السعودية هي الثمن عند ترامب
عبده فايد
- dr-naga
- 29 مايو، 2026
- حوارات ومقالات
- إيران, الاتفاقات الإبراهيمية, التطبيع, السعودية, السعودية هي الثمن عند ترامب, ترامب, دول الشرق الأوسط, عبده فايد, قطر
أصبح كل شيء واضحًا..السعودية هي الثمن..الثمن الرخيص جدًا للهزيمة الأميركية..
الرئيس الأميركي دونالد ترامب كشف المستور في الغرف المغلقة..أجرى مكالمات مع زعماء دول الشرق الأوسط بالكامل، ثم خرج بتصريح مكتوب يُعلن فيه جزء مما دار في تلك المحادثات الهاتفية، وأهمها مطالبته دول المنطقة وبالأخص السعودية وقطر بالتطبيع مع العدو العبري والانضمام للاتفاقات الإبراهيمية، وإلا خرجت من صفقة التسوية المرتقبة مع إيران..هل تعرف ما هو المؤسف حقًا؟..
عام 1990 بدأ الحلم الأميركي-العبري بمحو المنطقة..قام صدام حسين بغزو الكويت، وانقسم العرب كما لم يحدث من قبل..حتى في كامب ديفيد كانت الأمور واضحة..العرب بالكامل باستثناء سلطنة عُمان والسودان يقفون ضد مصر علنًا، ويحتفظون معها بهامش من التنسيق الاستخباراتي سرًا..لكن بعد الثاني من أغسطس عام 1990 انهار العرب في المطلق..معسكر مع الكويت، وآخر في صف العراق، وبين الإثنين انتهى مفهوم الأمن العربي، حين أرسل أثرياء النفط والجاز في استدعاء 750 ألف جندي من 29 دولة، من بينهم نصف مليون أميركي لتحرير الكويت من صدام..وعندما يضع الأميركي قدمًا في منطقة، أي منطقة، لا يغادرها بسهولة..لكن القواعد العسكرية الأميركية في الخليج لم تكن الخبر الأسوأ، بل الأثمان السياسية التي أعقبت الحملة العسكرية الأميركية لنجدة العرب من طغيان العرب..الثمن هو التطبيع..وبالفعل..أصبحت القضية الأهم جزءً من الماضي، واندفع العرب أنفسهم للضغط على منظمة التحرير من أجل قبول صفقة شاملة للحل التاريخي..أي حل؟..عاصمة وحدود وعودة اللاجئين..فكان مؤتمر مدريد عام 1991..وقتها رفض حتى العدو العبري أن يرتدي زعماء المنظمة الكوفية أو أن يرفعوا علمهم، وإنما أصروا على وجودهم حصرًا ضمن الوفد الأردني، كدليل أولي على الخضوع..وافق العرب..اقبل يا عرفات اليوم حتى تجني ثمار السلام غدًا..ولن يتأخر عرفات في إلقاء البندقية وبأكثر مما تمنّى الأميركيون ألف مرّة..
بعد عامين من مؤتمر مدريد، طار يؤيل زينجر المستشار القانوني لوزارة الدفاع العبرية كالمجنون، من العاصمة النرويجية أوسلو إلى باريس..التقى بالوزير شيمون بيريز ليطلعه على نتيجة المفاوضات السرية مع وفد عرفات وأخبره نصًا..إن لم نوقع اتفاقًا مع هؤلاء، سنكون أكبر مغفلين عرفهم التاريخ..حصل زينجر على تنازلات لم يحلم بها..وقال في مذكراته نصًا..أنه طرح 100 سؤال على الفلسط*نيين، وتلقى 100 جواب، لكن المدهش ليس الإجابات فحسب، بل أنه لم يتلق في المقابل ولا سؤال واحد من وفد عرفات..عام 1993 كان زمن الهزيمة الكاملة..عرفات مُحاصر في تونس، وممنوعة عنه سيول الأموال الخليجية التي كان يتلقاها خلال حقب الستينات والسبعينات، ولم يعد هناك ثمة صراعات عربية-عربية يُمكنه الاستفادة منها للحصول على مكاسب..العراق تعرض للدمار وفقد الملاءة المالية، وحافظ الأسد بعد معركة المخيمات التي خاضها نبيه بري نيابة عنه، لن يستثمر فلسًا واحدًا في المنظمة، خصوصًا بعد الحصول على لبنان كثمن لمشاركته العسكرية في الحملة الأميركية ضد صدام حسين ب 14 ألف جندي سوري، ومصر النسخة المباركية أصبحت صديقًا عبريًا، ونالت هي الأخرى الثمن مرتين، واحدة باستعادة العلاقات مع الخليج، وثانية بخفض ديونها للنصف..والخليج انتهى دوره العربي..ثمة عدو قديم يجب التأكد من إفنائه وهو العراق، وهناك عدو جديد يجب الاستعداد له وهو إيران..وقع عرفات على أوسلو..وبدأ حلم السلام الجديد..وأولى محطاته كانت الأردن بتوقيع اتفاق وادي عربة عام 1994..لكن الغنيمة الأكبر كانت في الخليج..من سيفتح الباب؟..قطر..
ثلاثون ساعة كاملة كانت من الأكثر صراحة في تاريخ أي سياسي عربي..المقصود هنا هو تلك الحلقات التي سجّلها وزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم تلفزيونيًا، لصالح صحيفة القبس الكويتية..راوغ الشيخ حمد كثيرًا، واعترف كذلك بالكثير..قطر الجديدة بعد انقلاب الأمير الإبن على الأمير الوالد كانت تطمح لدور سياسي كبير في المنطقة، وأمامها في المقابل خصم خليجي لا يقبل يومًا بالمنافسة وهو السعودية، وخصم آخر عربي لم يرتاح أبدًا للتوجهات القطرية الجديدة وهو مصر..السعودية خاضت معركة صغيرة ضد قطر في نقطة حدودية وهي الخفوس سابقًا، وما تزال ذكرى التجرؤ القطري حاضرة في أذهان السعوديين، ولم تكد تندمل حتى ارتعبت الرياض من فكرة الإطاحة بحاكم خليجي في انقلاب منظم، لأنها تعلم بالتجربة أن ما يبدأ في خاصرة نفطية صغيرة سوف ينتهي في قلب قصورها الوارفة..وبدأ الحصار الناعم السعودي-المصري لقطر في تسعينات القرن الماضي، ووصل في أسوأ فصوله لتمويل انقلاب عسكري ضد الحكم الجديد، لولا انكشاف أمره، وذهاب حمد بن جاسم للقاء السيد عُمر سليمان لمحاولة تهدئة المخاوف المصرية بشأن النظام القطري الجديد..قطر تمكنت من النجاة هذه المرة..لكنها لن تضمن النجاة في كل مرة..فبدأت السعي لتأمين مشروعها القادم..ووجدت الحل الأمثل في أن توفر للولايات المتحدة إقامة أكبر قاعدة عسكرية أميركية في العالم على أراضي الدوحة..والخطوة الثانية هي إقامة علاقات مع الكيان العبري، وهو ما جرى في العام 1996 حين تبادل الطرفان إقامة ممثليات تجارية..وكانت تلك مفارقة لم يسبق لها مثيل في تحولات القوى في العالم العربي..صعود دولة عربية لمواجهة مراكز القوى العربية التقليدية بحماية أميركية وتطبيع خفيف المستوى مع الكيان..زلزال ستكون له تبعات قاسية على المنطقة..
قطر كانت أكبر اختراق عبري للخليج..لكن سبقتها دولة خليجية أخرى..سلطنة عُمان..وكانت تفاصيل تطبيعها هي الأخرى مخزية..سنة 1994 قبل العمانيون بما رفضه القطريون أنفسهم..زيارة من رئيس وزراء العدو لأراضيهم..وبالفعل..زار إسحاق رابين العاصمة مسقط، واتفق الطرفان بعد ذلك بعام في إجتماع جري في ميناء العقبة الأردني علي إقامة علاقات دبلوماسية علي مستوي مكتب رعاية المصالح التجارية.. وفي عام 1996 افتتح العدو مكتبًا في مسقط برئاسة عوديد بن حاييم، وترأس، في المقابل، محسن البلوشي البعثة التجارية الُعمانية في الكيان، لتصبح عُمان أول دولة عربية خليجية لها ممثلية دبلوماسية في أراضينا المحتلّة..لن يقف الأمر هنا، بل سيمتد إلي المجال الإقتصادي سواء بشراكات قصيرة بين بنكي مسقط الأهلي وهابوعليم، أو بإنشاء إطار تقني للإستفادة من خبرات العدو في مجال تحلية المياه، تحت مسمي مجلس أبحاث تحلية المياه ( MEDRC ) في مسقط عام 1996، والذي ضمّ في مجلسه التنفيذي عُمان ،قطر، الأردن، العدو العبري، الولايات المتحدة..وغيرها من الخطوات التي سردها كينيث كاتسمان في ورقته البحثية تحت عنوان ‘‘ Oman: Reform, Security, and U.S Policy‘‘..وإن كانت قطر تبحث في التقارب مع المحور الأميركي-العبري عن مظلة لحمايتها من الضغط السعودي-المصري، فإن سلطنة عمان كانت تبحث بدورها عن شخصية سياسية جديدة في منطقة يتصارع عليها عملاقان جغرافيان، إيراني وسعودي، ووجدت في التقارب مع الكيان مساحة الحلول الوسط..أي أن تكون القوة الوحيدة في المنطقة القادرة على التحدث للجميع ونقل الرسائل بين الأضداد..لكن في المحصلة..وقع الشرخ الأعظم..العدو العبري صالح القاهرة، وصافح عمّان، وتاجر مع الدوحة، واستثمر في مسقط..حينما جاء العام 2000..كان العدو في أفضل نقاط تمركزه الاستراتيجية على الإطلاق.. لكن المشكلة الرئيسية..أن العدو فعلًا لا يستر حلفاءه..لا سلطة أوسلو ولا عرب التطبيع..
كان الصراع على أشدّه بين تيارين في الكيان..تيار رابين- بيريز من ناحية وتيار بيبي-شارون من ناحية أخرى..بيريز كان نصابًا كلاسيكيًا..صاغ مشروعًا للسلام العكسي..لا أرض ولا عاصمة ولا عودة للاجئين من أهالينا في الأراضي المحتلة..علينا الآن أن نبدأ المسار بالعكس..تطبيع مع العرب وبالأخص أثرياء النفط وحين تقوى العلاقات التجارية، ونأمن لبعضنا البعض، يُمكن حينئذ أن يمنح العبريون عرفات وقومه حلم الدولة..ومن تلك المقاربة أصلًا بدأ التطبيع القطري-العُماني مع العدو..لكن التيار الآخر كان بزعامة رئيس الوزراء الحالي الذي صاغ كتابًا موازيًا لكتاب بيريز..حمل كتاب بيريز اسم ‘‘الشرق الأوسط الجديد‘‘، أما كتاب ‘‘بيبي‘‘ فجاء تحت عنوان ‘‘ مكان تحت الشمس‘‘..وهي الرؤية التي انتصرت في عالم اليوم.لا سلام بالاتفاقات..فقط بالقوة الغاشمة، ولا حقوق أصلًا لأهالينا كي تُمنح، وإنما رؤية عبرية واحدة يجب أن تسود..ويجب أن يبقى العرب ضعفاء..ضعفاء مسحوقين مرة واحدة وللأبد..ثمة عبارة كتبها ‘‘بيبي‘‘ وتشرح كل شيء في الواقع العربي المعاصر ‘‘ إن من يُحرم من حمل السيف، سرعان ما ينسى كيفية استخدامه ويبدأ استعداده النفسي للمقا*مة يتلاشى‘‘..تمت تصفية رابين وانتصرت مقاربة النتن..الفتى العائد من أميركا محمولًا على أعناق الليكود ليمحو كل بقايا وجود العربي الرافض في المنطقة سوف يصبح رئيسًا للوزراء، ثم تطيح به أزمة داخلية ليبدأ الصقور موسم صيد العرب..وتبدأ الهبّة الكبرى في الضفة عام 2000..صدّق العرب شهد بيريز ورابين وجنوا علقم النتن وشارون..واتضح كل شيء..لا سلام مهما تنازل عرفات ومهما قدّم العرب..فقط إخضاع دائم وإذلال مديد..وفي الخلفية كانت السعودية تنتظر..
رياض فهد وعبد الله غير رياض سلمان وابنه..يجمعهما سمت مشترك واحد..الخضوع المطلق للهيمنة الأميركية، لكن يفرقهما الخبرة التاريخية..رياض أبناء الملك المؤسس كانت ترى في نفسها الوريث الأول لحكم المنطقة، وتلتزم بالحد الأدنى من الثوابت العربية، وأهمها رفض الاعتراف بالكيان..ثم تنازلت عام 2002 في مبادرة الرياض الشهيرة ووافقت على الاعتراف شريطة دولة على حدود 67..لم تكن السعودية يومًا دولة مواجهة، لكنها في الوقت ذاته لم تكن ساحة للتطبيع..تحتفظ بروابط سرية على مستوى الاستخبارات مع الكيان، وتصعّد رجالًا أقوياء لإدارة تلك المساحات الملتبسة وكان أهمهم بلا منازع تاجر السلاح وأحد أغنى أثرياء الكون في عصره السيد عدنان خاشقجي..لكنها في المناسبات الكبرى تخرج لتؤكد على حق حمل السلاح الشرعي والدفاع عن النفس..والسعودية في ذلك كان تُقيم وزنًا للتحالف الاستراتيجي الرابط بين أمرائها والتيار الديني السلفي المحافظ..والأهم أنها كانت محكومة بخبرة جهيمان العتيبي في احتلاله للحرم المكي عام 1979 والذي دفع الملك خالد وفهد ومن بعدهما عبد الله لاتخاذ خط أكثر تشدّدًا في محاولة لمصادرة الأصول الجماهيرية للتيارات السلفية الجها*ية..والأكثر أهمية هو أن الدفاع عن القضية علانية كان في وجهه الآخر موازنة للخصم الإيراني..كانت طهران هي الراعي الأول للحركتين الإسلاميتين الأكبر في القطاع والضفة، ولم تنس السعودية يومًا الصدام المروّع في الحرم المكّي أثناء موسم الحج لعام 1987 حين وقعت اشتباكات بين الحجاج الإيرانيين وقوات الأمن السعودية، والتي أسفرت عن 402 ضحية لقوا ربهم في أقدس أيام الله..التخلي عن القضية والقبول بما وافقت عليه قطر وسلطنة عمان لم يكن خيارًا سعوديًا..لأن الثمن الأول هو احتكار إيراني مطلق للقضية ومعها في ذلك أفئدة ملايين الشيعة في المنطقة الشرقية من المملكة، والثمن الثاني هو تقوية تيار تنظيم القا*دة في الجزيرة العربية والذي خاض حربًا هائلة ضد الوجود الأميركي في الرياض وضد الشرطة السعودية نفسها..لا بد من الحفاظ على الشكليات..لا بد من الاستمرار في رفض التطبيع..الثمن هو زوال المُلك..ولا أحد من أبناء عبد العزيز آل سعود سوف يقبل دفعه..
الإخوان المسلمون كانوا هم اللحظة الفارقة في تاريخ علاقة السعودية بالقضية..كان حكام الرياض مستعدين لتحمل وجود الإخوان طالما كان بمقدورهم السيطرة على بندول حركتهم..كانوا أصدقائها المقربين في فترة حكم تنظيم الضباط الأحرار لمصر، ثم شركائها الموثوقين في فترة الصلح الساداتي مع الجماعة، لكن الرياض لم تنس للإخوان مذكرة الإصلاح عام 1994، أسرتها في قلبها وعاقبت رموزها بالحد الكافي..لكن كل ذلك في كفة ومحاولة الإخوان حكم دولة عربية عملاقة مثل مصر في كفة أخرى..كان ذلك هو التهديد الوجودي الأكبر للنظام السعودي..يُمكن للرياض مواجهة ناصر العلماني/الاشتراكي بسهولة مكلفة ماليًا..لكن كيف تواجه أسرة آل سعود صاحبة الشرعية الدينية الأعظم في نفوس العرب، كيف تواجه أكبر تنظيم سياسي/ديني في العالم العربي..يستخدم نفس الخطاب وينافح عن ذات الفكرة والأهم أنه يخطاب الجمهور عينه..جمهور المحافظين العرب، وبمفردات جديدة تمامًا عن الولاية الجبرية لأولي الأمر ويستبدلها بالديمقراطية والانتخابات والإصلاح..الإخوان يحكمون مصر..الإخوان يقا*مون في القطاع..يمتلكون شرعية الحكم والسلاح..لا خطر أشد فداحة للسلالة الوراثية السعودية من ذلك..وكان الثمن انتفاضة سعودية عارمة لمحو نموذجهم..حالة الرعب العارمة التي دفعت الملك عبد الله لتقديم أكبر مكرمة لشعبه في التاريخ ب 200 مليار ريال سعودي لن يُسمح لها بالتكرار.. أجهضت الرياض نموذج الإخوان لا شك، لكنها أخذت كذلك على عاتقها تنفيذ انقلابها الأهم على كل المفردات الجامعة بين خطابيهما..وأول الضحايا كان القضية..حصار للحركة الخضراء في الداخل السعودي وقطع خطوط التمويل والقبض على الكوادر..رحل الملك عبد الله ثم جاء شقيقه سلمان ليفض التحالف الوثيق مع التيار الوهابي ويبدأ في تدجين رموزه سجنًا وترهيبًا..ويُعلن عصرًا جديدًا في المملكة تنقلب فيه على زمان الصحوة الإسلامية لصحوة أميركية..مجتمع من الشباب المتعلمين في أرقى الجامعات الغربية جرى إعدادهم كطبقة وسطى جديدة تقبل بالصفقة المؤسسة للجيل الثاني في العرش..الحرية الاجتماعية مقابل الاستبداد السياسي..تنتظر دور الإمارات في الحكاية؟..لا..الأهم هو البحرين..
البحرين هي المختبر السعودي الأصغر..بلد فقير قياسًا لجيرانه..يعج بالتنافضات المذهبية..أغلبية شيعية تحكمها أقلية سنية، وتحتاج لدعم متواصل من الرياض لضمان هيمنة الأسرة الحاكمة..وقع الاختبار في 2011 ولولا قوات درع الجزيرة التي قادتها السعودية لانقلبت الأمور في البحرين رأسًا على عقب وأصبح لإيران صديق جديد على تخوم الرياض بعد صنعاء..أنفقت السعودية بسخاء على البحرين..صنعتها على مقاس أمنها الإقليمي..محمية صغيرة، وساحة ترفيه خليجية في أيام العطلات الأسبوعية عبر جسر الملك فهد..وحين يأتي العام 2020 ويخرج لأول مرة بث مباشر بين تلفزيونات أبو ظبي والمنامة والكيان..فإن أول ما يجب أن يلفت نظرك هو البحرين قبل الإمارات..الأخيرة تمتلك هامش حركة بعيدًا عن الهيمنة السعودية، أما البحرين فمجرد محافظة سعودية صغيرة الحجم، ولا يُمكن على الإطلاق تصور مشاركتها في الاتفاقات الإبراهيمية دون ضوء أخضر سعودي حاسم..وكانت تلك الفاجعة العربية الأفدح بعد تطبيع كامب ديفيد ثم وادي عربة ثم اتفاقات قطر وسلطنة عمان..في حالتي مصر والأردن استمرت العلاقات مع الكيان مؤسساتيًا دون حدوث اختراق شعبي..وفي الدوحة ومسقط حدث تراجع كبير إثر التطورات في الأراضي المحتلة..أوقفت السلطنة قطار التطبيع عام 2000 وقطعت قطر علاقتها التجارية رسميًا مع الكيان عام 2008..أما البحرين والإمارات فقد بدأوا من حيث يجب أن ينتهي الأمر..سلام بلا شروط..سلام بكل الامتيازات المتخيلة من سفر وسياحة وكنائس وأغاني وأهازيج..يقولون بأن البطل الراحل ذو العصا كان مخبولًا..كان واقعًا تحت تأثير تجربة سجنه الممتدة لربع قرن في سجون العدو العبري..لا..كان يرى الخطوة التالية بجلاء..السعودية في الطريق بعد أن اختبرت الرأي العام العربي بالتوقيع البحريني..وإن كانت مصر كامب ديفيد هي كارثة القضية الأولى، فرياض الاتفاقات الإبراهيمية هي الضربة القاصمة لها..السعودية هي الجائزة الكبرى التي لو حصل عليها الاحتلال، لأصبحت قضية أهالينا أندلسًا جديدًا محله الروايات والمراثي الشعبية..فكان يوم السابع هو المحاولة الأخيرة لوقف السقوط العربي..نار متقدة في الإقليم والعالم بأكمله..
لم تتأخر السعودية في اختيار موقعها الجديد..جنون من التحريض الإعلامي ضد القطاع..لم تكن مجرد حركة عشوائية نابعة من حقد صحراوي دفين..بل اختيارًا عقلانيًا للحيز الجديد..السعودية تقود المنطقة لمحو أبدي للحركة التي تنازعها قيادة الخطاب السني، وتحرّض من بعيد للحظة التالية بإفناء الحاضنة الشيعية الكُبرى ممثلة في إيران..لحظة تأسيسية للعالم الجديد الذي تتولى فيه الرياض قيادة المنطقة العربية والتفاوض مع الأميركيين على مناطق النفوذ مع الكيان..لكنها في غمرة الانتشاء تناست أن الكيان وعد بألا يفاوض، ألا يتقاسم، وألا يشارك..أن يحكم فقط بلا منازع..غفل حكام قصر اليمامة عن الصعود الصاروخي الإماراتي بالشروط العبرية الكاملة..في ظرف عقد واحد أحدثت الإمارات الاختراق النوعي الأكبر في السياسة والثقافة العربية..جيوش من المرتزقة في شبكات الإعلام الرسمية والمؤثرين الجدد، وتحالفات وثيقة مع العروش العربية بالدين والسلف، وحين أتت اللحظة الحاسمة نفذت انقلابها بتدشين منظومة أمنية/عسكرية وثيقة مع الكيان تحوّلت بموجبها لمستوطنة طوعية على ساحل الخليج العربي..الإمارات أعادت تعريف شروط القوة الخليجية..من محددات الجغرافيا والديموجرافيا والقوة العسكرية للتحالف مع العدو..وفي لمح البصر انتقل موقع السعودية من شريك كبير – محتمل – للعدو على أنقاض المدينة القديمة، لمجرد جواز سفر يجني به الكنيست العبري والكنيست الإماراتي مكاسب العبور لملايين من أفئدة السنة في المنطقة..قدّم محمد بن سلمان كل شيء..تريليونات الدولارات في رشى تجارية لإدارات ترامب المتعثرة، غض الطرف عن صفقة القرن، وتدمير واسع لشرعية الحركة الخضراء..وحين أتي موعد قبض الثمن..وجد ترامب يحدثّه بمنتهى التبجح..مرة بتقبيل كذا، والثانية بمساومته..إما تطبيع مع الكيان أو أن نتركك وحيدًا لمواجهة إيران..
هذا البيان المخزي لم يكتبه ترامب..بل الإدارة العبرية..بيان من الغطرسة والتجبر يحاول به بيبي وترامب استباق الاتفاق مع إيران..ثلاثة أشهر من الحرب والتفاوض ولم يجن الأميركيون المكسب المتوقع باستسلام إيراني مطلق في المخزون النووي والبرنامج الصاروخي وشبكات الحلفاء..لم يسقطوا النظام ولم ينصبوا العملاء ولم يكرروا سيناريو فنزويلا..من أين يأتي التعويض؟..من السعودية..الهدف النهائي أصلًا لكل العمليات الحربية ضد إيران هو تسوية الأرض بالمدافع ليتقدّم العبري منتصرًا، ويفرض ما قاله النتن نصًا..السلام بالقوة..ويهرول عرب الخليج والسعودية أولهم لإمضاء الاتفاقات الإبراهيمية مقابل الفتات..فشلت الحملة العسكرية على إيران..ويطالب ترامب اليوم بالثمن..ليس من موقع الحليف في مخاطبة تابعه..بل من مركز الآمر الناهي..افعل كذا يا بن سلمان وإلا كذا..لغة شديدة المهانة في حق دولة لطالما خرج أفراد لجانها صادحين باسم ‘‘السعودية العظمى الجديدة‘‘..عظمى ربما على جيرانها، لكنها في مقام حبة الخردل في الخطابات الأميركية..السعودية هي الغنيمة المنتظرة..حجر العثرة الأخير الذي إن سقط تحت عجلات الاتفاقات الإبراهيمية، لاحتاجت القضية مئات السنوات لإعادة انبعاثها..تخيّل فقط عالمًا فيه سياح عبريون في قلب العُلا، ورجال وفتيات سعوديون يتنزهون على سواحل إيلات..ومصري ينير منزله بالغاز العبري، وأردني يجني رزقه بالعمل داخل الأراضي المحتلة..والسيدة نادين لبكي تذرف دموعها في مهرجان يافا على الماضي الذي فات لبنان دون سلام مع الكيان، والسوري يقيم منطقة تجارية من موقع مقدم الخدمات رخيصة الثمن في الجولان..تخيّل أراضي الكعبة والأزهر ودمشق العروبة وبيروت البندقية..تخيلهم جميعًا ثم حدثني عن القضية..
المؤسف في القصة السعودية..في القصة العربية عمومًا..ليس لغة الأمر والنهي الترامبية..المؤسف هو الفرص الضائعة في انتزاع موقع أفضل في المفاصلة الأميركية..تسليم كافة الأوراق..إلقاء كل بندقية..التآمر على كل حر في القطاع..ظنًا أن ذلك سيدفع الأميركيين والعبريين لإعلاء شأنهم ومقاسمتهم الغنائم..المؤسف هو تفويت فرصة تاريخية لإقامة جدار عازل بين الكيان وبيننا في حرب العامين..لاستنزافه في حرب مديدة تدفعه في المقابل للعودة لصيغة الأرض مقابل السلام..لاستنزاف الموارد الهائلة في تدشين قواعد عسكرية عملاقة في قلب الخليج ثمنًا للخلاص من إيران، بدلًا من الحفاظ على توازنات القوى وتغييرها بصعود خليجي محلي يوازي المد الإيراني الكبير..وبعد كل تلك الأثمان المهدرة تقف إيران لتتفاوض من موقع شامخ على حقوقها القادمة في الإقليم، ويدفع عرب الخليج ماء وجههم وثروات نفطهم للأميركيين..عام 1992 وقف رئيس وزراء العدو الحالي ليحذر من الخطر الإيراني..وقع ذلك مباشرة بعد تخلصه من الخطر العراقي بتدمير صدام حسين..وبعد 34 عامًا من الجنون الإعلامي نال مبتغاه بحربين على إيران، وعاد خائبًا..أتظنّه بعد إيران سوف يصمت؟..في الأمس كانت مصر وسوريا، ثم العراق فإيران..ويحسب العربي الخائب المتخم بآثام النفط أن العدو لديه نقطة وقوف..أنت التالي..إن لم يكن بالتوقيع على الاتفاقات الإبراهيمية..فغدًا مصيرك التقسيم..وغدًا في ميزان العدو يأتي مهما طال الوقت..لأنه يمتلك السلاح الأكثر نفاذًا في الإقليم..خيانات العرب..وخياباتهم..وإماراتهم..إمارات زايد التي حاصرت السعودية من حيث لا تتوقّع !