الكونغو الديمقراطية وأزمة جوع مع تفشي إيبولا

وسط تداخل الصراع المسلح والنزوح وارتفاع أسعار الغذاء والوقود

تواجه جمهورية الكونغو الديمقراطية أزمة إنسانية متفاقمة، بعد أن كشف التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في تقرير صدر يوم 30 أكتوبر، أن نحو 28.8 مليون شخص يعانون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، وسط تداخل الصراع المسلح والنزوح وتفشي وباء إيبولا وارتفاع أسعار الغذاء والوقود.
والأكثر إثارة للقلق أن التقرير يتوقع ارتفاع العدد إلى 30.3 مليون شخص خلال النصف الأول من عام 2027، بينهم 4.2 مليون شخص قد يصلون إلى مرحلة الطوارئ الغذائية.
وتعادل الأرقام الحالية نحو 23% من السكان الذين شملهم التحليل، ما يجعل الأزمة واحدة من أكبر أزمات الغذاء في القارة الأفريقية.
أولاً: شرق البلاد مركز الأزمة
تتركز الأزمة بصورة خاصة في ثلاث مقاطعات:
•شمال كيفو.
•جنوب كيفو.
•إيتوري.
ويبلغ عدد الأشخاص الذين يواجهون مستويات أزمة غذائية أو أسوأ في هذه المناطق نحو 10.4 مليون شخص.
وصنف التقرير أربع مناطق هي دجوغو وفيزي وشابوندا ووالوونغو ضمن المرحلة الرابعة، وهي مرحلة الطوارئ الغذائية التي تسبق المجاعة.
ولا تعني هذه المرحلة إعلان المجاعة، لكنها تشير إلى نقص حاد في الغذاء وتدهور القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية.
ثانياً: شهادة المنظمات الإنسانية تكشف حجم المعاناة
قالت كليمني نكوبيزي، مديرة منظمة CARE في الكونغو الديمقراطية، إن الأسر في إيتوري وجنوب كيفو أصبحت تضطر إلى تقليل الوجبات والاختيار بين شراء الغذاء وتوفير نفقات التعليم والعلاج.
وأضافت أن النساء، اللاتي يمثلن جزءاً أساسياً من الإنتاج الزراعي المحلي، أصبحن أكثر عرضة لتداعيات النزوح المتكرر والعنف والجوع.
وحذرت من أن تزامن انتشار إيبولا مع تراجع التمويل الإنساني يخلق فجوة متزايدة بين الاحتياجات والمساعدات المتاحة.
ومن جهته، قال غريغ رام، المدير القطري لمنظمة إنقاذ الطفولة في الكونغو، إن استمرار الاتجاه الحالي قد يدفع نحو 30 مليون شخص إلى مستويات أزمة غذائية أو أسوأ بحلول منتصف 2027.
وحذر من أن تعطيل الأسواق بسبب الوباء والصراع يجعل الغذاء أقل قدرة على الوصول إلى الأسر، حتى عندما يكون متاحاً في مناطق أخرى من البلاد.
ثالثاً: إيبولا يضاعف الأزمة الاقتصادية
لا تقتصر خطورة الوضع على انتشار المرض، بل تمتد إلى تأثيره على حركة السكان والتجارة والإنتاج الزراعي.
ووفق بيانات نشرتها وكالة رويترز في 30 أكتوبر، تجاوز عدد الإصابات المسجلة بإيبولا 10 آلاف حالة، وتخطت الوفيات خمسة آلاف، في أكبر تفشٍ للمرض في تاريخ الكونغو الديمقراطية.
والسلالة المسؤولة عن التفشي هي بونديبوغيو، وهي سلالة لا تتوافر لها حتى الآن علاجات أو لقاحات معتمدة على نطاق واسع.
كما امتد انتشار المرض إلى ثماني مقاطعات، مع تسجيل حالات خارج الكونغو أيضاً.
قراءة خبراء الصحة:
في تقرير لوكالة أسوشيتد برس بتاريخ 30 أكتوبر، حذر خبراء من أن استمرار انتقال العدوى خارج دوائر المخالطين المعروفين يشير إلى وجود سلاسل انتقال لم تتمكن السلطات الصحية من تحديدها بالكامل.
وأشار التقرير إلى أن ضعف تتبع المخالطين، وعدم ثقة بعض المجتمعات في الجهات الصحية، والصراع المسلح، كلها عوامل تعرقل السيطرة على الوباء.
لكن الخبراء أشاروا أيضاً إلى أن معدل الإصابات الأسبوعية استقر نسبياً عند مستويات تتراوح بين 400 و500 حالة، ولم يعد يتصاعد بالسرعة السابقة؛ وهو تطور لا يعني انتهاء التفشي، لأن الأعداد لم تبدأ في الانخفاض بصورة مستدامة.
رابعاً: هل تتحمل المساعدات الدولية وحدها مسؤولية المواجهة؟
تثير الأزمة خلافاً حول كيفية توزيع المسؤوليات بين الحكومة الكونغولية والمجتمع الدولي.
فالمنظمات الإنسانية تطالب بزيادة التمويل والوصول إلى المناطق المتضررة، لكن هناك تحديات تتعلق بقدرة السلطات على تأمين الطرق والأسواق، واستعادة الإنتاج الزراعي، وضمان وصول المساعدات إلى السكان.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن القطاع الزراعي يشغّل نحو 70% من القوة العاملة في البلاد، وأن الكونغو تمتلك أراضي زراعية ومصادر مائية كبيرة، لكنها لا تستفيد منها بالقدر الكافي.
وهذا يطرح سؤالاً اقتصادياً مهماً: لماذا تستمر أزمة الغذاء في بلد يمتلك هذه الإمكانات الزراعية؟
تتداخل عدة أسباب:
1.النزاعات المسلحة التي تمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم.
2.تدمير البنية الأساسية وارتفاع تكلفة النقل.
3.ضعف التمويل الزراعي والتخزين والتصنيع الغذائي.
4.تراجع قيمة العملة وارتفاع أسعار السلع المستوردة.
5.النزوح الذي يحرم مناطق الإنتاج من العمالة والاستقرار.
وتؤكد هذه العوامل أن الأزمة ليست مجرد نقص في المساعدات الغذائية، بل أزمة إنتاج وتوزيع وأمن واقتصاد.
خامساً: تحذيرات من تراجع التمويل الإنساني
تقول منظمة CARE إن قدرتها وشركاءها المحليين على تلبية الاحتياجات تتراجع أمام اتساع الأزمة ونقص التمويل.
وتشير منظمة إنقاذ الطفولة إلى أن الأطفال هم الأكثر عرضة للعواقب طويلة الأمد، خصوصاً في المناطق التي يتزامن فيها الجوع مع انتشار الأمراض.
وتتطلب العمليات الإنسانية في شرق الكونغو تمويلاً إضافياً، لكن استمرار الاعتماد على التمويل الطارئ لا يعالج جذور المشكلة، خصوصاً أن النزاع مستمر منذ سنوات.
وهنا تظهر وجهة نظر أخرى تستحق الاهتمام: زيادة المساعدات الغذائية ضرورية لإنقاذ الأرواح، لكنها قد تتحول إلى استجابة دائمة ومكلفة إذا لم يصاحبها برنامج لإعادة الإنتاج الزراعي وعودة النازحين وتأمين الأسواق.
سادساً: ماذا تقول التوقعات لعام 2027؟
يرسم تقرير التصنيف الغذائي ثلاثة مؤشرات رئيسية:
المؤشر الوضع الحالي أو المتوقع
الأشخاص في أزمة غذائية أو أسوأ 28.8 مليون
الأشخاص في مرحلة الطوارئ 3.6 مليون
المتوقع في أزمة غذائية أو أسوأ خلال النصف الأول من 2027 30.3 مليون
المتوقع في مرحلة الطوارئ خلال الفترة نفسها 4.2 مليون
وتستند التوقعات إلى استمرار النزاعات والنزوح وانتشار إيبولا وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، فضلاً عن احتمالات الفيضانات المرتبطة بظاهرة النينيو.
وتحذر الجهات التي أعدت التقرير من أن تراجع المساعدات الإنسانية قد يزيد من سرعة التدهور.
الخلاصة
تكشف الأزمة الكونغولية عن تداخل خطير بين ثلاثة تحديات: الحرب والأوبئة وانعدام الأمن الغذائي.
لكن من المهم عدم اختزال المشكلة في نقص المساعدات الدولية، فالبلاد تمتلك إمكانات زراعية كبيرة، ويظل تعطيل الإنتاج والنقل وضعف المؤسسات المحلية من أبرز أسباب استمرار الأزمة.
كما أن تراجع التمويل الإنساني يضع المنظمات أمام خيارات صعبة، خصوصاً مع ارتفاع عدد المحتاجين وتزايد تكاليف مكافحة إيبولا.
والسؤال الذي يواجه الحكومة الكونغولية وشركاءها الدوليين هو: هل ستظل الاستجابة قائمة على توزيع الغذاء ومكافحة المرض، أم ستتجه إلى معالجة أسباب انهيار الإنتاج الزراعي وعودة السكان إلى مناطقهم؟
المصادر والمراجع
1.التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي IPC، التقرير الخاص بالكونغو الديمقراطية، 30 أكتوبر 2026.
2.منظمة CARE، تصريح كليمني نكوبيزي، المديرة القطرية، 30 أكتوبر 2026.
3.منظمة إنقاذ الطفولة، تصريح غريغ رام، المدير القطري، 30 أكتوبر 2026.
4.وكالة رويترز، بيانات انتشار إيبولا والوفيات في الكونغو، 30 أكتوبر 2026.
5.وكالة أسوشيتد برس، مقابلات مع خبراء بشأن تطورات انتشار إيبولا، 30 أكتوبر 2026.
6.منظمة الأغذية والزراعة، بيانات الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي في الكونغو الديمقراطية.

اترك تعليقا