أوكرانيا تكثف إجلاء المدنيين من خيرسون

قبل انتهاء الهدنة

تشهد منطقة خيرسون جنوبي أوكرانيا تحركات إنسانية مكثفة مع اقتراب انتهاء هدنة محلية مؤقتة بين القوات الروسية والأوكرانية، بعدما نجحت عمليات إجلاء المدنيين من بلدة أوليشكي والمناطق المحيطة بها في نقل مئات السكان إلى مناطق أكثر أمانا، وسط مخاوف من تجدد المواجهات وعودة الضربات العسكرية مع انتهاء وقف إطلاق النار منتصف ليل الأحد.

وأعلن الجيش الأوكراني، الأحد 1 نوفمبر، إجلاء 167 مدنيا من مناطق مهددة في إقليم خيرسون، في عملية شاركت فيها وحدات التعاون المدني العسكري التابعة لمجموعة قوات الجنوب، بالتنسيق مع السلطات المحلية.

وأوضحت هيئة الأركان العامة الأوكرانية أن من بين الذين جرى إجلاؤهم 22 طفلا و21 شخصا من ذوي الإعاقة الحركية، ممن يحتاجون إلى رعاية ومساعدة خاصة خلال عمليات الانتقال، في مؤشر على حجم التحديات الإنسانية التي تواجه السكان في المناطق القريبة من خطوط المواجهة.

وجاءت العملية بعد يومين من إجلاء حافلات محملة بالسكان من بلدة أوليشكي، التي تخضع للسيطرة الروسية وتحاصرها تداعيات الحرب المستمرة منذ فبراير 2022.

ستة أيام خارج دائرة القتال

مثلت الهدنة التي استمرت ستة أيام في أوليشكي والمناطق المحيطة بها تطورا استثنائيا في مسار الحرب الروسية الأوكرانية، إذ أتاحت فترة توقف نسبي للعمليات العسكرية، سمحت خلالها للمدنيين بمغادرة المناطق المحاصرة، كما فتحت المجال أمام إدخال المواد الغذائية والمياه النظيفة والأدوية والإمدادات الأساسية.

وتوصل الطرفان إلى هذا التفاهم بعد جهود وساطة إنسانية شاركت فيها ميلانيا ترامب، السيدة الأولى الأمريكية، والبابا ليو، بابا الفاتيكان، في تحرك تجاوز القنوات السياسية والعسكرية التقليدية، وركز على حماية المدنيين وتخفيف معاناتهم.

وبحسب المسؤولين الأوكرانيين والروس، استمر وقف إطلاق النار منذ الثلاثاء دون تسجيل انتهاكات، الأمر الذي أتاح إزالة ألغام من بعض الطرق وتسهيل حركة الإمدادات الإنسانية، فضلا عن تنظيم عمليات نقل السكان من البلدة إلى مناطق خاضعة للسيطرة الأوكرانية.

وكان من المقرر انتهاء الهدنة عند منتصف الليل بتوقيت موسكو، بما يضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين، خصوصا أن التوقف المؤقت للقتال لم يتضمن اتفاقا سياسيا أوسع لإنهاء الحرب.

ميلانيا ترامب والبابا ليو في مهمة إنسانية

أبرزت المشاركة الأمريكية والفاتيكانية في جهود الوساطة أهمية البعد الإنساني في النزاع، خاصة مع استمرار صعوبة التوصل إلى تفاهمات سياسية شاملة بين موسكو وكييف.

وقالت ميلانيا ترامب، عبر منصة إكس، إن وقف إطلاق النار أتاح للسكان حرية التنقل والحصول على الغذاء والمياه النظيفة والأدوية، فضلا عن استعادة قدر من الكرامة الإنسانية بعيدا عن التهديد المستمر بالهجمات.

من جانبه، أعرب البابا ليو عن أمله في أن يشكل التعاون الروسي الأوكراني خلال تنفيذ الهدنة في أوليشكي بداية لجهود سلام أوسع، بما يسمح بتوسيع نطاق التفاهمات الإنسانية لتشمل مناطق أخرى متضررة من الحرب.

وتكشف هذه التحركات عن إمكانية تحقيق تفاهمات محدودة بين الطرفين عندما يتعلق الأمر بحماية المدنيين، حتى في ظل استمرار الخلافات العسكرية والسياسية العميقة.

موسكو وكييف أمام اختبار جديد

على الجانب الروسي، نقلت وكالات أنباء روسية عن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن موسكو تنظر بإيجابية إلى الطريقة التي نُفذت بها العملية الإنسانية في أوليشكي، وإلى مستوى التنسيق بين مفوضي حقوق الإنسان في البلدين.

ويمثل هذا الموقف إشارة إلى قبول روسي باستمرار التنسيق الإنساني في الملفات التي يمكن التعامل معها بصورة منفصلة عن المواجهة العسكرية، وإن كان لا يعني حدوث تحول في الموقف الروسي بشأن الحرب أو السيطرة على الأراضي الأوكرانية.

وفي المقابل، حذر أولكسندر بروكودين، حاكم منطقة خيرسون، السكان من الاقتراب من المناطق المصنفة حمراء، خاصة المستوطنات القريبة من نهر دنيبرو، مؤكدا أن كثافة الضربات الروسية لا تزال مرتفعة وأن التهديد لحياة المدنيين شديد.

وتعكس هذه التحذيرات هشاشة الوضع الأمني في المنطقة، حيث لا تزال التجمعات السكانية القريبة من النهر معرضة لمخاطر القصف والاشتباكات، رغم الهدنة التي وفرت نافذة مؤقتة للحركة والإجلاء.

خيرسون.. جبهة مفتوحة منذ 2022

تحتل منطقة خيرسون أهمية استراتيجية في الحرب الروسية الأوكرانية، نظرا لموقعها الجغرافي على ساحل البحر الأسود وارتباطها بنهر دنيبرو، الذي يشكل خط تماس رئيسيا بين القوات المتحاربة.

وسيطرت القوات الروسية على بلدة أوليشكي خلال الأسابيع الأولى من الغزو في فبراير 2022، وظلت البلدة تحت السيطرة الروسية، بينما استعادت القوات الأوكرانية لاحقا معظم أراضي المنطقة، بما فيها مدينة خيرسون الرئيسية، خلال عملياتها العسكرية في العام نفسه.

وتقع أوليشكي على الضفة المقابلة لمدينة خيرسون، ما يجعلها جزءا من نطاق جغرافي شديد الحساسية في المواجهة بين الجيشين، ويزيد من تعرض سكانها لمخاطر العمليات العسكرية.

ولا يزال عدد السكان الذين اختاروا البقاء في البلدة غير معروف، كما لم تتضح الحصيلة النهائية لجميع عمليات الإجلاء التي نُفذت خلال فترة الهدنة.

هل تتحول الهدنة إلى نموذج إنساني؟

تطرح تجربة أوليشكي تساؤلات بشأن إمكانية تكرار هذا النوع من التفاهمات في مناطق أخرى من أوكرانيا، خصوصا أن نجاحها ارتبط بتنسيق مباشر بين المؤسسات الإنسانية وممثلي الطرفين، إلى جانب تدخل شخصيات دولية ذات نفوذ.

لكن انتهاء الهدنة دون اتفاق على تمديدها يكشف أن التفاهمات الإنسانية لا تزال محدودة، وأن قدرتها على حماية المدنيين تظل مرتبطة باستعداد القوات المتحاربة للالتزام بها.

وتبقى أهمية ما جرى في أوليشكي مرتبطة بما إذا كانت موسكو وكييف ستتمكنان من البناء على هذه التجربة، وتحويل التوقف المؤقت للقتال إلى آلية مستمرة لإجلاء المدنيين وتبادل المساعدات وحماية المناطق السكنية.

فبينما غادر عشرات الأطفال وذوو الإعاقة مناطق الخطر، لا يزال آلاف المدنيين في مناطق المواجهة ينتظرون فرصة مماثلة للنجاة من حرب لم تنجح الجهود السياسية حتى الآن في وضع حد لها.

اترك تعليقا