“الأسبارتام”..عندما تتعارض مصالح الشركات العالمية مع صحة المستهلك

معركة علمية واقتصادية قد تعيد رسم مستقبل المنتجات الخالية من السكر حول العالم

لم يكن قرار “الوكالة الدولية لأبحاث السرطان” التابعة لـ”منظمة الصحة العالمية” بشأن “الأسبارتام” مجرد تحديث علمي عابر، بل فتح واحدًا من أكثر الملفات إثارة للجدل في صناعة الأغذية العالمية، فالمُحلّي الصناعي الذي دخل حياة مليارات الأشخاص عبر المشروبات الغازية الخاصة بالحمية، والعِلك، والزبادي، والحلويات الخالية من السكر، وجد نفسه فجأة في دائرة الشبهات بعد عقود من اعتباره خيارًا آمنًا لتقليل استهلاك السكر.

وبينما تؤكد الجهات التنظيمية أن الالتزام بالحدود اليومية المسموح بها لا يزال مقبولًا، يرى باحثون أن تراكم الأدلة العلمية يستدعي إعادة النظر في الاعتماد الواسع على هذه المادة، وهو ما يضع الشركات المصنعة أمام تحديات صحية وقانونية واقتصادية قد تمتد آثارها لسنوات.

اكتشاف بالصدفة..وبداية رحلة الجدل..

بدأت قصة الأسبارتام “عام 1965” عندما كان الكيميائي الأمريكي “جيمس شلاتر” يعمل على تطوير (دواء لعلاج قرحة المعدة)، وأثناء تجاربه اكتشف بالصدفة مادة ذات مذاق شديد الحلاوة بعد ملامستها لأصابعه، لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى أدركت الشركات الإمكانات التجارية الهائلة لهذا المركب، خاصة مع تزايد الطلب على بدائل السكر منخفضة السعرات الحرارية.

وخلال “سبعينيات القرن الماضي”، تقدمت شركة الأدوية الأمريكية “جي دي سيريل” بطلب للحصول على موافقة “إدارة الغذاء والدواء الأمريكية” لتسويق “الأسبارتام”، مستندة إلى دراسات أكدت سلامته للاستهلاك البشري، إلا أن هذه الخطوة لم تمر دون اعتراضات، إذ أثار عدد من العلماء، بمن فيهم خبراء داخل الإدارة الأمريكية نفسها، تساؤلات بشأن جودة الدراسات المقدمة، متحدثين عن ثغرات منهجية ومخالفات في بعض البيانات المستخدمة لتقييم سلامة المادة.

وفي تلك الفترة أوصى مجلس تحقيق علمي بعدم منح الموافقة النهائية قبل إجراء المزيد من الدراسات، غير أن القرار تغير لاحقًا، وفي “عام 1981” حصل “الأسبارتام” على الضوء الأخضر للاستخدام التجاري في “الولايات المتحدة”،ومنذ ذلك الحين، ظل هذا القرار محاطًا بقدر كبير من الجدل، خصوصًا مع الحديث عن تأثيرات سياسية وإدارية صاحبت مرحلة اعتماد المادة، وهو ما غذّى الشكوك لدى منتقديها لعقود لاحقة.

وبمرور السنوات، توسع استخدام “الأسبارتام” بصورة هائلة حتى أصبح يدخل في آلاف المنتجات الغذائية حول العالم، مستفيدًا من قدرته الكبيرة على منح المذاق الحلو مع سعرات حرارية منخفضة، ليصبح أحد أعمدة صناعة الأغذية والمشروبات الخاصة بالأنظمة الغذائية وتقليل السكر.

أدلة علمية متزايدة..وصناعة تدافع عن ملياراتها..

لم يتوقف الجدل العلمي حول “الأسبارتام” منذ اعتماده، بل ازداد مع اتساع نطاق الدراسات التي تناولت تأثيراته الصحية على المدى الطويل، ففي العقود الأخيرة، سعت فرق بحثية متعددة إلى تقييم العلاقة بين استهلاك المحليات الصناعية والإصابة بالأمراض المزمنة، لتظهر نتائج متباينة أبقت الملف مفتوحًا أمام العلماء والجهات التنظيمية.

ومن أبرز هذه الدراسات، دراسة فرنسية واسعة نُشرت “عام 2022” وشملت نحو (100 ألف مشارك)، حيث أشارت نتائجها إلى وجود ارتباط بين الاستهلاك المرتفع للمحليات الصناعية، وعلى رأسها “الأسبارتام”، وارتفاع مخاطر الإصابة ببعض أنواع “السرطان” و”أمراض القلب والأوعية الدموية”، كما نشر معهد “رمزيني الإيطالي” نتائج تجارب أجريت على الحيوانات أظهرت زيادة في معدلات الأورام لدى الفئران التي تعرضت للمادة لفترات طويلة.

في المقابل، شككت هيئات رقابية وعدد من المؤسسات العلمية في بعض هذه النتائج، معتبرة أن بعض الدراسات تعاني من قيود منهجية أو أن الأدلة الحالية لا تكفي لإثبات علاقة سببية مباشرة بين “الأسبارتام” والإصابة بالسرطان، كما دافعت جمعيات تمثل قطاع المشروبات والأغذية عن سلامة المُحلّي، مؤكدة أن استخدامه يتم وفق معايير تنظيمية صارمة وأن تقييمات السلامة لا تزال تدعم استمراره في الأسواق.

ويعكس هذا الجدل حجم المصالح الاقتصادية المرتبطة بـ”الأسبارتام”، إذ يُستخدم في آلاف المنتجات التي تحقق مبيعات بمليارات الدولارات سنويًا، وهو ما يجعل أي تغيير في تقييمه الصحي قضية تتجاوز المختبرات العلمية لتصل إلى أسواق المال، وشركات الصناعات الغذائية، والجهات الرقابية حول العالم.

تصنيف جديد..وتحديات تنتظر الأسواق..

أعلنت “الوكالة الدولية لأبحاث السرطان” التابعة لـ”منظمة الصحة العالمية” تصنيف “الأسبارتام” ضمن المواد التي “قد تكون مسرطنة للإنسان”، وهو تصنيف يعني وجود أدلة محدودة على وجود علاقة بين المادة وبعض أنواع السرطان، لكنه لا يمثل دليلًا قاطعًا على أنها تسبب السرطان بصورة مباشرة عند مستويات الاستهلاك المعتادة.

وفي الوقت نفسه، أبقت الهيئات المختصة بتقييم المخاطر الغذائية على الحدود اليومية المقبولة لاستهلاك “الأسبارتام” دون تغيير، مؤكدة أن الاستهلاك ضمن هذه الحدود لا يستدعي تعديل التوصيات الحالية، ويعكس ذلك الفارق بين تصنيف “الخطر المحتمل” الذي يعتمد على طبيعة الأدلة العلمية، وبين تقييم “مستوى المخاطر” المرتبط بكمية التعرض الفعلية للمادة.

ورغم ذلك، يتوقع خبراء أن تواجه الشركات المنتجة للأغذية والمشروبات ضغوطًا متزايدة خلال السنوات المقبلة، سواء من المستهلكين الذين قد يطالبون ببدائل أكثر طبيعية، أو من الجهات التشريعية التي قد تفرض متطلبات أكثر صرامة بشأن الإفصاح عن مكونات المنتجات، فضلًا عن احتمالات تصاعد الدعاوى القضائية إذا ظهرت أدلة علمية أقوى تربط المادة بأضرار صحية.

وبالنسبة للمستهلك، يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول، إذ يمكن التعرف على وجود “الأسبارتام” في المنتجات من خلال الرمزين (E951) أو (INS 951)، المدونين على الملصقات الغذائية، وبينما لا توجد توصيات رسمية تدعو إلى الامتناع الكامل عن استهلاكه، فإن اتباع نظام غذائي متوازن، وتقليل الاعتماد على الأغذية والمشروبات فائقة المعالجة، يظل خيارًا أكثر أمانًا من الناحية الصحية، خاصة مع استمرار الأبحاث الرامية إلى حسم الجدل حول واحد من أكثر المُحليات الصناعية استخدامًا وإثارة للانقسام في العالم.

 

المصادر: منظمة الصحة العالمية، الوكالة الدولية لأبحاث السرطان

اترك تعليقا