الجاليات العربية والإسلامية كقوة دبلوماسية مؤثرة

أحد أدوات القوة الناعمة للدول

الرائد/ أصبحت الجاليات العربية والإسلامية في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا وأجزاء من آسيا وإفريقيا عنصرًا متزايد التأثير في العلاقات الدولية، بعد أن توسع حضورها في البرلمانات والجامعات ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام والقطاع الاقتصادي. ولم تعد هذه الجاليات تؤدي دورًا اجتماعيًا أو اقتصاديًا فحسب، بل تحولت في كثير من الحالات إلى أحد أدوات القوة الناعمة للدول، وإلى قناة للحوار الثقافي والدبلوماسي، كما باتت تشارك بصورة أوسع في النقاشات العامة المتعلقة بالسياسات الخارجية وحقوق الإنسان والهجرة والتعليم.

وتشير بيانات إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة (UN DESA) إلى استمرار ارتفاع أعداد المهاجرين الدوليين خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد مساهمة الكفاءات المهاجرة في الاقتصادات المستقبلة وفي بلدانها الأصلية عبر التحويلات المالية، والاستثمارات، ونقل المعرفة. كما تؤكد المنظمة الدولية للهجرة (IOM) أن الجاليات أصبحت شريكًا رئيسيًا في برامج التنمية وبناء الجسور بين الدول.

وتاريخيًا، لم يكن انتشار المسلمين خارج أوطانهم ظاهرة حديثة، فقد لعب التجار والعلماء المسلمون منذ القرن الأول الهجري دورًا مهمًا في ربط المراكز الحضارية الممتدة من الأندلس إلى جنوب شرق آسيا، وأسهموا في نقل العلوم واللغات والثقافات، كما قامت الجاليات التجارية في شرق إفريقيا والهند وأرخبيل الملايو بدور اقتصادي وثقافي بارز، وأسهمت في بناء علاقات سلمية طويلة الأمد مع المجتمعات المحلية.

ويشير المؤرخ البريطاني ألبرت حوراني في دراساته عن الهجرات العربية إلى أن الجاليات العربية حافظت، في كثير من البلدان، على روابطها الثقافية والاقتصادية مع أوطانها، وأسهمت في إنشاء المدارس والمؤسسات التجارية والجمعيات الثقافية، وهو ما منحها تأثيرًا يتجاوز حجمها العددي.

وخلال عام 2026، واصلت منظمات دولية، من بينها المنظمة الدولية للهجرة والمنتدى العالمي للهجرة والتنمية، الدعوة إلى تعزيز دور الجاليات في دعم التنمية، والاستفادة من خبراتها في مجالات التعليم وريادة الأعمال ونقل التكنولوجيا، مع التأكيد على أهمية اندماجها الإيجابي في المجتمعات المضيفة واحترام القوانين الوطنية.

ويرى عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي أن الجاليات المتعلمة والفاعلة في المجتمع المدني يمكن أن تشكل جزءًا من القوة الناعمة للدول، عندما تسهم في بناء صورة إيجابية عن ثقافتها، وتدعم الحوار والتفاهم، وتشارك في المبادرات العلمية والاقتصادية والإنسانية.

ويقترح متخصصون في العلاقات الدولية إنشاء شبكات مؤسسية تربط الكفاءات العربية والإسلامية في الخارج بالجامعات ومراكز البحث وغرف التجارة في بلدانها الأصلية، مع تنظيم مؤتمرات دورية، وبرامج للتبادل العلمي، ومنصات رقمية لتبادل الخبرات والاستثمارات.

كما يمكن توسيع دور الجاليات في الدبلوماسية العلمية والثقافية، من خلال دعم تعليم اللغة العربية، وتشجيع الإنتاج الثقافي، والمشاركة في المعارض والمنتديات الدولية، وتعزيز التواصل بين المؤسسات الأكاديمية داخل العالم العربي والإسلامي وخارجه.

وتؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن التحويلات المالية للمهاجرين لا تزال تمثل أحد أهم مصادر الدخل الخارجي لعدد من الدول النامية، لكنها تشير أيضًا إلى أن القيمة الحقيقية للهجرة تكمن في نقل المعرفة، والمهارات، والخبرات الإدارية والتقنية، وليس في التحويلات المالية وحدها.

لكن هذا المسار يواجه تحديات، من بينها اختلاف سياسات الاندماج بين الدول، وتباين أوضاع الجاليات القانونية، وتراجع مشاركة بعض الأجيال الجديدة في المؤسسات المجتمعية، إضافة إلى الحاجة إلى بناء قنوات تواصل أكثر انتظامًا بين الحكومات والجاليات.

ويتوقع خبراء الهجرة الدولية أن يتزايد تأثير الجاليات العربية والإسلامية خلال العقد المقبل مع ارتفاع مستويات التعليم، واتساع حضورها في قطاعات التكنولوجيا والبحث العلمي وريادة الأعمال، مما سيمنحها دورًا أكبر في بناء العلاقات الاقتصادية والثقافية بين الدول.

إن الجاليات العربية والإسلامية تمثل رصيدًا إستراتيجيًا يتجاوز التحويلات المالية، فهي شبكة بشرية واسعة تمتلك خبرات علمية واقتصادية وثقافية يمكن أن تسهم في دعم التنمية وتعزيز الحوار الدولي. وإذا نجحت الدول العربية والإسلامية في بناء شراكات مؤسسية مستدامة مع جالياتها، فإنها ستعزز حضورها الدولي، وتستفيد من أحد أهم مواردها البشرية في القرن الحادي والعشرين.

المصادر:

إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة UN DESA، المنظمة الدولية للهجرة IOM، المنتدى العالمي للهجرة والتنمية GFMD، مؤلفات ألبرت حوراني، مؤلفات جوزيف ناي حول القوة الناعمة، تقارير الأمم المتحدة حول الهجرة الدولية والتنمية.

اترك تعليقا