المكسيك محور الصراع الاقتصادي بين واشنطن وبكين
إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية تمنح المكسيك دورًا استراتيجيًا في المنافسة الأمريكية الصينية
- محمود الشاذلي
- 14 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- الصراع الاقتصادي بين واشنطن وبكين, المكسيك, الولايات المتحدة والصين
لم تعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين تقتصر على الرسوم الجمركية أو سباق التكنولوجيا المتقدمة، بل امتدت إلى إعادة رسم خريطة التصنيع العالمية، حيث أصبحت الدول القادرة على استقطاب الاستثمارات الصناعية جزءًا من معادلة القوة الاقتصادية. وفي قلب هذا التحول برزت المكسيك باعتبارها المستفيد الأكبر من توجه الشركات العالمية إلى تقليص الاعتماد على المصانع الآسيوية، مستفيدة من موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية مع الولايات المتحدة، لتتحول إلى حلقة رئيسية في سلاسل الإمداد الجديدة، وفي الوقت نفسه إلى ساحة تنافس متزايد بين واشنطن وبكين.
هذا التحول لم يكن وليد قرار سياسي واحد، بل جاء نتيجة سلسلة من الأزمات العالمية بدأت بالحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين عام 2018، ثم تعززت خلال جائحة كورونا التي كشفت هشاشة سلاسل التوريد الطويلة، قبل أن تزيد التوترات الجيوسياسية والحروب الإقليمية من قناعة الشركات بضرورة تنويع مواقع الإنتاج وتقريبها من الأسواق الاستهلاكية الكبرى.
وتشير بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي إلى أن المكسيك أصبحت في عام 2023 أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة في تجارة السلع، متقدمة على الصين في إجمالي حجم التبادل التجاري، وهو تطور يعكس تغيرًا استراتيجيًا في توجهات الشركات الأمريكية والعالمية أكثر من كونه تحولًا مؤقتًا في حركة التجارة.
“الإنتاج القريب”.. سياسة اقتصادية بأبعاد أمنية
أصبحت سياسة الإنتاج القريب (Nearshoring) إحدى الركائز الأساسية للاستراتيجية الاقتصادية الأمريكية، إذ تهدف إلى نقل جزء من الصناعات إلى دول قريبة جغرافيًا بدلًا من الاعتماد الكامل على المصانع البعيدة في آسيا.
وتوفر المكسيك مزايا يصعب تجاهلها، فهي ترتبط مع الولايات المتحدة باتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية بصيغتها الحديثة (USMCA)، كما تمتلك حدودًا برية تمتد لآلاف الكيلومترات مع السوق الأمريكية، ما يختصر زمن الشحن ويقلل تكاليف النقل ويمنح الشركات مرونة أكبر في إدارة المخزون والإنتاج.
ويرى الباحث في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي (PIIE)، تشاد باون، أن الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الواردات الصينية، واستمرار العديد منها خلال إدارة جو بايدن، دفعت الشركات إلى إعادة تقييم مواقع مصانعها، الأمر الذي منح المكسيك فرصة غير مسبوقة لاستقطاب الاستثمارات الصناعية.
الصين لم تغادر المشهد
ورغم أن الهدف المعلن للولايات المتحدة يتمثل في تقليل الاعتماد على الصين، فإن بكين لا تزال حاضرة بقوة داخل المشهد الصناعي المكسيكي، ولكن بأساليب مختلفة.
فوفقًا لغابرييل وايلدو، الباحث في مركز ويلسون، فإن عددًا من الشركات الصينية اختار إنشاء مصانع داخل المكسيك، مستفيدًا من البيئة الاستثمارية واتفاقيات التجارة الحرة، لتصنيع منتجات موجهة مباشرة إلى السوق الأمريكية.
وأثار هذا التوجه نقاشًا واسعًا داخل واشنطن، حيث يخشى مسؤولون أمريكيون من أن تتحول المكسيك إلى بوابة غير مباشرة لدخول المنتجات الصينية، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية إلى دراسة تشديد قواعد المنشأ في بعض القطاعات الحساسة، وعلى رأسها السيارات الكهربائية والبطاريات والإلكترونيات.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة الصينية أن استثماراتها في المكسيك تندرج ضمن النشاط الاقتصادي الطبيعي، وأنها تساهم في توفير الوظائف وتعزيز التنمية الصناعية، رافضة الاتهامات الأمريكية باستخدام المكسيك للالتفاف على القيود التجارية.
إعادة توزيع لا إعادة استبدال
ويجمع كثير من الاقتصاديين على أن العالم لا يشهد انتقالًا كاملًا من الصين إلى المكسيك، بل إعادة توزيع للإنتاج بين عدد أكبر من الدول.
وتشير ديبورا إلمز، الباحثة في مؤسسة هينريش، إلى أن الصين ما زالت تحتفظ بموقعها المحوري في إنتاج المكونات الصناعية والمواد الخام، بينما تنتقل عمليات التجميع النهائي والتصنيع الموجه للأسواق الأمريكية إلى دول مثل المكسيك.
وبذلك أصبحت سلاسل الإمداد أكثر تنوعًا، حيث تتوزع مراحل الإنتاج بين عدة دول بدلًا من الاعتماد على مركز صناعي واحد، وهو ما يمنح الشركات مرونة أكبر في مواجهة الأزمات التجارية والسياسية.
قطاعات تقود التحول
تركز الاستثمارات الجديدة في المكسيك على عدد من الصناعات التي تمثل مستقبل الاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها السيارات الكهربائية، وأشباه الموصلات، والأجهزة الطبية، ومعدات الطاقة النظيفة، إلى جانب الصناعات الإلكترونية.
وتوضح بيانات البنك الدولي أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المكسيك سجلت نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بتوسع شركات عالمية في إنشاء خطوط إنتاج جديدة أو زيادة استثماراتها القائمة.
ويؤكد خبراء أن هذا التوسع لا يرتبط فقط بالرغبة في خفض التكاليف، وإنما أيضًا بتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على دولة واحدة في توفير المنتجات الصناعية.
تحديات أمام الطموح المكسيكي
ورغم المكاسب التي حققتها المكسيك، فإن الحفاظ على هذا الزخم يتطلب معالجة عدد من التحديات الداخلية.
وترى شانون أونيل، الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (CFR)، أن المكسيك تمتلك فرصة تاريخية لترسيخ مكانتها كقاعدة صناعية لأمريكا الشمالية، لكنها تحتاج إلى تحديث البنية التحتية، وتوفير إمدادات مستقرة للطاقة، وتحسين البيئة القانونية، وتعزيز كفاءة شبكات النقل والخدمات اللوجستية.
كما تشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وصندوق النقد الدولي إلى أن مشكلات الكهرباء والمياه والأمن قد تحد من قدرة البلاد على استيعاب المزيد من الاستثمارات إذا لم تتم معالجتها بوتيرة أسرع.
المنافسة تنتقل إلى خرائط الصناعة
يرى الباحث في مجلس العلاقات الخارجية، براد سيتسر، أن التنافس الأمريكي الصيني دخل مرحلة مختلفة، لم تعد تُقاس بحجم الرسوم الجمركية أو فائض الميزان التجاري فقط، وإنما بقدرة كل طرف على بناء شبكات إنتاج آمنة ومستقرة وقريبة من أسواقه.
وفي هذا السياق، أصبحت المكسيك تمثل نقطة ارتكاز في الاستراتيجية الأمريكية لإعادة تشكيل الاقتصاد الإقليمي، وفي الوقت نفسه ساحة تسعى الصين إلى الحفاظ على حضورها فيها عبر الاستثمارات الصناعية المباشرة.
ومع استمرار التنافس بين أكبر اقتصادين في العالم، تبدو المكسيك أمام فرصة تاريخية لتعزيز مكانتها كأحد أهم مراكز التصنيع العالمية. لكن نجاحها لن يتوقف على موقعها الجغرافي أو اتفاقياتها التجارية فحسب، بل سيعتمد أيضًا على قدرتها على تطوير بنيتها التحتية، وتحسين بيئة الأعمال، وتحويل موجة الاستثمارات الحالية إلى قاعدة صناعية مستدامة، بما يجعلها لاعبًا رئيسيًا في النظام الاقتصادي العالمي الذي يعاد تشكيله.
