الصين تنشر رؤيتها لنظام عالمي جديد .. “حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً”

د حاتم عزام يكتب

مبادئ الصين ومقترحاتها وأفعالها:

في السابع عشر من يونيو 2026، وبينما العالم منشغل بالحرب الروسية على أوكرانيا والحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، أصدر مكتب الإعلام في مجلس الدولة الصيني وثيقة لا يمكن قراءتها كبيان دبلوماسي روتيني: ورقة بيضاء بعنوان «حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً: مبادئ الصين ومقترحاتها وأفعالها».
وينظر إلى هذه الوثيقة باعتبارها التقنين الرسمي الأشمل لمبادرة الحوكمة العالمية التي طرحها الرئيس شي جين بينغ في 2025، لكنها في جوهرها أبعد من ذلك بكثير: إنها إعلان صيني صريح عن رؤية بديلة لإدارة العالم، وعن نية بكين الانتقال من موقع اللاعب داخل قواعد النظام الدولي القائم، إلى موقع من يعيد كتابة هذه القواعد نفسها.

فلسنوات طويلة كانت الصين تصف نفسها بأنها «مشارِكة ومساهِمة» في النظام الذي أسسته الأمم المتحدة عام 1945. أما هذه الوثيقة فتقدّمها صاحبة مشروع متكامل لإعادة تشكيل هذا النظام وقيادته. والملفت أن بكين تحرص على تقديم هذا التحول بلغة الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة لا الثورة عليه: فهي لا تقدم نفسها كقوة تتحدى النظام الدولي، بل كحارس له في مواجهة قوى -تلمّح إليها دون تسميتها صراحة- تخلّت عن التزاماتها المتعددة الأطراف، من الانسحاب من منظمات دولية إلى تعطيل آلية تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية وتجميد التمويل عن هيئات أممية. وهذا الانقلاب في السردية -من “الصين تتحدى النظام” إلى “الصين تحمي النظام بعد أن هجرته القوى التي أسسته”- هو على الأرجح أهم إنجاز خطابي في الوثيقة كاملة.

🔘 بنية الوثيقة ومضمونها
تتوزع الورقة على خمسة فصول: تشخيص لأزمة النظام الدولي الحالي، عرض لخمس ركائز مفاهيمية لمبادرة الحوكمة العالمية، سرد تفصيلي لإسهامات الصين الفعلية، تسويغ فكري لشرعية الطرح الصيني، ثم دعوة ختامية للعمل المشترك.

وينطلق هذا التشخيص لأزمة النظام الدولي من صورة قاتمة لحال النظام الدولي الراهن: نزاعات مسلحة تشمل أكثر من 50 دولة -رقم قياسي منذ الحرب العالمية الثانية- وأزمة أوكرانيا في عامها الخامس، وحرب ممتدة في الشرق الأوسط، إلى جانب تعثر شديد في تنفيذ أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة حتى إن نحو 80% من مؤشراتها متأخرة أو متراجعة، وأكثر من 830 مليون إنسان لا يزالون في فقر مدقع. وتذهب الوثيقة إلى اتهام غير مباشر -لكن واضح المعالم- لدولة كبرى بممارسة “شريعة الغاب”: الانسحاب من المنظمات الدولية، وتجميد التمويل عن الهيئات الأممية، وتعطيل مجلس الأمن ومنظمة التجارة العالمية. هذا التشخيص ليس تمهيداً عابراً، بل هو الأساس الذي تبني عليه بكين شرعية طرحها بأكمله.

و الرؤية نفسها تقوم على خمس ركائز:
1. المساواة السيادية بين الدول كبيرها وصغيرها.
2. سيادة القانون الدولي المطبق بلا انتقائية.
3. وتعددية أطراف “حقيقية” في مقابل ما تصفه بالتعددية الانتقائية الغربية.
4. ونهج محوره الإنسان في التنمية والأمن.
5. وأخيراً مبدأ الأفعال الملموسة بدل الشعارات.

هذه الركائز مصمَّمة لتبدو عالمية ومحايدة، لكنها في جوهرها إعادة صياغة لمطالب تقليدية للجنوب العالمي: تمثيل أوسع في مجلس الأمن وصندوق النقد والبنك الدولي، ورفض العقوبات الأحادية والولاية القضائية طويلة الذراع، ورفض تسييس قضايا التجارة والتكنولوجيا تحت ذريعة الأمن القومي.

🔘 النقاط الاستراتيجية الأهم:
أولاً، الوثيقة تربط أربع مبادرات صينية كبرى في منظومة واحدة متكاملة: مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارات العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية. هذا ليس تفصيلاً تقنياً، بل إعلان أن الصين لم تعد تطرح مبادرات منفصلة بل “منظومة نظام دولي بديل” متكاملة الأركان، تغطي التنمية والأمن والقيم والحوكمة معاً. من يقرأ هذه المنظومة يدرك أن بكين تبني إطاراً مؤسسياً موازياً، لا مجرد شعارات دبلوماسية متفرقة.

ثانياً، الوثيقة تستهدف الجنوب العالمي بلغة مباشرة وأرقام دقيقة: أكثر من 160 دولة ومنظمة أعلنت دعمها للمبادرة، وأكثر من 60 دولة انضمت إلى “مجموعة أصدقاء الحوكمة العالمية”، إلى جانب نمو مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون كأداتين مؤسسيتين لإعادة توزيع النفوذ. هذا استهداف واعٍ: الصين لا تراهن على إقناع الغرب، بل على حشد الأغلبية العددية للدول النامية التي تمثل -بحسب الوثيقة- أكثر من 60% من الاقتصاد العالمي بمعيار القوة الشرائية.

ثالثاً، هناك حرص لافت على الظهور بمظهر “القوة المسؤولة” لا “القوة الصاعدة الطامحة”: التركيز على الدور في حفظ السلام الأممي، والوساطة بين السعودية وإيران، والمبادرات المتعلقة بأوكرانيا وغزة، كلها مصممة لتصوير الصين كطرف بنّاء وسط عالم يتصدع، لا كطرف يستغل التصدع لمصلحته.

رابعاً، وربما الأهم استراتيجياً على المدى البعيد: الوثيقة تتعامل بحذر شديد مع حوكمة الذكاء الاصطناعي والفضاء السيبراني والفضاء الخارجي والمحيطات، وتطرح نفسها كصاحبة مبادرة في سد “الفراغ التنظيمي” في هذه المجالات الناشئة قبل أن تتشكل قواعدها بشكل نهائي. هذا يعكس إدراكاً بأن معارك النفوذ القادمة لن تُحسم فقط في مجلس الأمن، بل في من يضع قواعد اللعبة في التقنيات الناشئة التي لم تُكتب قوانينها بعد.
القراءة الاستراتيجية.

🔘 جوهر ما تطرحه الوثيقة
ما تقدمه هذه الوثيقة، في جوهره، هو مشروع لإعادة تعريف من يملك حق تفسير النظام الدولي وقيادته، دون الحاجة إلى إسقاطه رسمياً. فالصين لا تطرح بديلاً صريحاً للأمم المتحدة، بل تطرح نفسها كالمُدافع “الحقيقي” عنها في مواجهة من تصفهم بالمنسحبين والمعطِّلين لها. وهذه استراتيجية شرعية ذكية: تستولي على المفردات المؤسسية القائمة ذاتها -الميثاق، تعدد الأطراف، سيادة القانون- وتعيد ملء محتواها بمضمون صيني، بدل الدخول في صراع علني ومكلف على الشرعية.

و الأختبار الحقيقي للوعي الاستراتيجي لنا كأمة عربية إسلامية هو القدرة على قراءة السؤال الحقيقي وراء هذه الوثيقة: من سيملأ فراغ القيادة العالمية في العقد القادم؟ و ليس الانشغال بالحكم على رؤية الصين بين “صحيحة” أو “خاطئة”، وعلى العقل العربي الإسلامي أن يقرر: هل يبقى ساحة تُدار عليها التنافسات الكبرى، أم يبني لنفسه موقعاً تفاوضياً مستقلاً؟

#وعي_إستراتيچي #الرشد

اترك تعليقا