الجامعات العربية والتنافس على التصنيف العالمي

بين الطموح والواقع

الرائد/أصبحت الجامعات في القرن الحادي والعشرين إحدى أهم أدوات القوة العلمية والاقتصادية للدول، فلم يعد تقييم الدول يعتمد فقط على حجم اقتصادها أو مواردها الطبيعية، بل على قدرتها على إنتاج المعرفة، وتطوير الأبحاث، وتحويل الابتكارات إلى صناعات ومشروعات مؤثرة. ولهذا أصبحت التصنيفات العالمية للجامعات، مثل تصنيف شنغهاي وتصنيف التايمز وتصنيف كيو إس، مجالًا للتنافس بين الدول التي تسعى إلى تحسين جودة التعليم العالي وتعزيز حضورها العلمي الدولي.

وخلال عام 2026، استمر الاهتمام العالمي بملف جودة الجامعات، مع تركيز المؤسسات الدولية على معايير جديدة تتجاوز عدد الأبحاث المنشورة، لتشمل تأثير البحث العلمي، والابتكار، والشراكات الدولية، والاستدامة، وربط الجامعات باحتياجات الاقتصاد وسوق العمل.

وتاريخيًا، كان للعالم العربي والإسلامي دور بارز في نشأة المؤسسات التعليمية، حيث شكلت مدارس بغداد ودمشق والقاهرة وفاس مراكز للعلم والتعليم، واحتضنت علماء في الطب والفلك والفلسفة والرياضيات. وكانت مؤسسات مثل الجامع الأزهر وجامعة القرويين من أقدم مراكز التعليم المستمر في العالم، بينما لعبت المكتبات ومراكز الترجمة دورًا في حفظ وتطوير المعرفة.

ويرى المؤرخ الأمريكي جورج مقدسي أن المؤسسات التعليمية في الحضارة الإسلامية قدمت نماذج مبكرة لتنظيم التعليم ومنح الإجازات العلمية، وأسهمت في تطور تقاليد التعليم العالي التي أثرت في مؤسسات تعليمية لاحقة.

وفي العصر الحديث، تمتلك الدول العربية والإسلامية مئات الجامعات وآلاف مراكز البحث، لكن حضور عدد كبير منها في التصنيفات العالمية ما زال أقل من حجمها السكاني والحضاري، ويرجع ذلك إلى عوامل متعددة، منها محدودية الإنفاق على البحث العلمي، وضعف الشراكات الدولية، وتفاوت جودة البرامج الأكاديمية، وقلة براءات الاختراع مقارنة بالدول المتقدمة.

وتشير تقارير اليونسكو إلى أن الاستثمار في التعليم العالي والبحث العلمي يمثل أحد أهم عوامل بناء اقتصادات المعرفة، وأن الجامعات الناجحة هي التي تتحول من مؤسسات تعليمية فقط إلى مراكز إنتاج للمعرفة والابتكار.

ويرى خبراء التعليم أن تحسين مكانة الجامعات العربية والإسلامية عالميًا يتطلب خطة طويلة المدى تقوم على:
زيادة تمويل البحث العلمي، تطوير برامج الدراسات العليا، جذب الباحثين المتميزين، تحسين المختبرات، تشجيع النشر العلمي عالي الجودة، بناء شراكات مع الجامعات العالمية، وربط التعليم باحتياجات الصناعة.

كما يمكن للدول العربية والإسلامية إنشاء شبكات جامعية مشتركة، وتبادل الأساتذة والطلاب، وتمويل مشاريع بحثية إقليمية في مجالات الذكاء الاصطناعي والطب والطاقة والزراعة والتكنولوجيا الحيوية، بما يزيد من القدرة التنافسية الجماعية.

وتؤكد تقارير البنك الدولي أن الجامعات لا تسهم فقط في تخريج القوى العاملة، بل تؤدي دورًا أساسيًا في التنمية الاقتصادية من خلال الابتكار، ونقل التكنولوجيا، ودعم الشركات الناشئة، وبناء رأس المال البشري.

لكن تطوير الجامعات يواجه تحديات، من بينها هجرة الباحثين، وضعف العلاقة بين الجامعات وقطاع الأعمال، والبيروقراطية الإدارية، والحاجة إلى تحديث المناهج، وتوسيع استخدام التقنيات الرقمية في التعليم والبحث.

ويرى عالم الاقتصاد الأمريكي روبرت لَكْسِنبرغ وعدد من الباحثين في اقتصاد المعرفة أن الجامعات العالمية الكبرى لم تصل إلى مكانتها بسبب التعليم وحده، بل بسبب منظومة متكاملة تجمع بين البحث، والتمويل، والاستقلال الأكاديمي، والارتباط بالمجتمع والاقتصاد.

ويتوقع خبراء التعليم العالي أن تزداد المنافسة بين الجامعات خلال العقد المقبل مع توسع التعليم الرقمي والذكاء الاصطناعي، وأن تصبح قدرة الجامعة على إنتاج المعرفة والتعاون الدولي أهم من حجمها التقليدي أو تاريخها فقط.

إن النهوض بالجامعات العربية والإسلامية لا يحتاج إلى استنساخ نماذج خارجية، بل إلى بناء منظومات تعليمية تجمع بين الهوية العلمية والانفتاح العالمي. وإذا نجحت هذه الجامعات في زيادة الاستثمار في البحث والابتكار، وتحسين الإدارة، وربط المعرفة بالتنمية، فإنها ستستعيد دورها التاريخي كمراكز مؤثرة في إنتاج العلم وصناعة المستقبل.

المصادر:

منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة UNESCO، البنك الدولي، تصنيفات الجامعات العالمية QS وTimes Higher Education وShanghai Ranking، مؤلفات جورج مقدسي حول تاريخ التعليم الإسلامي، تقارير التعليم العالي والبحث العلمي الدولية.

اترك تعليقا