ماليزيا تساعد في أزمة الضباب الإندونيسي

حرائق الغابات في إندونيسيا

عادت أزمة الضباب العابر للحدود إلى الواجهة في جنوب شرق آسيا، بعدما أعلنت ماليزيا في 9 سبتمبر 2026 استعدادها لإرسال طائرات ومعدات للمساعدة في مكافحة حرائق الغابات في إندونيسيا، لكنها أكدت أن نشر هذه المعدات يتطلب موافقة جاكرتا. وجاء الإعلان بعد وصول مؤشر تلوث الهواء في منطقة سريان بولاية ساراواك إلى 302، وهو مستوى «خطير» يثير مخاوف صحية، خصوصًا على الأطفال والرضع.
المسألة ليست حادثًا بيئيًا عابرًا. فحرائق الغابات والأراضي الخثية في سومطرة وكاليمانتان تتكرر منذ سنوات، وعندما تحمل الرياح الدخان عبر الحدود تتحول المشكلة إلى قضية إقليمية تمس ماليزيا وسنغافورة ودولًا أخرى. ولهذا دعا رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم إلى مراجعة آليات رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» للتعامل مع التلوث العابر للحدود، معتبرًا أن القضية أصبحت مرتبطة مباشرة بصحة السكان.
لكن الجانب الأكثر حساسية في الأزمة يتعلق بالمسؤولية الاقتصادية. فالحكومات تستطيع إعلان خطط لمكافحة الحرائق، إلا أن جزءًا من المشكلة يرتبط باستخدام الأراضي وإزالة الغابات والتوسع الزراعي، إضافة إلى صعوبة تحديد المسؤولية عن كل حريق. ولهذا سألت وسائل الإعلام الماليزية الحكومة عمّا إذا كانت الشركات الماليزية العاملة في إندونيسيا يمكن أن تتحمل المسؤولية إذا ثبت تورطها في أنشطة تسهم في الضباب، بينما قالت الحكومة إن هذا الأمر لم يُبحث بالتفصيل في اجتماع مجلس الوزراء.
وهنا تظهر مشكلة قديمة في سياسة «آسيان»: المنظمة تملك آليات للتعاون البيئي، لكنها تعمل في بيئة سياسية شديدة الحساسية تجاه السيادة الوطنية. فماليزيا تستطيع عرض المساعدة، لكنها لا تستطيع ببساطة إرسال قوات أو معدات إلى الأراضي الإندونيسية من دون موافقة جاكرتا. وفي المقابل، تستطيع إندونيسيا رفض التدخل الخارجي، لكنها تواجه ضغطًا داخليًا وخارجيًا عندما يصل أثر الحرائق إلى الدول المجاورة.
وتزداد أهمية الملف لأن جنوب شرق آسيا يعيش في السنوات الأخيرة ضغوطًا مناخية وبيئية متراكمة. وتظهر بيانات وتجميعات معهد «إيسيا» للدراسات في سنغافورة أن قضايا الحرائق والكوارث والبيئة أصبحت جزءًا متزايدًا من الأجندة الإقليمية، إلى جانب ملفات الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا.
المفارقة أن إندونيسيا وماليزيا شريكان اقتصاديان مهمان، كما أن قطاع الزراعة والزيوت النباتية والغابات يوفر وظائف واستثمارات ضخمة. لذلك فإن تشديد القواعد البيئية قد يصطدم بمصالح شركات ومزارعين ومجتمعات محلية تعتمد على استخدام الأراضي. وفي المقابل، فإن ترك المشكلة دون رقابة يحمّل المدن الماليزية تكاليف صحية واقتصادية لا علاقة مباشرة لسكانها بمصدرها.
وتكشف الأزمة أيضًا ضعف التعامل مع البيئة باعتبارها قضية أمن قومي. فالضباب قد يؤدي إلى إغلاق مدارس، وتعطيل رحلات جوية، وإرباك النقل، ورفع تكاليف الرعاية الصحية، كما يمكن أن يؤثر في السياحة والاستثمار. ومع ارتفاع مستويات التلوث إلى درجات خطرة، يصبح الحديث عن البيئة أقل ارتباطًا بالمناخ وأكثر ارتباطًا بالأمن الصحي والاقتصادي.
ومن المتوقع أن تضغط كوالالمبور باتجاه آلية أكثر إلزامًا داخل «آسيان»، تشمل تبادل بيانات الحرائق بصورة أسرع، وتحديد المسؤولية عن الشركات المتسببة في الحرائق، وتنسيق عمليات الإطفاء قبل انتقال الدخان عبر الحدود. لكن تحقيق ذلك سيظل مرهونًا بمدى استعداد إندونيسيا لقبول قدر أكبر من الرقابة والتعاون في ملف تعتبره مرتبطًا بسيادتها وإدارة مواردها.
والدرس الأهم من الأزمة أن التعاون الإقليمي لا يمكن أن يقتصر على إرسال طائرات إطفاء بعد اندلاع الحرائق. الحل الأكثر استدامة يبدأ من مراقبة استخدام الأراضي، ومعاقبة المتسببين في الحرق غير القانوني، وتحميل الشركات مسؤولية سلاسل التوريد، وتوفير بدائل اقتصادية للمجتمعات التي تعتمد على ممارسات زراعية تزيد مخاطر الحرائق.
وبذلك تتحول أزمة الضباب من خلاف دوري بين جاكرتا وكوالالمبور إلى اختبار لقدرة «آسيان» على التعامل مع مشكلة تتجاوز الحدود الوطنية. فإذا بقيت الاستجابة موسمية، سيعود الدخان كلما اجتمعت موجات الجفاف والحرائق والرياح. أما إذا تحولت الأزمة إلى اتفاق إقليمي أكثر إلزامًا وشفافية، فقد تصبح ماليزيا وإندونيسيا نموذجًا آسيويًا لإدارة الأزمات البيئية العابرة للحدود.
المصادر:
•الحكومة الماليزية، تصريحات المتحدث باسم الحكومة ووزير الاتصالات فهمي فاضل، 9 سبتمبر 2026.
•صحيفة The Star الماليزية، 9 سبتمبر 2026، حول دعوة أنور إبراهيم لمراجعة آليات «آسيان».
•Malay Mail، 9 سبتمبر 2026، بشأن استعداد ماليزيا لإرسال معدات لمكافحة الحرائق في إندونيسيا.
•معهد إيسيا – يوسف إسحاق، نشرة أخبار جنوب شرق آسيا، 9 سبتمبر 2026.

اترك تعليقا