غامبيا تحوّل أزمة الكهرباء إلى أزمة ثقة

أزمة طاقة أم أزمة سياسية؟

الرائد// تحولت أزمة انقطاع الكهرباء في غامبيا من مشكلة خدمية إلى اختبار سياسي للرئيس أداما بارو، بعدما خرجت احتجاجات في بانجول ومدن أخرى مطالبة بإنهاء الانقطاعات ورحيل الحكومة، قبل أقل من ثلاثة أشهر على الانتخابات الرئاسية المقررة في ديسمبر المقبل. وردت السلطات بإلزام أي تجمع احتجاجي بالحصول على تصريح مسبق، مع تحذير الشرطة من استخدام القوة ضد المخالفين.

وتكشف التطورات أن المشكلة أعمق من مجرد نقص مؤقت في الكهرباء. فقد تحدث سكان عن انقطاعات وصلت في بعض المناطق إلى 48 ساعة، ما أثر في المنازل والمتاجر والمستشفيات والأعمال الصغيرة، بينما قالت شركة المياه والكهرباء الوطنية «ناوك» إن ارتفاع الطلب بسبب موجة الحر، إلى جانب أعطال فنية، فاقما الأزمة.

وتحاول الحكومة احتواء الغضب عبر إجراءات عاجلة؛ فقد وعد بارو بوصول مولدات جديدة وإضافة 24 ميغاواط من القدرة الإنتاجية بحلول نهاية أكتوبر، إلى جانب مشروع للطاقة الشمسية بقدرة 50 ميغاواط. لكن المشكلة أن هذه الوعود جاءت بعد اندلاع الاحتجاجات، ولذلك بات نجاحها مرتبطاً مباشرة بصورة الحكومة قبل الانتخابات.

ويقول مادي جوبارتِه، المدير التنفيذي لمركز إدوارد فرانسيس سمول للحقوق والعدالة في غامبيا، إن الاحتجاجات امتدت إلى عدة مناطق، بما يعكس أن الغضب لم يعد محصوراً في العاصمة. ونقلت إذاعة فرنسا الدولية عنه أن المشهد أصبح تعبيراً عن استياء أوسع من طريقة إدارة الدولة للخدمات الأساسية.

وهنا تظهر نقطة أكثر حساسية: الحكومة لم تكتفِ بإعلان خطة لمعالجة الكهرباء، بل قررت تقييد الاحتجاجات. فقد أعلن المفتش العام للشرطة سييدي مختار توريه أن التظاهر لن يكون مسموحاً من دون تصريح، مهدداً باستخدام «القوة اللازمة» ضد التجمعات المخالفة.

وقد يؤدي هذا القرار إلى نتيجة عكسية. فبدلاً من إنهاء الأزمة السياسية، يمكن أن يحول قضية الكهرباء إلى قضية حقوق وحريات عامة، خصوصاً أن الاحتجاجات جاءت في بلد يستعد لانتخابات يفترض أن تكون اختباراً لترسيخ الديمقراطية بعد سنوات من حكم يحيى جامع الطويل.

وتعود أهمية هذا السياق إلى أن غامبيا عاشت انتقالاً سياسياً كبيراً بعد رحيل جامع عام 2017، لكن مؤسسات الدولة لا تزال تواجه تحديات في بناء الثقة الشعبية. لذلك فإن أزمة خدمات أساسية، إذا اقترنت بتقييد الاحتجاجات، قد تعيد إلى الواجهة الأسئلة القديمة حول قدرة الدولة على ضمان الحقوق السياسية بالتوازي مع توفير الخدمات.

اقتصادياً، تمثل الكهرباء مشكلة مضاعفة. فالمؤسسات التجارية التي تعتمد على مولدات خاصة تتحمل تكلفة إضافية، وتنعكس تلك الكلفة على أسعار السلع والخدمات. وقد بدأت الأزمة بالفعل تؤثر في النقاش البرلماني، إذ طالب نواب بخفض تكلفة الكهرباء بالنسبة إلى الصناعات، محذرين من أن ضعف الإمدادات وارتفاع التعرفة يرفعان تكلفة الإنتاج.

واللافت أن الاحتجاجات تقودها بدرجة كبيرة فئات شابة، وهي شريحة انتخابية مهمة في بلد يعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية وهجرة مرتفعة. وقد انتقد المرشح المعارض تالِب أحمد بنسودا اعتماد الحكومة على واردات الطاقة، وربط أزمة الكهرباء بمشكلة أوسع تتعلق بفرص العمل ومستقبل الشباب.

وتزداد حساسية الملف لأن بارو يسعى إلى ولاية ثالثة في الانتخابات المقبلة. وبالتالي فإن قدرة الحكومة على إعادة التيار بصورة مستقرة قبل نهاية أكتوبر قد تصبح عاملاً انتخابياً مهماً، لكن مجرد إصلاح الأعطال لن يمحو بالضرورة أثر الاحتجاجات إذا ترسخ لدى المواطنين انطباع بأن الدولة لم تتحرك إلا بعد اتساع الغضب.

أما السيناريو الأخطر فهو استمرار الانقطاعات بالتزامن مع القيود على التظاهر. عندها قد تنتقل الأزمة من احتجاجات مرتبطة بالكهرباء إلى حركة سياسية أوسع، خصوصاً إذا تمكنت المعارضة من توحيد خطابها حول الخدمات والبطالة والحريات.

وفي المقابل، إذا نجحت الحكومة في تنفيذ وعودها بإضافة قدرات إنتاجية جديدة وإنهاء الانقطاعات قبل الانتخابات، فقد تستعيد جزءاً من ثقة الناخبين، خصوصاً أن المعارضة نفسها مطالبة بتقديم حلول عملية لا الاكتفاء باستثمار الغضب الشعبي.

وتكشف التجربة الغامبية في النهاية أن أمن الكهرباء أصبح جزءاً من الأمن السياسي. فبالنسبة للمواطن، انقطاع التيار لا يظهر باعتباره مؤشراً فنياً على ضعف شبكة الطاقة فقط، بل يمس الطعام والماء والعمل والدراسة والرعاية الصحية مباشرة. ولذلك فإن الانتخابات المقبلة قد تكون، بصورة غير مباشرة، استفتاءً على قدرة الدولة على توفير أبسط الخدمات، وعلى ما إذا كانت السلطة ستواجه الاحتجاج بالحلول أم بالقيود.

المصادر:

رويترز، «غامبيا تحظر الاحتجاجات دون تصاريح بعد اضطرابات بسبب انقطاع الكهرباء»، 11 سبتمبر 2026.

إذاعة فرنسا الدولية عبر AllAfrica، تقرير آن ماري بيسادا حول الاحتجاجات وأزمة الكهرباء، 9 سبتمبر 2026.

وكالة الصحافة الأفريقية APA، «احتجاجات بسبب أزمة الطاقة الحادة في غامبيا»، 8 سبتمبر 2026.

الجزيرة، «هل تنجح الوعود بإطفاء أزمة الكهرباء في غامبيا قبل الانتخابات؟»، 10 سبتمبر 2026.

اترك تعليقا