غانا تدعو أفريقيا إلى تصنيع أدويتها بدل الاعتماد على الاستيراد

تعزيز قدرة الدول الأفريقية على مواجهة الأزمات الصحية

الرائد: دعا الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما القادة الأفارقة إلى تسريع تصنيع الأدوية داخل القارة، في خطوة تستهدف تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز قدرة الدول الأفريقية على مواجهة الأزمات الصحية وتأمين احتياجاتها الدوائية.

وجاءت الدعوة خلال فعالية في أكرا هذا الأسبوع، ونقلتها وكالة أنباء عموم أفريقيا، في وقت تحاول فيه دول أفريقية إعادة بناء قطاعاتها الصناعية وتقليل تعرضها لاضطرابات سلاسل الإمداد العالمية. وأكد ماهاما أن القارة تمتلك الموارد البشرية والإمكانات التي تسمح لها بإنتاج نسبة أكبر من الأدوية التي تحتاج إليها بدلاً من الاعتماد المستمر على الخارج.

وتحمل الدعوة بعداً اقتصادياً يتجاوز القطاع الصحي. فاستيراد الأدوية يعني خروج جزء من العملات الأجنبية التي تحتاج إليها الاقتصادات الأفريقية لتمويل الطاقة والغذاء والاستثمار، بينما يمكن للتصنيع المحلي أن يخلق وظائف ويطور الصناعات الكيميائية والتعبئة والخدمات اللوجستية المرتبطة بالقطاع الدوائي.

لكن المشكلة أن إنشاء صناعة دوائية حقيقية لا يتحقق بمجرد بناء مصانع. فالقطاع يحتاج إلى مختبرات للبحث والتطوير، وهيئات رقابية قوية، ومهارات متخصصة، وتمويل طويل الأجل، وسوق قادر على استيعاب الإنتاج.

وتكمن إحدى نقاط الضعف في أن الأسواق الأفريقية مجزأة بين عشرات الدول، ولكل دولة أنظمة تسجيل وشراء ومواصفات مختلفة. ولذلك فإن توحيد الإجراءات الدوائية وتوسيع التجارة البينية يمكن أن يكونا أهم من إنشاء مصنع جديد في كل دولة.

وهنا تبرز أهمية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية. فإذا تمكنت الدول من إنشاء سوق دوائية أفريقية أوسع، فإن الشركات المحلية ستجد حافزاً أكبر للاستثمار في الإنتاج، لأن المصنع لن يعتمد على الطلب داخل دولة واحدة فقط.

ويرتبط ذلك أيضاً بالأمن الصحي. فقد أظهرت جائحة كوفيد أن الاعتماد المفرط على سلاسل توريد بعيدة يمكن أن يتحول إلى مشكلة استراتيجية عندما تتوقف حركة التجارة أو تحتفظ الدول المنتجة بجزء من إنتاجها لتلبية احتياجاتها الداخلية.

وتسعى دول أفريقية بالفعل إلى تطوير قدراتها في إنتاج اللقاحات والأدوية الأساسية، لكن الفجوة لا تزال كبيرة بين الطموح والقدرة الصناعية الفعلية.

وتحتاج غانا، مثل غيرها من الدول الأفريقية، إلى التعامل مع مسألة التكلفة. فالأدوية المنتجة محلياً قد تكون في بدايتها أغلى من بعض المنتجات المستوردة ذات الإنتاج الضخم، ما يجعل الحكومات أمام خيار دعم الصناعة لفترة انتقالية أو استخدام المشتريات الحكومية لتوفير سوق أولية للشركات المحلية.

وهنا يمكن أن تلعب الدولة دوراً حاسماً، ليس من خلال حماية المصانع إلى الأبد، وإنما عبر خلق بيئة تسمح لها بالوصول إلى مرحلة تستطيع فيها المنافسة إقليمياً.

وتكتسب تصريحات ماهاما أهمية أيضاً بسبب اتساع النقاش داخل أفريقيا حول الانتقال من تصدير المواد الخام إلى التصنيع. فالقارة تصدر موارد زراعية ومعدنية ضخمة، لكنها تستورد في المقابل كثيراً من المنتجات المصنعة ذات القيمة المضافة الأعلى.

وإذا طُبقت الفكرة في القطاع الدوائي، فإنها يمكن أن تصبح نموذجاً لسياسة صناعية أوسع: استخراج الموارد، ثم تحويلها محلياً إلى منتجات، ثم بيعها في الأسواق الأفريقية والعالمية.

لكن نجاح المشروع سيظل مرتبطاً بمشكلة الحوكمة. فالدعم الحكومي للصناعات الدوائية يحتاج إلى شفافية في العقود والمشتريات ومعايير الجودة، حتى لا تتحول سياسة تشجيع التصنيع المحلي إلى حماية لشركات مرتبطة بالنفوذ السياسي على حساب المنافسة والأسعار.

ولهذا فإن دعوة غانا ليست مجرد مطالبة بإنشاء مصانع أدوية، وإنما اختبار لفكرة أوسع: هل تستطيع أفريقيا تحويل احتياجاتها الصحية الضخمة إلى قاعدة صناعية قادرة على إنتاج المعرفة والوظائف والقيمة المضافة داخل القارة؟

إذا نجحت الدول الأفريقية في تنسيق أسواقها وتوحيد معاييرها وتمويل البحث والتطوير، فإن تصنيع الأدوية يمكن أن يتحول من مشروع للأمن الصحي إلى أحد القطاعات الصناعية المهمة في الاقتصاد الأفريقي.

المصادر :

وكالة أنباء عموم أفريقيا، تصريحات الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما بشأن تصنيع الأدوية في أفريقيا، أغسطس 2026.

اترك تعليقا