كم مفتاحًا للجحيم بيد ترامب؟

وائل قنديل يكتب

أزمة القطاع الأوسع من المعلقين والمحللين التلفزيونيين الجدد الذين يتناولون العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران وهو التوصيف الصحيح للوضع القائم، والذي يصبح، بحسب هؤلاء، “الحرب بين إيران وأميركا”. أزمة هؤلاء أنهم ينطلقون من نقطة باطلة منطقاً ومنطوقاً، تتحدث عن أميركا الترامبية بوصفها المعيار للحكم على ردّة الفعل الإيرانية بالخير أو بالشر.
لا يمكن لعاقلٍ أو منصفٍ أن يقلب المعادلات على هذا النحو الفادح، بالكلام عن النتائج باعتبارها المقدمات لمعادلة الصراع أو العكس، بتناول ردّات الفعل بوصفها الأفعال الأساس لنشوب حالة الحرب التي تنذر بإحراق الشرق الأوسط كله. وليس الكلام هنا عن 47 عاماً، هي عمر الصدام بين واشنطن وطهران، أو عن الجولة الأولى من العدوان الذي بدأ في يونيو/ حزيران 2025، ثم الجولة الثانية التي بدأت بسلسلة من الجرائم الصهيونية الأميركية في 28 فبراير/شباط من العام الجاري (2026). وليس المقصود مرحلة ما قبل توقيع مذكرة التفاهم، أخيراً، التي قررت التوقف عن القتال، وإنما الحديث عن الأيام العشرة الماضية فقط، من القتال المنفلت.
من الموضوعية، إذن، أن نضع الإجابات الصحيحة عن سؤال: لماذا تجدّدت أعمال القتل، ومتى، ومن الذي قرر تمزيق مذكرة التفاهم على السلام، حتى ولو كان سلاماً خادعاً ومؤقتاً؟ الشاهد أنه، في الأيام التي سبقت 8 من يوليو/تموز الحالي، كانت ما توصف بالخروقات والانتهاكات لمذكرة التفاهم عند المستوى المعتاد الذي لا ينهض ذريعةً للعودة إلى الحرب الشاملة، التي تطاول نارها دول الخليج والأردن وعصب الحياة في إيران، من خلال تدمير الجسور وتفجير المنشآت المدنية، بإيقاع يبدو أعنف مما كان في معارك الحرب العدوانية الصريحة.
تجددت المعارك بأعنف وأوسع مما كان، بإعلان صريح من دونالد ترامب، أثناء حضوره اجتماع حلف شمال الأطلسي (ناتو) في تركيا، يقول فيه إن مذكرة التفاهم مع طهران “انتهت”، وإنه لا يرغب في الدخول في أي تعاملات مستقبلية مع إيران، التي وصف مسؤوليها بأنهم “مرضى” يقفون وراء المشكلات في المنطقة، وأن الولايات المتحدة أهدرت الكثير من الوقت في التعامل مع طهران، ولن تسمح لها بامتلاك سلاح نووي.
وبعدها مباشرة، بدأت الاعتداءات الأميركية على البنية الأساسية لإيران شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، واشتملت على نسف الطرق، وتدمير الجسور، وقطع خطوط السكك الحديدية، وإشعال الحرائق في كل مكان، عبر خطة عسكرية تنفذها القيادة المركزية للقوات الأميركية، وتعلن حصادها في كل ليلة.
كان دونالد ترامب والوسطاء وخبراء تقدير الموقف في كل مكان يعلمون مسبقاً أن الرد الإيراني سيطاول كل النقاط التي يعتبرها الإيرانيون مرتكزات لشنّ الهجمات الأميركية في الدول التي تستضيف قواعد وقوات عسكرية أميركية. وبالتالي، فإن الرئيس الأميركي هنا يكون قد قرر إشعال النار في إيران وجيرانها العرب قصداً وعمداً، ومن ثم تبدو مسألة إلقاء اللوم على النظام الإيراني وحده، وتحميله المسؤولية عن التصعيد، أقرب إلى عملية بروباغاندا أميركية لتبرير حماقات وجرائم ترامب، بل واعتبارها منتهى الحكمة والحزم لتعديل السلوك الإيراني في المنطقة، كما يثرثر معلقون أميركيون وكثير من شركائهم العرب، لا يقلون انخفاضاً في مستوى الأهلية العقلية والأخلاقية عن ترامب ونتنياهو وصقور الصهيونية الدينية في واشنطن وتل أبيب.
من الجائز، بل من الواجب هنا، التذكير بأن كل العمليات العدوانية الأميركية الإسرائيلية المشتركة تأسّست منذ سنوات بعيدة على قاعدة أنه ليس مسموحاً في هذه المنطقة أن يكون قوياً عسكرياً إلا الكيان الصهيوني، وليس مقبولاً، بكل الوجوه، أن تصل القدرة عند دول منطقة الشرق الأوسط إلى الحدود التي تزعج إسرائيل أو تعطّل أحلامها وأحلام إدارة ترامب في قيادة الشرق الأوسط، وهو المشروع الذي عبّر عنه الرئيس الأميركي عشرات المرات. كم جحيماً توعّد به ترامب إيران والمنطقة؟ وكم جحيماً أشعله بالفعل، إن لم تخضع وتأتِه راكعة أمام هذا المشروع الذي تناضل بعض الأطراف العربية لتحقيقه ببسالة منقطعة النظير؟
بهذا المعنى، فالحرب العدوانية على إيران، مثلها مثل الحرب على غزّة ولبنان، هي من أجل إسرائيل أولاً وأخيراً وأبداً. والهدف الموضوع الآن هو أن تقبل طهران بأن تتصرّف فيها الولايات المتحدة تصرّف الاحتلال الصهيوني في لبنان، وأن تبحث لها عن قيادة تشبه جوزاف عون في بيروت. السلام مع إسرائيل، وصفة أميركية، أهم وأغلى عنده من الشعب اللبناني نفسه.
لا نجاة لهذه المنطقة، إذن، إلا بالتحرّر من العقل الأميركي المعبّأ بكل أصناف الغلّ تجاه كل ما ليس صهيونياً.

اترك تعليقا