السويد تترقب نتائج اقتراع تاريخي يحدد وزن اليمين السياسي

اختبار اليمين في السويد

الرائد// توجه الناخبون السويديون الأحد 13 سبتمبر إلى صناديق الاقتراع في انتخابات قد تعيد الاشتراكيين الديمقراطيين إلى الحكم، لكنها في الوقت نفسه تكشف تحولاً أعمق في الخريطة السياسية للبلاد، بعدما أصبح حزب «ديمقراطيو السويد» اليميني المتشدد طرفاً مركزياً في تشكيل الحكومات وليس مجرد قوة احتجاجية من خارج السلطة. وتشير استطلاعات الخروج الأولية إلى تقدم كتلة يسار الوسط بنحو 51.3% مقابل 46.8% لكتلة اليمين، لكن النتائج النهائية لم تعلن بعد، كما أن تشكيل الحكومة قد يكون معقداً حتى في حال تأكد فوز المعارضة.

المفارقة أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، رغم تقدمه، قد يحصل على نسبة هي من أدنى نتائجه التاريخية؛ فقد أظهر استطلاع الخروج حصوله على 28.4%، مقابل 17.2% لـ«ديمقراطيو السويد» و18.1% للمعتدلين. وهذا يعني أن الانتخابات لا تعني ببساطة عودة السويد إلى النموذج السياسي القديم، بل تعكس استمرار إعادة توزيع الأصوات حول قضايا الهجرة والأمن والجريمة والهوية الوطنية.

ويشرح المؤرخ المتخصص في تاريخ الديمقراطية الاجتماعية السويدية جيني أندرسون أن البلاد شهدت منذ تسعينيات القرن الماضي إعادة تشكيل لصورتها السياسية والاجتماعية، مع انتقال تدريجي من نموذج الدولة الاجتماعية الواسعة إلى سياسات أكثر تحفظاً في الاقتصاد والهجرة والأمن. وفي مقابلة مع «لوموند» قبل الانتخابات، وصفت أندرسون التحول بأنه إعادة تشكيل لصورة السويد باتجاه محور محافظ جديد.

وهذه الخلفية تفسر لماذا لم تعد قضية الهجرة ملفاً هامشياً في الانتخابات. فقد تحولت إلى واحدة من القضايا التي أعادت تشكيل المنافسة بين الأحزاب، بالتوازي مع صعود الجريمة المنظمة ومخاوف الناخبين بشأن الاندماج. وحتى الاشتراكيون الديمقراطيون شددوا خطابهم بشأن الهجرة مقارنة بمواقفهم التقليدية، في محاولة لاستعادة ناخبين انتقلوا إلى اليمين.

لكن صعود «ديمقراطيي السويد» لا يمكن تفسيره فقط بالخوف من الهجرة. فالباحث هينريك بولين، أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في الشعبوية، يرى أن الحزب نجح في تطبيع وجوده داخل الحياة السياسية السويدية من دون أن يفقد طابعه الشعبوي. وتظهر أهمية هذا التقييم في أن الحزب انتقل خلال سنوات قليلة من موقع القوة المرفوضة من الأحزاب التقليدية إلى شريك محتمل في الحكومة.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للانتخابات. ففي حال تمكن اليمين من تشكيل الحكومة، سيكون السؤال ليس فقط ما إذا كان «ديمقراطيو السويد» سيحصلون على وزراء، وإنما إلى أي مدى ستتحول أفكارهم بشأن الهجرة والجريمة والهوية إلى سياسات حكومية رسمية. وقد كانت مشاركتهم في دعم حكومة أولف كريسترسون منذ 2022 خطوة أولى نحو هذا التطبيع، لكن دخولهم الحكومة مباشرة سيكون مرحلة مختلفة سياسياً ورمزياً.

وفي المقابل، فإن عودة ماغدالينا أندرسون إلى رئاسة الحكومة لن تعني بالضرورة عودة السويد إلى سياسات ما قبل صعود اليمين. فالبلاد أصبحت عضواً في حلف شمال الأطلسي، وتغيرت أولوياتها الأمنية بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، كما أن قضايا الدفاع والهجرة والجريمة أصبحت جزءاً ثابتاً من النقاش السياسي. ويشير تحليل جامعة غوتنبرغ إلى أن نتائج الانتخابات ستؤثر في سياسة السويد داخل الاتحاد الأوروبي، خصوصاً في ملفات الدفاع والهجرة والطاقة والقدرة التنافسية الأوروبية.

كما أن الملف الإسلامي سيكون حاضراً بصورة غير مباشرة في المشهد الانتخابي. فالجدل حول الهجرة والاندماج طال المجتمعات المسلمة بصورة خاصة، فيما يحذر سياسيون ليبراليون من أن انتقال الخطاب المناهض للهجرة إلى سياسات أكثر تشدداً قد يعمق الفجوة بين الدولة وبعض الأقليات. وفي المقابل، يرى أنصار التشدد في سياسات الهجرة أن التغيير ضروري لمعالجة مشكلات الاندماج والجريمة، ما يجعل النقاش يتجاوز مسألة الهوية إلى الأمن والسياسة الاجتماعية.

واللافت أن الانتخابات السويدية تأتي في سياق أوروبي أوسع، إذ تواجه أحزاب الوسط واليسار تحدياً مشابهاً أمام قوى اليمين الشعبوي في فرنسا وألمانيا وهولندا ودول أخرى. لكن التجربة السويدية تختلف في نقطة مهمة: اليمين المتشدد لم يعد يحاول إسقاط النظام السياسي من خارجه، بل يسعى إلى إدارة الدولة من داخله.

وبالتالي، فإن أهمية نتيجة اليوم تتجاوز اسم رئيس الوزراء المقبل. فإذا عادت المعارضة إلى الحكم، فقد يعني ذلك إبطاء انتقال اليمين المتشدد من التأثير البرلماني إلى السلطة التنفيذية، لكنه لن يلغي أسباب صعوده. أما إذا احتفظ اليمين بالحكم وأدخل «ديمقراطيي السويد» إلى الحكومة، فقد تصبح السويد نموذجاً أوروبياً جديداً لتحول حزب ذي جذور متطرفة إلى شريك حكومي كامل.

وفي الحالتين، تشير الانتخابات إلى أن النموذج السويدي القديم لم يعد كما كان؛ فالنقاش حول دولة الرفاه والهجرة والأمن والهوية الأوروبية أصبح أكثر حدة، بينما تتنافس الأحزاب الرئيسية على جذب الناخبين الذين كانوا في السابق خارج مركز المعادلة السياسية.

المصادر:

رويترز، نتائج استطلاعات الخروج الأولية للانتخابات السويدية، 13 سبتمبر 2026.

وكالة أسوشيتد برس، الانتخابات البرلمانية السويدية وصعود اليمين، 13 سبتمبر 2026.

الغارديان، استطلاعات الخروج وتقدم كتلة يسار الوسط، 13 سبتمبر 2026.

جامعة غوتنبرغ، تحليل تداعيات الانتخابات السويدية على دور البلاد في الاتحاد الأوروبي، سبتمبر 2026.

لوموند، مقابلة المؤرخة جيني أندرسون حول التحولات السياسية والاجتماعية في السويد، 8 سبتمبر 2026.

المركز الأوروبي لدراسة الشعبوية، مقابلة الأستاذ هينريك بولين حول تطبيع «ديمقراطيي السويد»، 9 سبتمبر 2026.

اترك تعليقا