عبد المنعم رياض: المجتمع لو لم يقاتل لاستعادة أرضه فسيفقد ثقته في ذاته وقيمه

أحمد خلف يكتب

“إذا خرجنا من هذه الأزمة بحل دبلوماسي بدون قتال، فإن هذا البلد سيكون مرتعا للسماسرة بالنهار، ومرتعا للغواني بالليل”

كانت هذه كلمات عبد المنعم رياض لعبد الناصر بعد أسابيع قليلة من النكسة. كان عبد الناصر يبحث عن كل الأوراق الممكنة ويطرق بعض أبواب الحل السياسي، بينما بدا عبد المنعم يريد طمأنتة أننا سنحارب في كل الأحوال. يرى أن هذا المجتمع لو لم يقاتل بنفسه لاستعادة أرضه، فسيفقد ثقته في ذاته وقيمه، ويهدر قدرته كفاعل، ويتحول من مجتمع إلى أناس يبحثون عن مصالحهم الفردانية.

كان عبد المنعم رياض رجلا استراتيجيا من الدرجة الأولى، وكان فهمه عن إسرائيل وكيفية مواجهتها يسبق أقرانه. كان مثقفا، يهتم بالأدب ويتحدث الروسية والإنجليزية ببراعة. كان مثالا للرجل العسكري الذي تستحقه وتحتاجه مصر، حيث لا تملك مصر رفاهية أن لا يفهم عسكريها سوى في الأمور العسكرية.

قبل النكسة، كانت القيادة في مصر تتعامل مع فكرة الحرب على أنها سوءة يجب إخفاؤها وتجاوزها سريعا. نحارب إسرائيل بنظام الجولات، جولة لمدة عشرة أيام كل عشر سنوات، ونحرص قدر المستطاع على ألا يؤثر هذا على جماهير الشعب والمدنيين، وكأن الحرب عبء يخص النظام وحده.

بحسب هيكل، قبل النكسة بيومين، تم تحويل مدير مصر للطيران للتحقيق، لتسرب خبر إصداره أمرا لبعض الطائرات المصرية المدنية بالمبيت في مطارات خارج مصر، كي لا يتم تدميرها إذا وقعت حرب. حدث أمر مشابه أيضا مع مكتب الاتحاد الاشتراكي في بورسعيد، الذي كان يفكر في خطة لإجلاء الناس إذا بدأت الحرب. كان تفكير القيادة أن مثل هذه الأخبار ونشاط تلك الحالة يسببان ذعرا للمدنيين ويربكان حياتهم اليومية، وهو ما لا نريده، وكأن النظام يريد أن يتعامل مع الحرب بطريقته، بأقل قدر من التدخل الشعبي وبأدنى قدر من التأثير على عجلة الإنتاج، ربما تغيرت تلك المعادلة قليلا بعد 67 بإنشاء الجيش المليوني واستقطاب أبناء الطبقة الوسطى للمرة الأولى ليكونوا عماد الجندية المصرية، لكن جذورها كانت راسخة.

حتى يومنا هذا، لا يغيب عن نقاشات الكثير من المصريين في الشأن العام، ادعاء أن حروبنا مع إسرائيل أنهكتنا كبلد، وأضاعت الكثير من فرص التنمية، وأننا لم نتعافَ من آثار النكسة إلى الآن، وأننا كشعب دفعنا الكثير والكثير، ولذلك لا نقوى على مزيد من الأثمان، بينما يشير عمرو عادلي في فصله بكتاب 50 عاما على حرب أكتوبر، إلى أن إجمالي الشهداء العرب في الحروب مع إسرائيل من 48 وحتى أكتوبر 73 يبلغ حوالي 55 ألف شهيد. لو افترضنا أن نصفهم من المصريين، فذلك يشكل حوالي 0.08% من إجمالي المصريين وقتها، بينما مثلا فقدت فيتنام 2 مليون إنسان، أي حوالي 5% من تعدادها السكاني، خلال الحرب مع الولايات المتحدة، وخرجت باراجواي من حرب التحالف الثلاثي ضد أوروجواي والأرجنتين والبرازيل في القرن التاسع عشر بكارثة ديموغرافية، تذهب بعض التقديرات إلى أنها خفضت عدد سكانها إلى أقل من النصف وانخفضت معها نسبة الذكور إلى الإناث بشكل ملحوظ.

بالطبع كذلك لا مجال على الإطلاق لمقارنة خسائر مصر بخسائر الدول الأوروبية والاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية. نحن لا نتحدث هنا فقط عن تدمير مدن عن بكرة أبيها، وملايين القتلى، والصعوبة النفسية لتجاوز ذاكرة الحرب بشكل جماعي بما يرتبط بها من جوع وفقد للأمان واعتداءات جنسية وتهديد مباشر لكل أساسيات هرم ماسلو للشعب كله، بل نتحدث عن أزمات هيكلية في طبيعة المجتمع. خرجت فرنسا من الحرب بمليون ونصف أسير حرب، لم يعد منهم بعد انتهائها غير مليون، وأزمات صحية وترومات جماعية، ومراكز إيواء ومعسكرات لاجئين في كل مكان.

كثير من هذه الدول في جنوب شرق آسيا وشرق آسيا وأمريكا اللاتينية استطاعت أن تشق طريقها بعد الخسائر والأثمان الجمة، وأن يكون لها تجربتها الخاصة في بناء الدولة أو التنمية. بعضها استفاد من دعم خارجي ومن توازنات الحرب الباردة، بعضها تعثر أو فشل، بينما نجح البعض الآخر، كمجتمعات ومن خلال عملية منظمة، في الوصول بدرجة ما إلى ما دفع الثمن من أجله.

على جانبنا، تم احتلال 6% فقط من مساحة مصر ولم تمتد المعارك إلى أبعد منها. هُجّرت مدن القناة الثلاث لحماية أرواح المدنيين، لكن الحياة والأشغال في باقي الأرجاء سارت بشكل شبه طبيعي، لم يطلب النظام من السوفييت دعمنا عسكريا على الجبهة، لكننا طلبنا منهم التدخل لإيقاف غارات العمق لحماية المدنيين، حيث كان هذا خطنا الأحمر. أُغلقت قناة السويس لثمانية أعوام ثم أُعيدت الملاحة فيها، لكن لم تفقد مصر بعد الحروب ممرات حيوية أو مرتكزات مادية جوهرية، ليس مثلا كإثيوبيا التي أصبحت دولة حبيسة بفعل استقلال إريتريا عنها، أو بوليفيا التي خسرت منافذها على المحيط الهادئ في حربها مع تشيلي.

دفع الشعب المصري ثمنا بالطبع، وقدم خيرة أبنائه للصفوف الأولى على الجبهة، وطغت حالة الحرب بأشكال مختلفة، لكن ليس ذلك الثمن الذي يجعل هناك ثمة شيء ما في الذاكرة الجمعية يرى أن سنوات الحرب المعدودة كانت هي السبب الأبدي وراء الفشل المستدام لأي خطط تنمية، وبقائنا القدري دوما في عنق الزجاجة.

في رأيي، جزء من المشكلة يعود إلى ضبابية التعريف من البداية. كثير من المصريين يتصورون أن ما حاربنا من أجله كان، بالأساس، القضية الفلسطينية، وأننا دفعنا في سبيلها أكثر مما دفع غيرنا، وأنهكنا كبلد بسبب هذه العلاقة التضامنية، ورغم أن هذا التصور عن التكلفة غير دقيق، لأن الثمن الذي دفعته بلاد كالأردن ولبنان بغير اختيارها، بحكم القرب الجغرافي مع الداخل، كان أعمق وأكثر تأثيرا على دورة حياة هذه الدول وشعوبها، فإن الأزمة الكبرى هنا تتعلق بأمر آخر.

كيف نرى إسرائيل؟ ما هي أزمتنا الحقيقية معها؟ ولماذا كان الصراع من الأساس؟ هل تكمن مشكلتنا مع إسرائيل في أنها هذا الكيان الباطش الذي يظلم جيراننا الفلسطينيين، الذين نحبهم ونتشارك معهم بعض الصفات، فنريد مساعدتهم بدافع أخوي وإنساني وأخلاقي؟

أم نرى إسرائيل ككيان استعماري دخيل على هذه المنطقة، بطبيعة وجوده وبحسابات العلاقات الدولية التقليدية، هو ببديهيات الأمور ضد مصر، ولا يمتلك رفاهية العيش في عالم تتعامل فيه مصر كقوة حقيقية، ليس لأننا مختلفون كبلد بالفطرة، ولكن لأن ثمة عوامل جغرافية وبشرية جعلت من هذا البلد مرشحا دوما أن يكون قوة إقليمية محتملة، مما يجعل أي فائض قوة لدى مصر في الإقليم هو نقصانا من قوة إسرائيل بطبيعة الحال.

كان تصور الدور الوظيفي للاستيطان اليهودي في فلسطين، والذي ستجسده إسرائيل لاحقا، واضحا في الخيال الاستعماري منذ القرن التاسع عشر. تنسب بعض المصادر مراسلة إلى أحد بارونات عائلة روتشيلد اليهودية عام 1840 إلى بالمرستون، وزير خارجية بريطانيا، يقول فيها إن هزيمة محمد علي وحصر نفوذه داخل مصر لا يكفيان، لأن المشكلة ليست في محمد علي كشخص فقط، بل في قابلية العرب للانجذاب إلى بعضهم عبر الاتصال والوحدة. وبحسب هذا التصور، فإن فلسطين هي الجسر الذي يصل مصر بعرب آسيا، وهي البوابة التي يمكن أن تعود منها مصر إلى المشرق. ولذلك فإن الحل، كما يرد في النص المنسوب، هو وضع قوة مختلفة على هذا الجسر.

ونجد المعنى نفسه لاحقا عند حاييم وايزمان. فبحسب دراسة الأمم المتحدة عن أصول وتطور قضية فلسطين، ففي نوفمبر 1914، مع بدايات الحرب العالمية الأولى، قدم وايزمان المشروع الصهيوني للبريطانيين، لا كحلم قومي يهودي فقط، بل كقيمة استراتيجية للإمبراطورية: استيطان يهودي واسع في فلسطين، تحت النفوذ البريطاني، يمكن أن يتحول خلال جيل أو جيلين إلى “حارس فعال جدا لقناة السويس”.

عادت فكرة عزل مصر عن المشرق مرة أخرى على يد جون فوستر دالاس وزير خارجية الولايات المتحدة في منتصف الخمسينيات، من خلال اعتماد الخطة أوميجا والعمل على احتواء عبد الناصر، وقطع صلاته التي كانت لا تزال قوية آنذاك مع الملك سعود، وتقوية سعود كقيادة عربية موازية، بما يقطع الطريق على أي فرصة لتقارب مصري سعودي سوري، قبل أن يقرر جونسون في منتصف الستينيات أن الاحتواء والأوميجا لا يكفيان، ويقتنع بضرورة اصطياد الديك الرومي وعزل مصر الفعلي لا المجازي غرب قناة السويس.

وجدت إسرائيل، ووجد معها تصور قطبي تجاه مصر. كي تعيش إسرائيل وتزدهر كدولة دخيلة على إقليم متجانس، يجب، ضمن شروط أخرى، أن تُقطع طرق مصر بالمشرق، وأن يكون العمق الجنوبي والغربي لمصر ملغمًا هو الآخر بعدم استقرار دائم، لتبقى مصر حبيسة أزماتها الهيكلية ومواردها المحدودة، ولتبقى للأبد على موعد مع محاولة الخروج من عنق الزجاجة.
تدرك إسرائيل بطريقة ما أن الصراع مع مصر هو صراع وجود، فالعالم لا يحتمل الدولتين قويتين بنفس القدر معًا. فهل نراهم بالطريقة نفسها؟

بعد كامب ديفيد، قيل لنا إن أكتوبر كانت هي آخر الحروب، وإن التغيير الاستراتيجي لتوجه مصر في المنطقة وانكفاءها على شأنها، وتحررها بدرجة كبيرة من أعباء دورها الإقليمي، سيقابله نمو وازدهار ورفاهية للأفراد ومنجهة لم يرها المصريون من قبل.

مر قرابة الخمسين عاما، وصارت مصر مرتعا للسماسرة بالنهار كما حذر عبد المنعم رياض، وذهبنا للطريق المرسوم، لكن لم تنمُ مصر، ولم تتحقق دولة الرفاه، ولم تستطع مصر التغلب على أزماتها البنيوية بتجاهل الفيل الكائن بالغرفة.

هل من أمل أن نتعامل معهم بجدية أكثر من ذلك؟ هل من فرصة أن نرى ما يجري كحدث يخصنا ويخص مستقبلنا ومستقبل من سيلحقنا، لا كحدث نهتم به ونتعامل معه بمسافة؟ هل ندرك الثمن، ونؤمن أنه في يوم ما، ليس الآن ولكن ربما بعد عشرين عاما أو خمسين، سيُدفع، لا لأننا نحب الأثمان، ولكن لأنه يستحيل القفز للأبد فوق منطق العلاقات الدولية وحسابات القوة وطبيعة الوجود ودورات التاريخ؟

هل يحق أصلا لأحد أيا كان أن يملك تلك الاستحقاقية التي تجعله يطلب من ملايين حية الآن أو لم تولد بعد أن تكون مستعدة لدفع ثمن مشابه لكل الأمم التي نجحت في العبور من عنق الزجاجة؟

لا أعلم، الأمور مركبة ومربكة ولا أملك إجابات، لكن ما أعرفه أنك لن تستطيع أن تستمر في تجاهل الفيل طوال الوقت، وأن الأمم، كالأفراد تماما، لا تملك القدرة على الهروب من قدرها.

اترك تعليقا