الجماعة الإسلامية وتحدي الذاكرة: هل أُنصفت سيرة صلاح هاشم الحقيقة ؟
عمرو عبد المنعم يكتب
- dr-naga
- 22 يونيو، 2026
- حوارات ومقالات
- الجماعة الإسلامية, الذاكرة, سيرة صلاح هاشم, صلاح هاشم الجماعة الإسلامية, عمرو عبد المنعم
ليست المشكلة في أن تنشر الجماعة الإسلامية مذكرات أحد مؤسسيها التاريخيين، فذلك أمر يُحسب لها من حيث المبدأ، وإنما تكمن المشكلة في الكيفية التي تُروى بها الأحداث، وما يُختار منها وما يُستبعد، وما يُسلَّط عليه الضوء وما يُترك في الظل. فالتاريخ لا يُختزل في سرد الوقائع، بل في فهم دلالاتها وقراءة سياقاتها وإبراز اللحظات الفارقة التي صنعت التحولات الكبرى.
مؤخرًا، نشرت الجماعة الإسلامية مذكرات المهندس الراحل صلاح هاشم، أحد مؤسسي الجماعة وأحد أهم وجوهها الدعوية والتنظيمية عبر عقود طويلة. وبعيدًا عن الكم الكبير من التفاصيل التاريخية التي تضمنتها المذكرات، فإن ما يلفت النظر ليس ما ورد فيها بقدر ما غاب عنها.
لقد عايش الرجل مراحل تأسيس الجماعة الإسلامية، وشهد تحولات الحركة الإسلامية في الجامعات، وتقلبات العلاقة مع الدولة، ثم كان حاضرًا في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الجماعة، وهي مرحلة الوساطة عام 93 ومبادرات وقف العنف بعدها. ومع ذلك، بدت بعض المحطات الجوهرية في سيرته وكأنها مرت مرورًا عابرًا لا يتناسب مع أهميتها التاريخية.
ومن أكثر ما يثير التساؤل ما ورد بشأن واقعة اعتقاله يونيو عام 2002، وهي تجربة شديدة الأهمية في مسار الرجل الشخصي ومسار الجماعة نفسها. فقد تعرض للاعتقال ثمانية أشهر، خمسة اختفى تمامًا وثلاثة أشهر ظهر في سجن المزرعة العمومي مع المحامي علي راضي، قيل إنها بسبب تحفظ الراحل على المبادرة. كيف تغيب هذه الفترة عن المذكرات ولا تظهر إلا في سبعة سطور فقط لا غير، وهي ظروف تستحق، من وجهة نظر الباحثين في تاريخ الجماعات الإسلامية، دراسة مستقلة وتحليلًا أعمق مما ورد في بضعة أسطر مقتضبة.
إن هذه المرحلة ليست تفصيلًا هامشيًا في حياة صلاح هاشم، بل تمثل جزءًا من تاريخ الجماعة الإسلامية نفسها. ولذلك فإن تجاوزها أو اختصارها يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول منهجية تحرير المذكرات في الجماعة الإسلامية ومن يُديرها، هل هم الثلاثي الحزين المنفلت والمنقلب على فقه المراجعات (عاصم عبد الماجد، أبو خالد سليمان العدل، وعلي الديناري)، وحول طبيعة الرؤية التي حكمت إخراجها للقارئ.
فما زال الجدل قائمًا حتى اليوم حول تجربة المراجعات الفكرية، وما صاحبها من تحولات وصراعات داخلية، وما نتج عنها من انقسامات في الرؤى والتقييمات. ولهذا فإن أي محاولة لتوثيق سيرة أحد رموز تلك المرحلة يجب أن تتعامل مع هذه الملفات بحس تاريخي وبحثي، لا بمنطق الانتقاء أو المجاملة أو عمل حساب مجموعات الأيديولوجيا الفاتنة ورفقاءهم في الخارج من مؤسس مركز حريات طارق الزمر وحواريه.
لقد كان صلاح هاشم أكثر من مجرد قيادي تنظيمي. فقد لعب أدوارًا مهمة في مرحلة الوساطة التي سبقت مبادرة وقف العنف، وكان جزءًا من شبكة اتصالات معقدة ضمت شخصيات دينية وفكرية وأمنية وسياسية، وأسهمت في تهيئة المناخ الذي أفضى لاحقًا إلى مبادرة وقف العنف، إحدى تحولات الجماعة الكبرى في علاقة الجماعة بالدولة بعد ان تسببت في إقالة وزيرين للداخلية عبد الحليم موسي وحسن الالفي .
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى قراءة أشمل لتجربته، لا باعتبارها سيرة فردية فحسب مبتورة أشبه بأجندة حوادث يومية أ, تدوينات تاريخية تمر مرورًا عابرًا على الأحداث التاريخية وكان صاحبها يكتب أحداثًا لا ذكريات، بل باعتبارها نافذة لفهم مرحلة كاملة من تاريخ الحركة الإسلامية المصرية.
في تصوري، لقد أخطأت الجماعة في نشر المذكرات بهذه الصورة المجتزأة وغير المكتملة للرجل وللدور الذي لعبه، ولم تحظ بعض المحطات المفصلية في حياته بما تستحقه من تحليل وتوثيق وخاصة انها تعبر عن وزن داخل الجماعة .
هناك احتمالان لا ثالث لهما: إما أن صاحب المذكرات نفسه لم يتوسع في تناول تلك المرحلة، وخاصة تجربة السجن وصدامه مع الشخصية الأمنية مثل الحاج مصطفى رفعت اللواء الراحل أحمد رافت لأسباب تخصه، وإما أن عملية التحرير والنشر خضعت لاعتبارات الرقيب العثماني، فرأى أن بعض الملفات لا ينبغي أن تظهر، كما حدث في مذكرات القيادي بالجماعة محمد يحيى أمير المنيا. وفي كلتا الحالتين يبقى الخطر في تدخل الجماعة وقيادتها في الأحداث التاريخية وهو عور تاريخي في منتهي الخطورة ، واللعب بهذه الطريقة الخطيرة في التاريخ يحتاج وقفة قوية ، لأن الباب في المقابل مفتوح أمام الباحثين وشهود العيان الأحياء والوثائق لإعادة استكمال الصورة، شاءت الجماعة أم أبت ومنها بحث كتبه الراحل بنفسة بعنوان ” الصراع بين الحركة الاسلامية الاسباب والعلاج ” مجلة المنار لصاحبهاجمال سلطان، وشهادة الراحل نفسه المختلفة عن هذه الذكريات في مجلة مراجعات عن نشأة الجماعة الإسلامية بمصر عام 2000 .
إن الذاكرة الجماعية لأي حركة أو جماعة لا تُبنى بحذف ما يثير الجدل، ولا بتجاوز المراحل الصعبة، بل بمواجهة التاريخ كما وقع، بكل نجاحاته وإخفاقاته، وبكل ما فيه من أسئلة مؤلمة وإجابات معقدة.
لقد رحل صلاح هاشم إلى الله، بعد أن أسس جماعة أحدثت قلقًا وضجيجًا وأخطاء ودماء وحسنات وسيئات، كان بها شباب عندما تنظر إليهم تتعجب لماذا لم تفتح القدس ولم تعمر سيناء ولم نصل بهم إلى المريخ ـ المؤرخ الحق ليس معنيًا بصراعات التأويل أو الحسابات التنظيمية ولا الصدقات الشخصية، أما ما بقي من الجماعة الإسلامية فهو إرث تاريخي يحتاج إلى توثيق أمين، وإلى قراءة علمية هادئة تتجاوز الانحيازات والصراعات الداخلية. فهي ملك لجيل قادم من الشباب.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ظهرت بالفعل السيرة الكاملة لصلاح هاشم، أم أن هناك صفحات أخرى لم تُفتح بعد، ووثائق لم تُنشر، وشهادات لا تزال تنتظر من يخرجها إلى النور؟
حينما تخون الجماعة ذاكرة التاريخ
فالتاريخ، مهما طال الزمن، لا يتوقف عند الرواية الأولى، بل يظل يبحث دائمًا عن روايته الأكمل.
