في “فقه التّبريد” في المجتمعات الهشّة
محمد خير موسى
- dr-naga
- 14 سبتمبر، 2026
- مقالات وتحليلات
- الاقتصاد, البيان, الثقافة, الحجة, الدين, الفكر, المجتمعات الهشّة, الهوية, فقه التّبريد
في المجتمعات الهشّة والدول الناشئة يصبح من فقه السياسة والاجتماع وحكمة العمل والإصلاح أن تُتناول القضايا الشائكة والنوازل التي تمسّ الدين أو الهوية أو الثقافة أو الفكر أو الاقتصاد على نحوٍ يفتح لها أبواب الفهم والمعالجة، ويحبس عنها ما يستدعي الانفعالات الجمعية إلى الميدان قبل أن تستوفي العقول حقها من النظر؛ فهذا هو فقه التبريد، أن تبقى القضية في حجمها وأن يسارع أهل الحكمة إلى الإصلاح عن طريق البيان والحجة والتدبير قبل أن تستيقظ في النفوس نوازع الاصطفاف والمغالبة.
والمجتمع المستقر يحتمل من الخصومات الفكرية والسياسية ومن ارتفاع الأصوات والتحشيد ما تحتمله الدار القوية من هبوب الريح؛ لأن تحته مؤسساتٍ راسخة وفيه أعرافٌ تضبط الصراع وثقةً عامةً تمنع الخصومة من أن تنقلب خوفًا على الوجود، أما المجتمع الذي خرج من حربٍ أو استبدادٍ أو انقسامٍ طويل فإنه يشبه جرحًا التأم ظاهره وبقي وجعه في الأعماق؛ فقد تقع عليه قضية صغيرة فتوقظ ذاكرةً أكبر منها ويُقال فيه كلامٌ محدود فتجيبه من النفوس تواريخ كاملة من الخوف والريبة والألم.
وبهذا يظهر الفرق بين التعبير والتثوير؛ فالتعبير حقّ الناس وواجب أصحاب الأفكار أن يقولوا ما يرونه حقًا، وأن يناقشوا الخطأ وأن يكشفوا المظلمة وأن يدافعوا عن معتقداتهم وتصوراتهم؛ أما التثوير فيبدأ حين تُنقل القضية من ساحة العقل إلى حرارة الجمهور فيُستدعى الناس حولها بوصفهم جماعاتٍ وهويات ويصير الخلاف امتحانًا للولاء ثم تنفصل القضية شيئًا فشيئًا عن أصلها، ويصبح السؤال: من معنا ومن علينا؟ بعد أن كان السؤال: أين الحق وكيف يُصلح الخطأ؟
ولهذا يحتاج المجتمع الهش إلى شجاعةٍ في قول الحقيقة معها حكمةٌ تعرف مقدار الحرارة التي يحتملها الجسد الاجتماعي؛ فكم من قضيةٍ صالحة للعلاج أفسدها الاستنفار، وكم من مظلمةٍ كان يمكن ردّها بالبيان والتدبير ثم حملتها العاطفة حتى صارت معركةً عامة، وكم من كلمةٍ أراد صاحبها أن ينتصر بها لمعنى صحيح ففتح لها من أبواب الإفساد أكثر مما فتح من أبواب الإصلاح.
وفي مثل هذه المجتمعات تكون الحكمة أن نحفظ الحقيقة من أن تتحول نارًا في الطريق إلى إظهارها؛ فربّ حقٍّ أضعفه سوء حمله، وربّ قضيةٍ عادلةٍ أهلكها استعجال معركتها، وربّ مجتمعٍ كان محتاجًا إلى من يطفئ حول جراحه قليلًا من اللهيب حتى يقوى على حمل الحقيقة كاملة.