البطالة تضع وعود تونس بالتوظيف أمام اختبار معقد

العاطلون يطالبون بتحويل القانون إلى وظائف ومواعيد واضحة

لم تعد أزمة البطالة في “تونس” مجرد رقم اقتصادي يظهر في بيانات المعهد الوطني للإحصاء، بل تحولت مجددًا إلى اختبار مباشر لقدرة الدولة على تحويل التشريعات والوعود إلى وظائف فعلية، فمنذ 27 سبتمبر الماضي، يقطع عشرات من خريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم مئات الكيلومترات سيرًا على الأقدام من منزل “بوزيان” في محافظة “سيدي بوزيد” باتجاه العاصمة وقصر “قرطاج”، في ما أطلقوا عليه «مسيرة الكرامة»، مطالبين أساسًا بتفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025 المتعلق بالانتداب الاستثنائي في القطاع العام والوظيفة العمومية.

وبدأت المسيرة بنحو 23 مشاركًا، قبل أن يرتفع العدد، وفق لجنة تنسيقها، إلى أكثر من 120 شخصًا مع انضمام عاطلين من محافظات أخرى وآباء رافقوا أبناءهم، وبعد نحو 300 كيلومتر من السير، وصلت المسيرة إلى منطقة برج “السرية” جنوب العاصمة، لكن قوات الأمن منعت المشاركين من مواصلة التقدم جماعيًا نحو “تونس” العاصمة، في تطور نقل الاحتجاج من مجرد مطالبة بالتشغيل إلى اختبار مباشر لطريقة تعامل السلطات مع هذا الملف.

قانون على الورق..

تستند مطالب المحتجين إلى قانون قائم بالفعل، وليس إلى وعد حكومي جديد. فقد صدر القانون عدد 18 لسنة 2025 في 22 ديسمبر من العام الماضي، ونُشر في الرائد الرسمي في اليوم التالي، ونص على معالجة وضعية خريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم من خلال انتداب استثنائي في القطاع العام والوظيفة العمومية، تحت إشراف وزارة التشغيل والتكوين المهني.

وينص القانون على إحداث منصة رقمية لتسجيل المترشحين وترتيبهم تفاضليًا وفق معايير تشمل السن، مع أولوية لمن تجاوزوا 40 عامًا، وسنة التخرج، والوضعية الاجتماعية، إلى جانب تخصيص مقعد لفرد من كل عائلة دون اعتبار شرط السن، كما يحدد شروطًا أخرى للترشح، بينها التسجيل بمكاتب التشغيل وعدم الانتفاع سابقًا بإجراءات تسوية الوضعيات المهنية، وعدم الانخراط بصورة مسترسلة في منظومة التقاعد والحيطة الاجتماعية، فضلًا عن شروط تتعلق بالمعرف الجبائي والقروض.

والأهم أن القانون لا ينص على انتداب جميع المستفيدين دفعة واحدة، وإنما يقرر تنفيذ عمليات الانتداب على دفعات خلال فترة لا تتجاوز ثلاث سنوات من تاريخ صدوره، مع سد الشغورات في القطاع العام والوظيفة العمومية من بين المسجلين المستوفين للشروط، ومراعاة التوازن بين الاختصاصات.

ومن هنا تحديدًا نشأت الفجوة التي دفعت المحتجين إلى الشارع، فالقانون دخل حيز التنفيذ منذ ديسمبر 2025، لكن العاطلين ممن يراهنون عليه ما زالوا ينتظرون آليات ملموسة للانتقال من النص القانوني إلى التسجيل والترتيب ثم الانتداب، ولذلك تتركز مطالبهم على إحداث المنصة الرقمية، وتوضيح الإجراءات، وتحديد آجال التنفيذ والدفعات، بدل الاكتفاء بالتأكيدات العامة حول الالتزام بالقانون.

البطالة تعود إلى سيدي بوزيد..

في 6 أكتوبر، نفذ عدد من العاطلين ممن طالت بطالتهم وقفة احتجاجية سلمية في وسط “سيدي بوزيد”، مطالبين بالإفراج عن زميلهم “كريم ترعة” وفتح حوار مع المحتجين وتطبيق القانون عدد 18، ويأتي ذلك بالتوازي مع استمرار مسيرة الكرامة التي تحولت إلى أحد أبرز التحركات المرتبطة بملف التشغيل في تونس خلال الفترة الأخيرة.

وتكتسب “سيدي بوزيد” أهمية تتجاوز حدودها الجغرافية؛ فهي المنطقة التي ارتبط اسمها ببداية الاحتجاجات التي قادت إلى الثورة التونسية في 2011، عندما تداخلت مطالب العمل والكرامة والعدالة الاجتماعية مع الغضب من التهميش الاقتصادي، ومن ثم فإن خروج عاطلين من المنطقة نفسها، بعد سنوات من الثورة، للمطالبة بالحق في العمل يمنح التحرك دلالة رمزية تتجاوز حجمه العددي.

وتكشف شهادة “حفناوي بن جدو”، الذي يقول إنه يحمل شهادة عليا منذ 21 عامًا، الجانب الاجتماعي العميق للأزمة، فالبطالة الممتدة لا تعني بالنسبة إلى هؤلاء غياب الدخل فقط، بل ترتبط أيضًا بالشعور بالتهميش وفقدان المكانة الاجتماعية، فيما تتحمل الأسر بدورها كلفة سنوات الدراسة والانتظار، وتحول هذه التجربة الفردية مسألة التشغيل من ملف إداري إلى قضية تمس جيلًا كاملًا من الخريجين.

وتشير أحدث البيانات الرسمية إلى أن معدل البطالة في “تونس” بلغ 14.9% خلال الربع الثاني من 2026، بينما ترتفع النسبة بصورة أكبر بين حاملي الشهادات العليا والشباب، بما يعكس استمرار الفجوة بين مخرجات التعليم وقدرة الاقتصاد على توفير وظائف ملائمة.

وفي المقابل، لا ينبغي النظر إلى مسيرة الكرامة باعتبارها انتفاضة جماهيرية واسعة على مستوى البلاد؛ فعدد المشاركين فيها، رغم ارتفاعه من 23 إلى أكثر من 120 وفق لجنة التنسيق، يظل محدودًا مقارنة بحجم قوة العمل في “تونس”، لكن أهمية التحرك تكمن في توقيته ورمزيته، وفي أنه يضع قانونًا صادرًا بالفعل أمام اختبار التنفيذ.

اختبار الدولة والاقتصاد..

لم تتجاهل الرئاسة الملف، ففي 5 أكتوبر، بحث الرئيس قيس سعيّد مع رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزير التشغيل والتكوين المهني رياض شوّد مراحل تطبيق القانون عدد 18 لسنة 2025، وقال “سعيّد”: إن العاطل عن العمل لم يختر وضعه، وربط أزمة التشغيل بممارسات وامتيازات تراكمت على مدى عقود، من بينها انتدابات قال: إنها تمت أحيانًا على أساس شهادات مدلسة أو دون توفر المؤهلات المطلوبة، مؤكدًا أن الدولة ماضية في الوفاء بالتزاماتها.

لكن التطور الأهم جاء في اليوم التالي، عندما منعت قوات الأمن المشاركين في المسيرة من مواصلة دخول العاصمة في شكل جماعي، بعدما توقفت في برج السرية، وتوجه ستة ممثلين عن المحتجين إلى قصر قرطاج، لكنهم، وفق رواية المتحدثة باسم المسيرة، لم يلتقوا الرئيس، بل أحد مساعديه، ولم يحصلوا على جدول زمني واضح لتنفيذ القانون، وهنا تعود الأزمة إلى نقطة البداية: الدولة تؤكد تطبيق القانون، والمحتجون يريدون معرفة متى وكيف سيحدث ذلك.

اقتصاديًا، تبدو المهمة أكثر تعقيدًا من مجرد إصدار قرارات انتداب، فالتوظيف الحكومي قد يوفر حلًا مباشرًا لفئة من أصحاب البطالة الطويلة، لكنه لا يعالج جذور ضعف خلق الوظائف في الاقتصاد الخاص، ولا الفوارق التنموية بين المناطق الداخلية والساحلية، كما أن توسيع الجهاز العام بصورة كبيرة قد يفرض أعباء مالية مستمرة على الدولة، خصوصًا إذا تحول الانتداب الاستثنائي إلى بديل دائم عن إصلاح سوق العمل ورفع قدرة القطاع الخاص على خلق وظائف.

وفي الوقت نفسه، فإن ترك الملف دون تقدم ملموس يحمل كلفة اجتماعية وسياسية. فالمشكلة لا تتعلق فقط بعدد العاطلين، وإنما بسنوات الانتظار التي يعيشها خريجون في مناطق تعاني أصلًا ضعف الفرص الاقتصادية، وإذا بقي القانون في مستوى النصوص والإجراءات الإدارية، فقد تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي وتوقعات المستفيدين منه.

ويأتي ذلك بينما تستعد تسع منظمات وجمعيات ونقابات تونسية، بينها الاتحاد العام التونسي للشغل والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، لتنظيم مسيرة احتجاجية في العاصمة يوم 17 أكتوبر، على خلفية ما وصفته بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والتحديات المتعلقة بالحقوق والحريات.

وبذلك، تبدو مسيرة الكرامة اختبارًا مبكرًا لمدى قدرة السلطة التونسية على إدارة ملف البطالة من داخل الإطار القانوني الذي وضعته بنفسها، فالمرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بصدور تصريحات جديدة، وإنما بظهور منصة التسجيل، وتحديد معايير الترتيب، والإعلان عن إجراءات واضحة، ثم بدء الانتدابات وفق الجدول الذي يسمح به القانون.

وبينما يستطيع الانتداب الاستثنائي تهدئة جزء من الاحتقان، فإن الحل المستدام سيظل مرتبطًا بقدرة الاقتصاد التونسي على خلق وظائف جديدة خارج القطاع العام، وفي هذه النقطة تحديدًا، تتحول وعود التشغيل من شعار سياسي إلى اختبار حقيقي للدولة والاقتصاد معًا.

اترك تعليقا