ليبيا.. مابين صراع النفط ومحاولة بناء الدولة
الانقسام على الثروة والسيادة يضع مستقبل الدولة أمام اختبار مستمر
- معاذ الجمال
- 31 يوليو، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- اقتصاد, حكومة ليبيا, شرق ليبيا
منذ سقوط “نظام معمر القذافي” عام 2011، ظل النفط العامل الأكثر تأثيرًا في المشهد الليبي، ليس فقط باعتباره المصدر الرئيسي للدخل، بل لكونه أحد أبرز أدوات النفوذ السياسي بين القوى المتنافسة، ورغم امتلاك “ليبيا” أكبر احتياطي مؤكد من النفط في إفريقيا، فإن الانقسام المؤسسي والصراع على إدارة الموارد حالا دون توظيف هذه الثروة في إعادة بناء الدولة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، لتبقى الإيرادات النفطية في قلب التجاذبات الداخلية والجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الأزمة.
النفط في قلب الانقسام السياسي..
يمثل النفط أكثر من (90%) من عائدات التصدير والإيرادات العامة في ليبيا، ما جعله محورًا للصراع بين المؤسسات السياسية والعسكرية في الشرق والغرب، ومع استمرار الانقسام بين “حكومة الوحدة الوطنية” في طرابلس و”السلطات الموازية في شرق البلاد”، تكررت عمليات إغلاق الحقول والموانئ النفطية خلال السنوات الماضية، وهو ما تسبب في اضطرابات متكررة بالإنتاج وخسائر مالية كبيرة، وأثر بصورة مباشرة في قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة والإنفاق الحكومي.
وتؤكد حكومة الوحدة الوطنية برئاسة “عبد الحميد الدبيبة”، أن زيادة الإنتاج النفطي وتحسين الإدارة الاقتصادية يمثلان أولوية لدعم الاستقرار، فيما تشدد المؤسسة الوطنية للنفط على ضرورة الحفاظ على استقلاليتها باعتبارها مؤسسة فنية تتولى إدارة القطاع بعيدًا عن التجاذبات السياسية، مع استمرار التزامها بتوريد الإيرادات عبر القنوات الرسمية المعتمدة.
في المقابل، ترى السلطات في شرق ليبيا، وفي مقدمتها “مجلس النواب” و”القيادة العامة للجيش الوطني الليبي” بقيادة “خليفة حفتر”، أن معالجة ملف توزيع الإيرادات وآليات إدارة المؤسسات السيادية يجب أن تكون جزءًا من أي تسوية سياسية شاملة، وتطالب بضمان توزيع أكثر توازنًا للإنفاق العام بين مختلف المناطق.
ويرى خبراء في الشأن الليبي، أن جوهر الأزمة يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية، إذ يرتبط بالسيطرة على المؤسسات السيادية، وفي مقدمتها “المؤسسة الوطنية للنفط” و”مصرف ليبيا المركزي”، لما تمثله من مصدر رئيسي للموارد المالية والنفوذ السياسي.
الاقتصاد رهينة الصراع..
يشير الباحث “تيم إيتون”، (الزميل في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالمعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس”)، إلى أن الاقتصاد الليبي أصبح جزءًا من معادلة الصراع، حيث تُستخدم الموارد النفطية والإيرادات العامة كورقة ضغط وتفاوض بين الأطراف المتنافسة، بما يعرقل بناء مؤسسات مستقرة ويؤخر تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية.
وانعكس هذا الواقع على حياة المواطنين، إذ تعاني البلاد من تحديات مستمرة تشمل ضعف الخدمات العامة، والانقطاعات المتكررة للكهرباء، وأزمات السيولة في بعض الفترات، إضافة إلى محدودية فرص العمل، رغم الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي توفرها الثروة النفطية.
ويرى خبراء اقتصاديون، أن الأزمة الليبية لا تعود إلى نقص الموارد، وإنما إلى استمرار الانقسام المؤسسي وغياب الحوكمة الفاعلة، ويؤكدون أن نجاح أي خطة لإعادة الإعمار يتطلب توحيد المؤسسات الاقتصادية والمالية، وتعزيز الشفافية في إدارة عائدات النفط، وتطوير آليات رقابة تضمن توجيه الإيرادات إلى التنمية وتحسين الخدمات.
الدولة بين التسوية والإصلاح..
سياسيًا، تتباين رؤى القوى الليبية بشأن شكل الدولة وآليات إدارة المرحلة الانتقالية، فالقوى والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية المشاركة في العملية السياسية تطرح مواقف مختلفة، إذ تؤكد أطراف منها أهمية بناء مؤسسات موحدة وإدارة عادلة للموارد عبر الأطر الدستورية، بينما تختلف في رؤيتها لشكل النظام السياسي ومستقبل المرحلة الانتقالية.
في المقابل، تدعو القوى المدنية والليبرالية إلى ترسيخ مؤسسات الدولة، وتعزيز سيادة القانون، وفصل إدارة الموارد السيادية عن التجاذبات السياسية، معتبرة أن استمرار الانقسام والمحاصصة يعرقلان بناء دولة مستقرة وقادرة على جذب الاستثمارات.
وعلى الصعيد الحقوقي، تواصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومنظمات دولية، متابعة أوضاع حقوق الإنسان، بما يشمل أوضاع المدنيين والمهاجرين والانتهاكات المنسوبة إلى جماعات مسلحة، مع التأكيد على أن التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، وإجراء إصلاحات مؤسسية، وتوحيد المؤسسات الأمنية والاقتصادية، تمثل الركائز الأساسية لتحقيق الاستقرار.
ويرى مراقبون، أن مستقبل ليبيا سيظل مرهونًا بقدرة الأطراف الليبية على التوصل إلى توافق سياسي مستدام، وإبعاد المؤسسات السيادية عن الصراع، وتحويل الثروة النفطية من أداة للتنافس على السلطة إلى ركيزة للتنمية الاقتصادية وبناء مؤسسات دولة موحدة وقادرة على تلبية تطلعات المواطنين.