يوم عاشوراء.. قصة النصر وعبادة الشكر

فضل صيام عاشوراء

في عمق الزمن وامتداد السنين، تقف بعض الأيام كمنارات مضيئة تذكر الإنسانية بوقائع حاسمة غيرت مجرى التاريخ، وأرست قيم الحق والعدالة في مواجهة الظلم والطغيان. ومن أبرز هذه المحطات الإيمانية يبرز يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، هذا اليوم الذي يحمل في طياته أريج النبوة وعمق التاريخ، ويمثل رمزاً حياً لعناية الله بأوليائه ونصره لعباده المؤمنين. إنه ليس مجرد مناسبة عابرة في تقويم الأيام، بل هو مساحة زمنية تتلاقى فيها معاني الشكر لله مع العبادة الخالصة، وتتجلى فيه وحدة الرسالات السماوية التي يصدق بعضها بعضاً وتقتفي الأثر ذاته في تعظيم شعائر الله.

ويوافق يوم عاشوراء (10 محرم 1448 هـ) هذا العام يوم الخميس 25 يونيو 2026 في مصر، والسعودية، ومعظم الدول العربية والإسلامية.

يوم عاشوراء: ملحمة النجاة وموقف الشكر النبوي

تبدأ القصة السردية لهذا اليوم العظيم من لحظة فارقة في التاريخ البشري، حين انشق البحر لموسى عليه السلام وقومه فكان كل فرق كالطود العظيم، ليمر المستضعفون إلى بر الأمان بينما يبتلع اليم فرعون وجنوده ليكونوا آية لمن خلفهم. وتنتقل المشاهد الإيمانية إلى المدينة المنورة، حيث يروي الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فسألهم عن سبب ذلك فقالوا إن هذا يوم صالح نجى الله فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى شكراً لله، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن أعلن الانتماء الأعمق لهذه السلسلة النورانية من الأنبياء قائلاً إننا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر الناس بصيامه، لتصبح النجاة التاريخية عبادة إسلامية ممتدة عبر الأجيال.

فضل صيام عاشوراء: من الفريضة إلى النافلة المكفرة للذنوب

مر صيام يوم عاشوراء بمراحل تشريعية دقيقة تعكس تدرج الأحكام وتأكيد مكانة هذا اليوم في الوجدان الإسلامي، حيث كان صومه مفروضاً في بداية الهجرة النبوية قبل أن يُفرض صيام شهر رمضان المبارك. ويسرد الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن عاشوراء كان يوماً تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضان ترك يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه. ورغم تحول الحكم من الوجوب إلى الاستحباب، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم ظل يخصه بعناية فائقة فائتة لغيره من النوافل، فقد أكد ابن عباس رضي الله عنهما أنه ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء وهذا الشهر يعني شهر رمضان، كما جاء في اللفظ المعتمد عند البخاري.

أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال صلوات الله وسلامه عليه: «صيام يوم عاشوراء، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله».

الحكمة في التكفير ومخالفة أهل الكتاب

تتجلى رحمة الله الواسعة في أن جعل صيام نهار واحد سبباً لمحو ذنوب عام كامل، ويوضح العلماء ومنهم الإمام النووي في كتابه المجموع شرح المهذب أن هذا التكفير يتوجه إلى الصغائر من الذنوب والخطايا، فإن لم يجد صغائر رُجي أن يخفف من الكبائر أو يرفع صاحبه درجات في الجنة. ومن تمام السنة النبوية في هذا اليوم الحرص على تميز الأمة الإسلامية واستقلال شعائرها، ولهذا عزم النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته على ضم اليوم التاسع إلى العاشر، حيث أخرج الإمام مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع، تطلعاً لمخالفة أهل الكتاب ومضاعفة الخير والفضل.

ينقضي يوم عاشوراء في كل عام ل يترك في نفس العبد المؤمن أثراً عميقاً يتجاوز مجرد الإمساك عن المفطرات، فهو يرسخ في الوجدان حتمية انتصار الحق مهما طال ليل الباطل، ويعلم الأمة كيف تترجم النعم والمنن الإلهية إلى عبادة عملية وثناء متصل بالصيام والذكر. والسعيد من وفقه الله لاغتنام هذه النفحة الربانية، فصام عاشوراء تائباً مستغفراً، ومقتدياً بالهدي النبوي الشريف، راجياً أن تطهر صحيفته من هفوات عام مضى، ليبدأ صفحة جديدة من الطاعة والتقرب إلى رب الأرض والسماوات.

صيام يوم عاشوراء

يوافق يوم عاشوراء (10 محرم 1448 هـ) هذا العام يوم الخميس 25 يونيو 2026 في مصر، والسعودية، ومعظم الدول العربية والإسلامية.

بناءً على ذلك، تكون مواعيد الأيام المستحب صيامها كالتالي:

  • يوم تاسوعاء (9 محرم): الأربعاء 24 يونيو 2026.

  • يوم عاشوراء (10 محرم): الخميس 25 يونيو 2026.

  • اليوم الحادي عشر (11 محرم): الجمعة 26 يونيو 2026.

(ملاحظة: قد يختلف الموعد بفارق يوم واحد (ليصبح الجمعة 26 يونيو) في بعض البلدان كالمغرب ولبنان بناءً على اختلاف رؤية الهلال لديهم وبداية شهر محرم).

اترك تعليقا