المشروع الأوروبي الأكبر لترميم أوقاف البوسنة والهرسك العثمانية

خطة طموحة لتحويلها إلى عاصمة السياحة الدينية

الرائد: لم تكن الأوقاف العثمانية في البوسنة والهرسك مجرد مبانٍ دينية، بل شكلت على مر العصور مراكز للحياة الاجتماعية والثقافية والتنموية. واليوم، يكتسب إطلاق المشروع الأوروبي الضخم لترميم هذه الأوقاف أبعاداً تتجاوز البناء والحجر؛ فهو يمثل اعترافاً أوروبياً بأهمية المكون الثقافي الإسلامي في تشكيل الهوية البلقانية. ومن خلال إعادة إحياء هذه المعالم بتمويل وإشراف أوروبي، تفتح البوسنة والهرسك آفاقاً واعدة للاستثمار في ‘السياحة الروحية والثقافية’، مما يساهم في تعزيز الحوار الحضاري وتوفير فرص عمل مستدامة تعتمد على ركائز التاريخ العريق.”

إحياء الهوية المعمارية: بعث الروح في حجر التاريخ

تمثل الأوقاف العثمانية في البوسنة والهرسك، من مساجد تاريخية، وتكايا صوفية، ومدارس عتيقة، وخانات ومكتبات، الشرايين الروحية والثقافية التي شكلت هوية البلاد على مر القرون. ومن خلال هذا التحرك الأوروبي، يخضع هذا المزيج الحضاري الفريد لعمليات ترميم دقيقة تعتمد على مهارات هندسية متطورة للحفاظ على الطراز المعماري الأصيل. يسعى المشروع إلى تحويل هذه الأوقاف من مجرد شواهد أثرية صامتة إلى مراكز حيوية نابضة؛ حيث يُعاد تأهيل المحيط العمراني والخدمي للمعالم ليصبح مؤهلاً لاستقبال الزوار من مختلف بقاع الأرض، مع الحفاظ على قداستها وقيمتها الروحية للمجتمعات المحلية.
السياحة الدينية: محرك اقتصادي وقاطرة للتنمية المستدامة
تراهن الخطة الأوروبية بشكل أساسي على الاستثمار في “السياحة الروحية والثقافية” كبديل تنموي مستدام يساهم في دفع عجلة الاقتصاد البوسني. ويرتكز هذا التوجه على عدة محاور رئيسية:
  • تنويع مصادر الدخل: خلق روافد مالية جديدة للاقتصاد المحلي خارج نطاق السياحة الصيفية أو الشتوية التقليدية.
  • إنعاش المجتمعات المحلية: توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة للشباب البوسني في مجالات الضيافة، والإرشاد السياحي، والصناعات التقليدية.
  • تطوير البنية التحتية: تحديث شبكات النقل، والإقامة، والخدمات الرقمية المحيطة بالمناطق الأثرية لتلبية المعايير الدولية.
جسر حضاري في قلب القارة العجوز
إلى جانب الأبعاد الاقتصادية، يحمل هذا المشروع رسالة ثقافية وسياسية بالغة الأهمية؛ فالاهتمام الأوروبي المباشر بترميم التراث الإسلامي العثماني في البلقان يمثل اعترافاً عميقاً بالتنوع الثقافي كجزء لا يتجزأ من الهوية الأوروبية المشتركة. وتتحول البوسنة والهرسك بموجب هذه الخطة من نقطة تلاقٍ تاريخية إلى جسر معاصر يربط بين الشرق والغرب، وينشر قيم الحوار الحضاري والتسامح من خلال بوابة السياحة المعرفية والدينية.
ومع اكتمال مراحل هذا المشروع، تستعد البلاد لافتتاح حقبة جديدة تشرع فيها أبواب تاريخها العريق أمام العالم، لتتحول أوقافها إلى منارة جذب عالمية تجمع بين سحر الشرق وعصرنة الغرب.

المشيخة الإسلامية في سراييفو

في منطقة البلقان، وتحديداً في البوسنة والهرسك، أعلنت المشيخة الإسلامية في سراييفو في الخامس من يونيو 2026 عن إطلاق مشروع تاريخي ضخم لترميم وتطوير الأوقاف والمباني العثمانية في مدينتي سراييفو وموستار، بتمويل مشترك من الاتحاد الأوروبي وبنك التنمية الإسلامي.

ويشمل المشروع ترميم مساجد أثرية، وأسواق تاريخية، ومدارس قديمة، وتحويلها إلى مراكز ثقافية وسياحية تخدم الاقتصاد المحلي. ويهدف هذا المشروع إلى إعادة إحياء التراث المعماري الإسلامي الذي تضرر خلال حروب التسعينيات، وتعزيز السياحة الدينية والثقافية التي تعد رافداً اقتصادياً حيوياً للبوسنة.

ويعتبر هذا المشروع الأكبر من نوعه منذ انتهاء الحرب، ويحمل أبعاداً تتجاوز الترميم المادي لتشمل إعادة تأهيل النسيج الاجتماعي والتاريخي للمدن البوسنية.

أهمية هذا المشروع

وفي معرض التعليق على أهمية هذا المشروع، أكد رئيس مشيخة البوسنة والهرسك أن ترميم هذه الأوقاف ليس مجرد حفاظ على الحجارة، بل هو حماية للهوية البوسنية الأوروبية الإسلامية، وإثبات على أن التنوع الثقافي هو ثروة وليس عبئاً.

من جانبه، أشاد سفير الاتحاد الأوروبي في سراييفو بهذا التعاون، مؤكداً أن دعم التراث الإسلامي هو جزء لا يتجزأ من استراتيجية الاتحاد الأوروبي لتعزيز المصالحة الوطنية والتنمية الاقتصادية المستدامة في منطقة البلقان الغربية.

أما الخبير في شؤون الحفاظ على التراث العمراني في جامعة سراييفو فقد أوضح أن المشروع سيعتمد على تقنيات حديثة في الترميم تحافظ على الطابع الأصلي للمباني، متوقعاً أن يجذب المشروع مئات الآلاف من السياح سنوياً، مما سيخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة للشباب البوسني.

بين عبق الماضي العثماني والرؤية الأوروبية الحديثة،تستعد البوسنة والهرسك لكتابة فصل جديد في تاريخها التنموي.سيؤتي ثماره بشكل مباشر على المجتمعات المحلية من خلال خلق فرص العمل وتطوير البنية التحتية. لتبقى هذه المعالم التاريخية، بعد اكتمال ترميمها،محركاً اقتصادياً أساسياً يضمن وضع البوسنة والهرسك في مكانها الطبيعي كإحدى أبرز الوجهات السياحية والروحية على الخارطة الدولية واستثمار ذكي يمزج بين الهوية الحضارية والازدهار الاقتصادي لجيل الغد.
المصادر:
1- البيان الرسمي للمشروع الأوروبي لترميم الأوقاف، سراييفو، 5 يونيو 2026.
2- التصريحات الصحفية لسفير الاتحاد الأوروبي في البوسنة، 5 يونيو 2026.
3- الورقة البحثية لقسم التراث العمراني، جامعة سراييفو، 6 يونيو 2026.

اترك تعليقا