الاحتياطي النفطي الأمريكي بأدنى مستوى منذ 1983
وسط تحديات متصاعدة للطاقة
- السيد التيجاني
- 6 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- الاحتياطي الإستراتيجي, النفط الأمريكي, الولايات المتحدة, واشنطن
أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية انخفاض مخزون النفط في الاحتياطي النفطي الإستراتيجي إلى 319.5 مليون برميل، وهو أدنى مستوى يسجله منذ أبريل/نيسان 1983، بعد سحب 6.2 ملايين برميل ضمن خطة حكومية للإفراج عن 172 مليون برميل من الاحتياطي. ويأتي هذا التطور في وقت يشهد فيه العالم توترات جيوسياسية متصاعدة وتقلبات في أسواق الطاقة، ما أعاد الجدل حول مدى قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع أي أزمة إمدادات مستقبلية.
ما هو الاحتياطي النفطي الإستراتيجي؟
أُنشئ الاحتياطي النفطي الإستراتيجي الأمريكي عام 1975 عقب أزمة النفط العالمية، بهدف تأمين احتياجات البلاد من الخام في حالات الطوارئ، مثل الحروب والكوارث الطبيعية أو الانقطاعات الكبيرة في الإمدادات. ويُعد أكبر احتياطي نفطي حكومي في العالم، وكانت سعته تتجاوز 700 مليون برميل قبل أن تتراجع تدريجياً خلال السنوات الأخيرة بسبب عمليات السحب المتكررة.
لماذا انخفض الاحتياطي؟
يرى دانييل يرغين، نائب رئيس شركة “إس آند بي جلوبال” (S&P Global) وأحد أبرز خبراء الطاقة في العالم، أن استخدام الاحتياطي الإستراتيجي خلال السنوات الماضية ساعد في تهدئة أسعار النفط، لكنه قلّص قدرة الولايات المتحدة على مواجهة أزمات طويلة الأمد. ويؤكد أن الاحتياطي أُنشئ أساساً لمواجهة الانقطاعات الحادة في الإمدادات وليس لمعالجة تقلبات الأسعار بصورة مستمرة.
أما بوب مكنالي، مؤسس ورئيس شركة “رابيدان إنرجي جروب” (Rapidan Energy Group) والمستشار السابق لشؤون الطاقة في البيت الأبيض، فيعتبر أن تراجع المخزون لا يمثل أزمة فورية، لكنه يقلل الخيارات المتاحة أمام صناع القرار إذا تعرضت الأسواق العالمية لصدمة كبيرة، مثل تعطل الإمدادات من الشرق الأوسط.
كيف استقبلت الأسواق الخبر؟
أثار الإعلان الأمريكي اهتمام المستثمرين في أسواق النفط، إذ يرى إد مورس، كبير محللي الطاقة السابق في بنك “سيتي جروب” (Citigroup)، أن انخفاض الاحتياطي الإستراتيجي يجعل أسعار النفط أكثر حساسية لأي تطورات جيوسياسية، سواء في الخليج أو البحر الأحمر أو غيرهما من مناطق إنتاج الطاقة.
ويضيف أن الأسواق أصبحت تعتمد بصورة أكبر على الأخبار السياسية والعسكرية، لأن هامش الأمان الذي كان يوفره الاحتياطي الأمريكي أصبح أقل مما كان عليه في العقود الماضية.
التوترات الجيوسياسية تزيد المخاوف
يتزامن انخفاض الاحتياطي الأمريكي مع استمرار التوترات في الشرق الأوسط، خاصة في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية.
ويقول فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية (IEA)، إن أمن الطاقة العالمي يواجه تحديات متزايدة بسبب النزاعات الجيوسياسية، مشيراً إلى أن أي تعطيل لحركة الملاحة في مضيق هرمز قد ينعكس سريعاً على أسعار النفط، ويؤثر في الاقتصاد العالمي.
ويؤكد بيرول أن الاحتياطيات الإستراتيجية للدول المستهلكة تمثل خط الدفاع الأول في مثل هذه الأزمات، لكن انخفاضها يقلل من قدرة الحكومات على التدخل السريع لاحتواء اضطرابات السوق.
ردود الفعل السياسية
في الولايات المتحدة، دافعت الإدارة الأمريكية عن استخدام الاحتياطي، مؤكدة أن عمليات السحب ساعدت في خفض أسعار الوقود وحماية المستهلكين من موجات ارتفاع الأسعار.
في المقابل، انتقد عدد من أعضاء الحزب الجمهوري استمرار السحب من الاحتياطي، معتبرين أن المخزون يجب أن يُستخدم فقط في حالات الطوارئ الكبرى، وليس كأداة لإدارة السوق.
أما على المستوى الدولي، فقد تابعت الدول المستوردة للطاقة التطورات بحذر، بينما يترقب منتجو النفط، وعلى رأسهم تحالف أوبك+، انعكاسات هذا الانخفاض على توازن السوق.
التأثيرات الاقتصادية
يرى محمد العريان، رئيس كلية كوينز بجامعة كامبريدج، وكبير المستشارين الاقتصاديين في شركة “أليانز”، والرئيس التنفيذي السابق لشركة “بيمكو”، أن استمرار انخفاض الاحتياطي الأمريكي يزيد من حساسية الاقتصاد العالمي لأسعار الطاقة.
ويشير إلى أن أي ارتفاع جديد في أسعار النفط قد يؤدي إلى:
زيادة معدلات التضخم.
ارتفاع تكاليف النقل والشحن.
زيادة أسعار السلع الغذائية والصناعية.
تعقيد سياسات البنوك المركزية في مكافحة التضخم.
هل ستعيد واشنطن بناء الاحتياطي؟
تؤكد وزارة الطاقة الأمريكية أنها تخطط لإعادة شراء النفط عندما تسمح ظروف السوق بذلك، إلا أن الخبراء يرون أن هذه العملية قد تستغرق سنوات.
ويقول بوب مكنالي إن إعادة ملء الاحتياطي بكميات كبيرة تحتاج إلى أسعار مناسبة، لأن شراء ملايين البراميل في فترة قصيرة قد يؤدي إلى رفع الأسعار العالمية بصورة أكبر.
ماذا يعني ذلك بالنسبة لأوبك+؟
يرى محللون أن انخفاض الاحتياطي الأمريكي يمنح تحالف أوبك+ تأثيراً أكبر في سوق النفط، إذ تصبح قرارات زيادة الإنتاج أو خفضه أكثر قدرة على تحريك الأسعار.
ويؤكد دانييل يرغين أن العلاقة بين مستويات الاحتياطي الأمريكي وسياسات أوبك+ ستكون أحد أهم العوامل المؤثرة في سوق الطاقة خلال المرحلة المقبلة.
السيناريوهات المتوقعة
يتوقع الخبراء ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
الأول: نجاح الولايات المتحدة في إعادة بناء الاحتياطي تدريجياً إذا انخفضت أسعار النفط.
الثاني: استمرار التوترات الجيوسياسية، مما يؤجل إعادة شراء النفط ويُبقي الاحتياطي عند مستويات منخفضة.
الثالث: وقوع أزمة مفاجئة في الإمدادات العالمية، وهو ما سيختبر قدرة الولايات المتحدة على استخدام ما تبقى من احتياطياتها الإستراتيجية لحماية السوق.
لا يمثل انخفاض الاحتياطي النفطي الأمريكي إلى أدنى مستوى منذ أكثر من أربعين عاماً مجرد تراجع في حجم المخزون، بل يعكس تغيراً في معادلات أمن الطاقة العالمي.
ويرى خبراء الطاقة والاقتصاد أن قدرة واشنطن على إعادة بناء احتياطياتها، إلى جانب قرارات تحالف أوبك+، والتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ستكون عوامل حاسمة في تحديد اتجاه أسعار النفط واستقرار أسواق الطاقة خلال الفترة المقبلة.
