إلى أن هذا التشديد يدفع بالمساجد المستقلة نحو الهامش، ويجعل من الصعب عليها العمل بشكل علني وشفاف، مما يخلق بيئة من عدم الثقة بين الجالية المسلمة ومؤسسات الدولة، وهو ما يتناقض مع أهداف الحكومة المعلنة في تعزيز التماسك الاجتماعي.

أما على الصعيد المجتمعي، فيؤكد أسد الله مالك، منسق مبادرة المساجد الخضراء في لندن، أن هذه التوجيهات ستعطل بشكل مباشر البرامج البيئية والاجتماعية التي تنفذها المساجد. وأوضح في تصريح صحفي أن العديد من المساجد تعتمد على تبرعات صغيرة من المصلين لتمويل بنوك الطعام ومبادرات دعم الأسر الفقيرة، وأن التعقيدات الجديدة ستثني المتبرعين وتقلل من الدخل، مما ينعكس سلبا على الفئات الأكثر احتياجا في المجتمع البريطاني بشكل عام، وليس المسلمين فقط.

وتتوقع مراكز الدراسات الاجتماعية في لندن أن تؤدي هذه الأزمة إلى تصاعد التوترات بين الجالية المسلمة والحكومة المحلية في الأشهر القادمة. كما قد تلجأ العديد من المؤسسات الإسلامية إلى رفع دعاوى قضائية للطعن في شرعية هذه التوجيهات بدعوى أنها تنتهك قوانين المساواة وحقوق الإنسان الأوروبية والبريطانية، مما يضع القضاء البريطاني أمام اختبار حقيقي في الموازنة بين متطلبات الأمن القومي وحماية الحريات الدينية والمدنية للأقليات.

المصادر:
وكالة الأنباء البريطانية، وزارة الداخلية تصدر توجيهاً جديداً يشترط معايير صارمة لتمويل المؤسسات الإسلامية، التاسع والعشرين من مايو 2026.
صحيفة الغارديان البريطانية، مجلس مسلمي بريطانيا يرفض التوجيهات الجديدة ويعدها تضييقاً على الحريات، الحادي والثلاثين من مايو 2026.
تقرير مركز رنيميد ترست، تأثير السياسات الأمنية على المؤسسات المدنية الإسلامية في المملكة المتحدة، الأول من يونيو 2026.

اترك تعليقا