اتساع الهجمات الإيرانية يهدد أمن الخليج والملاحة

بعد أيام من الضربات الأمريكية على إيران

دخلت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر اتساعًا، بعدما أعلنت طهران تنفيذ هجمات بطائرات مسيرة استهدفت قاعدة الأزرق الجوية في الأردن، بالتزامن مع إنذارات أمنية في البحرين، واعتراض طائرات مسيرة في الكويت، واستمرار التوتر في مياه الخليج ومضيق هرمز. ويشير هذا التطور إلى انتقال الصراع من المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران إلى ساحة إقليمية تشمل عددًا من الدول التي تستضيف قواعد أو منشآت عسكرية أمريكية.

وتأتي هذه التطورات بعد أيام من الضربات الأمريكية على أهداف داخل إيران، والتي بررتها واشنطن بأنها رد على استهداف سفن تجارية وناقلات نفط في مضيق هرمز. أما طهران فتؤكد أنها تمارس “حق الرد”، وتقول إن عملياتها تستهدف الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

قاعدة الأزرق تدخل دائرة المواجهة

أعلن الجيش الإيراني أنه نفذ هجومًا بطائرات مسيرة على قاعدة الأزرق الجوية في الأردن، مشيرًا إلى أن الهجوم استهدف مواقع لتمركز مقاتلات أمريكية من طراز “إف-18” ومنشآت عسكرية داخل القاعدة.

ولم يصدر تعليق فوري من وزارة الدفاع الأمريكية بشأن هذه المزاعم، كما لم تعلن السلطات الأردنية تفاصيل حول طبيعة الهجوم أو حجم الأضرار المحتملة، الأمر الذي أبقى كثيرًا من الأسئلة مفتوحة حول نتائج العملية.

وتحظى قاعدة الأزرق بأهمية عسكرية كبيرة، إذ تستخدمها القوات المسلحة الأردنية، كما تستضيف في بعض الفترات قوات وطائرات أمريكية ضمن ترتيبات التعاون الدفاعي بين البلدين، ما يجعلها هدفًا ذا رمزية في أي تصعيد إقليمي.

البحرين ترفع مستوى التأهب

في البحرين، أعلنت وزارة الداخلية إطلاق صافرات الإنذار عقب رصد تهديدات صاروخية، داعية المواطنين والمقيمين إلى الالتزام بإجراءات السلامة والتوجه إلى الأماكن الآمنة.

ويعكس هذا الإجراء مستوى القلق الأمني في المملكة، التي تستضيف مقر الأسطول الخامس الأمريكي، وهو أحد أهم المراكز العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج.

ولم تعلن السلطات البحرينية وقوع إصابات أو أضرار مباشرة، لكن تفعيل منظومة الإنذار يؤكد أن التهديدات باتت أكثر قربًا من المنشآت الحيوية.

الكويت تعترض مسيرات

أما الكويت فأعلنت أن دفاعاتها الجوية اعترضت طائرات مسيرة معادية، في استمرار لسلسلة هجمات شهدتها البلاد خلال الأيام الماضية.

وقال الجيش الكويتي إن الدفاعات الجوية تعاملت مع المسيرات فور دخولها المجال الجوي، بينما أكد الحرس الثوري الإيراني أنه استهدف منشآت دعم لوجستي أمريكية في ميناء عبد الله، وهو ما لم تؤكده السلطات الكويتية.

وكانت الكويت قد أعلنت في وقت سابق اعتراض صواريخ وعشرات الطائرات المسيرة، مشيرة إلى وقوع إصابات محدودة وأضرار مادية نتيجة سقوط شظايا.

مضيق هرمز.. مركز الأزمة

لا تزال التطورات في مضيق هرمز تمثل المحرك الأساسي للتصعيد الحالي. فقد أعلنت الإمارات في وقت سابق مقتل بحار وإصابة آخرين إثر استهداف ناقلتي نفط، بينما قال الحرس الثوري الإيراني إنه استهدف السفينتين بعد تجاهلهما تحذيرات متكررة.

ويُعد المضيق أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه ينعكس سريعًا على أسواق الطاقة والنقل البحري.

ويرى خبراء الطاقة أن استمرار التوتر قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين على السفن، وزيادة أسعار النفط، وارتفاع تكاليف الشحن العالمية.

لماذا توسعت رقعة الصراع؟

يرى الباحث في شؤون الشرق الأوسط مايكل نايتس، من معهد واشنطن، أن إيران تسعى إلى توسيع دائرة الضغط على الولايات المتحدة عبر استهداف مواقع عسكرية أمريكية خارج أراضيها، بما يرفع تكلفة العمليات العسكرية الأمريكية.

ويضيف أن طهران تعتمد على استراتيجية توزيع ساحات المواجهة، بحيث لا يقتصر الرد على الأراضي الإيرانية، بل يشمل قواعد ومصالح أمريكية في الإقليم.

من جانبه، يرى الخبير العسكري البريطاني جاستن برونك، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، أن الهجمات بالطائرات المسيرة تمنح إيران قدرة على تنفيذ عمليات بعيدة المدى بكلفة منخفضة، مع تقليل احتمالات المواجهة المباشرة بين الجانبين.

ردود الفعل الإقليمية

أثارت التطورات الأخيرة حالة استنفار واسعة في عدد من دول الخليج، التي عززت إجراءات حماية المنشآت الحيوية والمطارات والموانئ، تحسبًا لأي هجمات إضافية.

كما كثفت بعض الدول التنسيق الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة لمراقبة الأجواء والمياه الإقليمية، في ظل استمرار التهديدات.

ويرى محللون أن دول الخليج تحاول تجنب الانخراط المباشر في الصراع، لكنها تجد نفسها متأثرة بتداعياته بسبب وجود قواعد أمريكية على أراضيها.

الموقف الأمريكي

حتى الآن، لم تصدر واشنطن تفاصيل رسمية بشأن الهجوم الإيراني المعلن على قاعدة الأزرق، إلا أن الإدارة الأمريكية أكدت في الأيام الماضية أنها ستواصل عملياتها العسكرية طالما استمرت التهديدات للملاحة الدولية والقوات الأمريكية.

ويشير خبراء إلى أن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى توسيع نطاق عملياتها إذا ثبت تعرض قواعدها لهجمات مباشرة، وهو ما قد يدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة.

التأثير الاقتصادي

ألقى التصعيد العسكري بظلاله على الأسواق العالمية، خاصة قطاع الطاقة. فمع كل تصعيد في مضيق هرمز ترتفع المخاوف بشأن إمدادات النفط، وهو ما ينعكس على الأسعار العالمية.

كما تواجه شركات الشحن البحري تحديات متزايدة بسبب ارتفاع رسوم التأمين وإعادة توجيه بعض السفن بعيدًا عن مناطق الخطر، الأمر الذي قد يزيد من تكلفة التجارة الدولية.

ويرى اقتصاديون أن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية عالمية، خاصة إذا تعطلت حركة صادرات النفط والغاز من الخليج.

هل تتجه المنطقة إلى حرب أوسع؟

يرى أستاذ العلاقات الدولية فواز جرجس أن المنطقة دخلت مرحلة شديدة الحساسية، حيث أصبحت أي ضربة جديدة قابلة لإطلاق سلسلة من الردود المتبادلة يصعب احتواؤها سريعًا.

ويشير إلى أن اتساع نطاق الأهداف العسكرية ليشمل أكثر من دولة يزيد من احتمالات سوء التقدير، ويجعل فرص التصعيد أعلى من السابق.

في المقابل، يرى الباحث في مؤسسة كارنيغي آرون ديفيد ميلر أن جميع الأطراف لا تزال تدرك كلفة الحرب الشاملة، ولذلك قد تستمر في تبادل الضربات المحدودة مع محاولة تجنب مواجهة مفتوحة.

السيناريوهات المحتملة

يتوقع خبراء الأمن الإقليمي عدة مسارات خلال المرحلة المقبلة، أبرزها استمرار الضربات المتبادلة على قواعد ومواقع عسكرية، مع تكثيف استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ بعيدة المدى.

كما قد تشهد المنطقة تعزيزًا إضافيًا للوجود العسكري الأمريكي في الخليج، مقابل زيادة انتشار الدفاعات الجوية لدى الدول الحليفة.

وفي المقابل، لا يُستبعد تحرك دبلوماسي تقوده أطراف إقليمية أو دولية لاحتواء التصعيد ومنع تحوله إلى حرب واسعة، خاصة في ظل المخاوف من تداعياته الاقتصادية والأمنية.

وفي جميع الأحوال، فإن الساعات والأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت المواجهة ستظل ضمن حدود الردع المتبادل، أم أنها ستتطور إلى صراع إقليمي مفتوح تتجاوز آثاره حدود الشرق الأوسط إلى الاقتصاد والأمن الدوليين.

اترك تعليقا