غارات إدلب تفتح مواجهة جديدة بين إسرائيل وتركيا

بعد شن ثماني غارات على مطار أبو الظهور العسكري

الرائد// دخلت الساحة السورية مرحلة أكثر حساسية بعد أن شنت إسرائيل ثماني غارات على مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب شمال غربي سوريا، في تطور وقع أمس الثلاثاء 18 أغسطس، لكنه تصاعد سياسياً اليوم مع دخول تركيا والولايات المتحدة ودول عربية على خط الأزمة. وأكدت وكالة رويترز أن الضربات استهدفت مدرج المطار ومناطق تخزين، من دون تسجيل قتلى، وأنها كانت أول ضربة إسرائيلية لمنشأة حكومية سورية منذ مارس الماضي.

وتكمن أهمية الهجوم في أن إسرائيل لم تعد تتحرك في سوريا فقط على أساس منع عودة النفوذ الإيراني أو استهداف الأسلحة، وإنما باتت المواجهة ترتبط بصورة متزايدة بنفوذ تركيا داخل سوريا الجديدة.

وقالت إسرائيل إن الضربة جاءت لمنع ما وصفته بخرق ترتيبات أمنية قائمة، بعدما اتهمت دمشق بالسماح بنشر قوات تركية في القاعدة. لكن تركيا رفضت هذه الرواية، واعتبرت الضربة انتهاكاً لسيادة سوريا، فيما لم تؤكد أنقرة وجود خطة لنشر قوات في القاعدة بالشكل الذي تحدثت عنه إسرائيل.

والتطور الأخطر أن واشنطن نفسها لم تتعامل مع الضربة باعتبارها إجراءً إسرائيلياً عادياً. فقد وصف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا وتركيا توم باراك الهجوم بأنه «تصعيد غير ضروري»، وأعلن أن الولايات المتحدة تعمل على إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا وسوريا.

وهذه النقطة تحمل دلالة كبيرة؛ لأن الولايات المتحدة تواجه هنا مشكلة جديدة: حليفتان رئيسيتان لها، إسرائيل وتركيا، تقتربان من الاحتكاك المباشر داخل الأراضي السورية.

وتدعم تركيا القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، بينما تحاول إسرائيل فرض حدود واضحة لما تعتبره مقبولاً في إعادة بناء القدرات العسكرية السورية. ومع انتقال أنقرة من الدعم السياسي إلى دور عسكري وأمني أكبر في سوريا، تتزايد احتمالات أن تصبح سوريا ساحة تنافس تركي إسرائيلي، وليس مجرد ملف مرتبط بالصراع العربي الإسرائيلي.

كما أن موقع مطار أبو الظهور يزيد حساسية المسألة. فالقاعدة تقع في إدلب، بالقرب من المجال الذي تتمتع فيه تركيا بنفوذ عسكري وسياسي كبير، ولذلك فإن استهدافها يرسل رسالة إلى دمشق وأنقرة معاً.

وتحاول إسرائيل من خلال الضربة، وفق الرواية التي قدمتها، منع قيام واقع عسكري جديد يمكن أن يحد من حرية سلاح الجو الإسرائيلي في العمل داخل سوريا. لكن المشكلة أن هذه السياسة قد تنتج نتيجة عكسية؛ فكلما زادت الضربات الإسرائيلية على البنية العسكرية السورية، زادت حاجة دمشق إلى الحماية والدعم العسكري التركي.

وهنا يمكن أن تبدأ دائرة جديدة: إسرائيل تضرب لمنع تعزيز الوجود التركي، وتركيا تزيد دعمها لسوريا بسبب الضربات الإسرائيلية، ثم تعتبر إسرائيل هذا الدعم سبباً إضافياً لتوسيع عملياتها.

وتحمل التطورات أيضاً رسالة إلى الحكومة السورية الجديدة. فدمشق أعلنت أنها تريد تجنب الصدام مع إسرائيل، والمبعوث الأميركي أكد أن الحكومة السورية تبنت نهجاً يميل إلى خفض التصعيد. ومع ذلك، فإن الضربات الإسرائيلية تضع القيادة السورية أمام مشكلة سيادية: كيف تحافظ على سياسة عدم المواجهة إذا كانت أراضيها تتعرض لضربات متكررة؟

وقد بدأت ردود الفعل العربية بالفعل. فقد أدانت السعودية والإمارات الغارات واعتبرتاها انتهاكاً لسيادة سوريا، فيما اتخذت مواقف عربية أخرى الاتجاه نفسه.

واللافت أن الموقف العربي هنا لا يتعلق بالدفاع عن حكومة دمشق بقدر ما يتعلق برفض تكريس قاعدة تسمح لإسرائيل بالعمل العسكري داخل الأراضي السورية كلما رأت أن تطوراتها الداخلية تشكل تهديداً مستقبلياً.

لكن السؤال الأصعب هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنجح في منع تحول الخلاف التركي الإسرائيلي إلى أزمة عسكرية مباشرة.

فإعلان واشنطن عن آلية لخفض الاحتكاك يشير إلى أن الخطر أصبح ملموساً، وليس مجرد خلاف سياسي. وإذا فشلت هذه الآلية، فقد تتحول سوريا إلى ساحة صراع بين قوتين إقليميتين حليفتين للولايات المتحدة، وهو سيناريو سيضع واشنطن أمام اختبار صعب للغاية.

ومن المرجح خلال المرحلة المقبلة أن تحاول واشنطن تثبيت خطوط حمراء واضحة بشأن الوجود التركي في سوريا، مقابل ضمانات لإسرائيل بشأن أمنها، مع الضغط على دمشق كي لا تسمح بتحول الأراضي السورية إلى منصة تهديد لأي طرف.

لكن نجاح هذا الترتيب يتوقف على عامل أساسي: هل تقبل إسرائيل بأن تكون لتركيا قوة عسكرية مؤثرة داخل سوريا الجديدة؟

إذا كانت الإجابة لا، فإن غارة أبو الظهور قد لا تكون حادثة منفردة، بل بداية صراع نفوذ طويل بين أنقرة وتل أبيب على شكل الدولة السورية الجديدة وحدود قوتها العسكرية.

أما إذا نجحت الوساطة الأميركية في الفصل بين الملفين، فقد تتحول الضربة إلى أزمة محدودة انتهت برسالة سياسية قوية.

المصادر:

وكالة رويترز

وزارة الخارجية الإماراتية

اترك تعليقا