العدالة الدولية أمام اختبار جديد
مع التصعيد الأمريكي ضد الجنائية الدولية
- السيد التيجاني
- 15 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- الاتحاد الأوروبي, المحكمة الجنائية الدولية, الولايات المتحدة, بروكسل, واشنطن
تشهد العلاقة بين الولايات المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية واحدة من أكثر مراحلها توترًا منذ تأسيس المحكمة عام 2002، بعدما صعّدت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حملتها ضد المحكمة، في وقت أعلن فيه الاتحاد الأوروبي تمسكه الكامل بدعم القضاء الجنائي الدولي ورفضه الضغوط الأمريكية.
ولا يقتصر الخلاف على قضية قانونية أو سياسية عابرة، بل يعكس صراعًا أعمق حول مستقبل النظام الدولي، وحدود الولاية القضائية للمحاكم الدولية، ومدى قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، حتى إذا كانوا ينتمون إلى دول كبرى.
تصعيد أمريكي غير مسبوق
بدأ التصعيد الأخير بعد تصريحات حادة لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي وصف المحكمة الجنائية الدولية بأنها تخوض “حربًا قانونية” ضد الولايات المتحدة وحلفائها، معتبرًا أن المحكمة تستخدم القانون الدولي أداةً لاستهداف الدول الديمقراطية.
وبحسب تقارير إعلامية أمريكية، تدرس واشنطن حزمة واسعة من الإجراءات ضد المحكمة، تشمل توسيع العقوبات على مسؤوليها، وفرض قيود على التأشيرات، وزيادة الضغوط على الدول الأعضاء للحد من تعاونها مع المحكمة أو الانسحاب منها.
ويأتي ذلك امتدادًا لسياسة أمريكية قديمة تقوم على رفض إخضاع العسكريين أو المسؤولين الأمريكيين لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
لماذا تعارض واشنطن المحكمة؟
يرى أستاذ القانون الدولي في جامعة جورجتاون البروفيسور ديفيد كوبلو أن جوهر الخلاف يتمثل في اختلاف النظرة إلى السيادة الوطنية، موضحًا أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة تعتبر أن منح المحكمة سلطة محاكمة مواطنين أمريكيين يمثل انتقاصًا من السيادة الدستورية للولايات المتحدة.
ويشير كوبلو إلى أن واشنطن لم تصادق أصلًا على نظام روما الأساسي، وبالتالي ترى أنها ليست ملزمة باختصاص المحكمة، بينما تعتبر المحكمة أن ولايتها قد تشمل مواطني دول غير أعضاء إذا ارتُكبت الجرائم على أراضي دولة طرف في النظام الأساسي.
وهذه النقطة القانونية تمثل أساس معظم الخلافات بين الطرفين منذ سنوات.
الاتحاد الأوروبي يتمسك بالمحكمة
في المقابل، جاء رد الاتحاد الأوروبي سريعًا وحاسمًا، إذ أكد المتحدث باسم المفوضية الأوروبية أنور العنوني أن بروكسل ملتزمة التزامًا كاملًا بالعدالة الجنائية الدولية، وأن أي تهديد للقضاة أو العاملين بالمحكمة أمر غير مقبول.
ويعتبر الاتحاد الأوروبي المحكمة الجنائية الدولية إحدى أهم مؤسسات النظام الدولي القائم على القانون، ويرى أن إضعافها سيؤثر في قدرة المجتمع الدولي على ملاحقة مرتكبي الجرائم الكبرى.
ويرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة أكسفورد تيموثي غارتون آش أن الموقف الأوروبي يعكس دفاعًا عن النظام متعدد الأطراف، وليس مجرد دفاع عن مؤسسة قضائية بعينها.
جذور الخلاف
منذ إنشاء المحكمة عام 2002، رفضت الولايات المتحدة الانضمام إليها.
وخلال إدارة الرئيس جورج بوش الابن، اتخذت واشنطن إجراءات لحماية العسكريين الأمريكيين من أي ملاحقات محتملة، وأبرمت اتفاقيات ثنائية مع عدد من الدول تمنع تسليم المواطنين الأمريكيين للمحكمة.
أما خلال إدارة ترامب الأولى، فقد فرضت واشنطن عقوبات على مسؤولين في المحكمة بعد فتح تحقيقات تتعلق بأفغانستان، ثم تصاعد التوتر مجددًا مع التحقيقات المرتبطة بالحرب في غزة وإصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين.
إسرائيل في قلب الأزمة
يرى المحلل الإسرائيلي يوسي ميلمان أن أحد أهم أسباب التصعيد الأمريكي يتمثل في دفاع واشنطن عن إسرائيل، خاصة بعد إصدار المحكمة مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وعدد من المسؤولين.
ويقول ميلمان إن الإدارة الأمريكية تعتبر استهداف المسؤولين الإسرائيليين استهدافًا مباشرًا لحليفها الإستراتيجي، ولذلك تسعى إلى تقويض قدرة المحكمة على تنفيذ قراراتها.
وفي المقابل، تؤكد المحكمة أنها لا تستهدف دولًا بعينها، وإنما تحقق في الجرائم التي تدخل ضمن اختصاصها وفق الأدلة القانونية.
ترى البروفيسورة سيسيليا باييتا، أستاذة القانون الدولي في جامعة مدريد المستقلة، أن الأزمة الحالية تمثل اختبارًا حقيقيًا لاستقلال القضاء الدولي، موضحة أن نجاح الضغوط السياسية على المحكمة قد يشجع دولًا أخرى على اتباع النهج نفسه.
أما الخبير القانوني البريطاني فيليب ساندز، أستاذ القانون الدولي في جامعة لندن، فيرى أن المحكمة اكتسبت خلال العقدين الماضيين شرعية متزايدة، وأن التحدي الحقيقي يتمثل في تنفيذ قراراتها، وليس إصدارها فقط.
ويشير ساندز إلى أن المحكمة تعتمد بدرجة كبيرة على تعاون الدول، وهو ما يجعل الضغوط السياسية عاملًا مؤثرًا في قدرتها على أداء مهامها.
من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية الأمريكي جون ميرشايمر أن الأزمة تعكس الصراع التقليدي بين اعتبارات القوة والقانون، إذ تميل الدول الكبرى إلى رفض أي قيود قد تحد من حرية تحركاتها الإستراتيجية.
ردود الفعل الدولية
أثارت التصريحات الأمريكية ردود فعل متباينة.
فبينما أعلنت دول أوروبية دعمها الكامل للمحكمة، دعت منظمات حقوقية دولية إلى حماية استقلال القضاء الدولي ورفض الضغوط السياسية.
وأكدت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أن معاقبة القضاة أو المدعين العامين بسبب عملهم القضائي يمثل سابقة خطيرة قد تؤثر في منظومة العدالة الدولية.
وفي المقابل، رحبت أطراف سياسية أمريكية وإسرائيلية بموقف إدارة ترامب، معتبرة أن المحكمة تجاوزت صلاحياتها القانونية.
التأثير على النظام الدولي
يرى كينيث روث، المدير التنفيذي السابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش، أن أي مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة والمحكمة ستنعكس على صورة العدالة الدولية، وقد تشجع بعض الحكومات على تجاهل قرارات المؤسسات القضائية الدولية.
كما يحذر خبراء من أن تراجع الدعم السياسي للمحكمة قد يضعف قدرتها على تنفيذ مذكرات التوقيف أو إجراء التحقيقات في مناطق النزاعات.
وفي المقابل، يرى آخرون أن الأزمة قد تدفع الدول الأوروبية إلى زيادة دعمها للمحكمة ماليًا وسياسيًا لتعويض الضغوط الأمريكية.
هل تستطيع المحكمة الصمود؟
تعتمد المحكمة في تنفيذ قراراتها على تعاون الدول الأعضاء، فهي لا تمتلك قوة شرطة خاصة بها.
لذلك فإن نجاحها في ملاحقة المطلوبين يرتبط باستعداد الحكومات لتنفيذ أوامر التوقيف.
ويرى الخبير في العدالة الانتقالية أليكس وايتنج، المسؤول السابق بالمحكمة، أن استقلال المحكمة لن يكون كافيًا إذا فقدت دعم الدول الكبرى أو الدول الأعضاء الرئيسية.
لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن المحكمة نجحت خلال أكثر من عقدين في ترسيخ مكانتها كإحدى أهم المؤسسات القضائية الدولية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
يتوقع خبراء القانون الدولي استمرار التصعيد السياسي بين واشنطن والمحكمة خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا مضت المحكمة في تحقيقاتها المتعلقة بالنزاعات الحالية.
ويرجح بعض المحللين أن توسع الولايات المتحدة العقوبات على مسؤولي المحكمة، مع تكثيف الضغوط الدبلوماسية على حلفائها لتقليص التعاون معها.
في المقابل، قد يدفع الموقف الأوروبي الداعم للمحكمة إلى تعزيز استقلالها ماليًا وسياسيًا، بما يسمح لها بمواصلة عملها رغم الضغوط.
ويرى خبراء آخرون أن الأزمة قد تفتح نقاشًا دوليًا أوسع حول إصلاح المحكمة وآليات تنفيذ قراراتها، بما يحقق توازنًا بين احترام سيادة الدول وضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم الدولية من المحاسبة.
مستقبل العدالة الدولية
تكشف المواجهة الحالية أن الصراع لم يعد يدور فقط حول ملفات قانونية، بل حول شكل النظام الدولي نفسه. فهناك من يرى أن القانون الدولي يجب أن يطبق على الجميع دون استثناء، بينما تؤكد قوى كبرى أن الاعتبارات السيادية والأمنية تمنحها وضعًا مختلفًا.
ومع استمرار هذا الجدل، تبدو المحكمة الجنائية الدولية أمام مرحلة مفصلية ستحدد مستقبل دورها في العقود المقبلة. فإذا تمكنت من الحفاظ على استقلالها ودعم الدول الأعضاء، فقد تعزز مكانتها كأداة رئيسية لتحقيق العدالة الدولية، أما إذا نجحت الضغوط السياسية في تقليص نفوذها، فقد يواجه النظام القضائي الدولي أحد أكبر اختباراته منذ إنشائه..
