كيف تحولت الأزمة الحدودية في سبتة إلى حملة ضد المسلمين في بريطانيا؟
من «الهجرة» إلى «الغزو الإسلامي»
- dr-naga
- 2 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- أزمة حدودية, إسبانيا, الإسلاموفوبيا, المغرب, بريطانيا, سبتة
تحوّلت الأزمة الحدودية المفاجئة في مدينة سبتة بسرعة قياسية من حدث إقليمي بين المغرب وإسبانيا إلى حملة تحريضية واسعة النطاق ضد المسلمين والمهاجرين في بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة. قادت منصات التواصل الاجتماعي وحسابات اليمين المتطرف هذا التحول عبر استغلال الصور وتزييف الحقائق لبث الذعر وإثارة النعرات العنصرية.
حدث في سبتة.. واشتعلت نيرانه في بريطانيا! هكذا يمكن اختصار المشهد بعد أن تحولت أزمة المهاجرين على الحدود الإسبانية-المغربية إلى منصة عالمية لإنتاج ‘الإسلاموفوبيا’. لم يعد الأمر يتعلق بسياسات الهجرة، بل بحملة تحريضية منسقة قادتها حسابات بريطانية وغربية لبث الذعر وإثارة النعرات العنصرية ضد المسلمين. فكيف تحولت ثغرة في جدار حدودي إلى بوابة مشرعة لخطاب الكراهية عابر للقارات؟”
كشف تقرير لمنظمة «Tell MAMA» المعنية برصد الإسلاموفوبيا في بريطانيا كيف تحوّلت أزمة هجرة وحدود غير مسبوقة في مدينة سبتة الإسبانية، الواقعة على الساحل الشمالي لأفريقيا بجوار المغرب، إلى مادة رائجة على منصات التواصل الاجتماعي تُستخدم لتأجيج الكراهية ضد المسلمين. وانتشرت خلال أيام دراماتيكية صور لآلاف الأشخاص وهم يتسلقون الأسوار الحدودية ويسبحون حول حواجز الأمواج ويتحركون داخل المدينة، على منصات مثل «إكس» و«تيك توك» و«فيسبوك» و«تيليغرام».ووفق أحدث تقرير لوكالة «رويترز» أوردته المنظمة، دخل نحو 50 ألف شخص إلى سبتة قادمين من المغرب اعتباراً من 30 تموز/يوليو 2026. وقضى ما لا يقل عن 67 شخصاً غرقاً أو نتيجة السحق خلال عمليات العبور الفوضوية، بينما أعلنت إسبانيا أن أكثر من 48 ألف شخص عادوا إلى المغرب في غضون 48 ساعة.
أسئلة مشروعة يقابلها خطاب جماعي
يقرّ التقرير بأن حجم الحادثة يثير أسئلة جدية بشأن أمن الحدود، والتهريب المنظّم، ومسؤوليات المغرب، وسياسات الهجرة الإسبانية، وهي مسائل مشروعة للنقاش الديمقراطي. غير أن وسائل التواصل الاجتماعي حوّلت على نحو متزايد أزمة سياسية وإنسانية معقّدة إلى مزاعم عن «مسلمين يغزون» أوروبا بشكل جماعي، وهو الانتقال الذي يحوّل النقاش السياسي إلى كراهية موجّهة ضد المسلمين، بحسب المنظمة.
وتشير المنظمة إلى أن الصورة الكاملة لأسباب عمليات العبور لا تزال في طور التبلور. فقد حمّلت السلطات الإسبانية شبكات تهريب البشر مسؤولية تداول تفسيرات مضللة لحكم قضائي حديث، إذ أوحت منشورات رائجة بأن المهاجرين الذين يصلون إلى سبتة عن طريق البحر يمكنهم البقاء في الأراضي الإسبانية لأنه لا يمكن إعادتهم بإجراءات موجزة دون مراعاة الأصول القانونية.
وأظهر تدقيق للوقائع أجرته وكالة «أسوشيتد برس» أن المزاعم القائلة بأن إسبانيا فتحت حدودها ببساطة أو منحت وضعاً قانونياً تلقائياً غير دقيقة، إذ ينطبق برنامج الإقامة الإسباني فقط على من يستطيعون إثبات أنهم كانوا يعيشون في البلاد قبل تاريخ محدّد.
يلفت التقرير إلى أن اليأس الاقتصادي عامل جوهري، إذ وصف كثير ممن جرت مقابلتهم البطالة والفقر وغياب الفرص في المغرب. وأفاد بأن رُبع المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً خارج التعليم أو العمل أو التدريب، فيما قال عدد من الشباب لصحفيين إن مقاطع التواصل الاجتماعي أقنعتهم بأن الحدود باتت قابلة للعبور وأن أوروبا تمثّل أملهم الواقعي الوحيد في مستقبل أفضل.
وتؤكد المنظمة أن هذا لا يبرّر العبور غير القانوني للحدود أو العنف، لكنه يوضّح لماذا يُعدّ اختزال كل شخص حاضر في «تهديد» يُعرّف دينياً أمراً غير دقيق وخطيراً في آن.
من «الهجرة» إلى «الغزو الإسلامي»
يرصد التقرير أنه في غضون ساعات،تداولت حسابات يمينية متطرفة، مثل الحساب الإيطالي المعروف “راديو جنوة” وحسابات أمريكية وبريطانية، مقاطع عبور المهاجرين في سبتة تحت عناوين تحريضية مثل “أوروبا تتعرض لهجوم إسلامي” ووصفوا العابرين بـ”المجرمين المسلمين”،وكلمات مثل «غزو» و«فتح» و«مسلمون في سن التجنيد» و«أسلمة».
تم انتزاع الحدث من سياقه القانوني المرتبط بحكم المحكمة العليا الإسبانية لتصويره كجزء من مخطط ممنهج لـ”غزو” الغرب وتغيير ديمغرافيته
ووصف أحد المنشورات الواسعة الانتشار الحادثة صراحة بأنها «غزو إسلامي» مضيفاً «لا مزيد من الإسلام»، فيما أبرز منشور آخر الهوية المسلمة المفترضة للمهاجرين وقدّم اتهامات جنائية باعتبارها سلوكاً جماعياً.وتوضح المنظمة أن الغرض من هذا التأطير مهم؛ فكلمة «مهاجرون» تصف وضعاً قانونياً أو اجتماعياً، بينما تحوّل عبارة «غزو مسلم» حادثة حدودية إلى صراع وجودي يشمل كل مسلم، بمن فيهم ملايين المسلمين الأوروبيين الذين لا علاقة لهم إطلاقاً بما جرى في سبتة.
ثم انتقلت هذه اللغة إلى الخطاب السياسي البريطاني، إذ وصفت أصوات مقيمة في بريطانيا أوروبا بأنها «غُزيت»، بينما زعم منشور آخر أن ما حدث في سبتة يقع بالفعل في بريطانيا، ووصف نائب بريطاني ما جرى في سبتة بأنه «غزو».
وتوضح المنظمة أن كلمة «غزو» ليست بالضرورة كراهية موجّهة ضد المسلمين، خصوصاً عند وصف اختراق سريع وغير قانوني للحدود، فالسياق مهم.
لكن حين تقترن هذه اللغة بإشارات إلى الإسلام أو الإجرام الجماعي أو الإحلال الديموغرافي أو مطالبات بإبعاد المسلمين، فإنها تصبح جزءاً من سردية معادية للمسلمين يمكن التعرّف عليها.
لماذا يهمّ ذلك بريطانيا؟
تشير المنظمة إلى أن بريطانيا لا تنطلق من نقطة محايدة في مواجهة هذا التصعيد الرقمي، إذ وجد استطلاع حديث أن 42 في المئة من المستجيبين يعتقدون أن المسلمين لا يمكنهم الاندماج في المجتمع البريطاني، رغم أن 85 في المئة من المسلمين البريطانيين المشمولين بالاستطلاع يؤيدون الاندماج.
كما وثّقت المنظمة كيف تستخدم شبكات اليمين المتطرف الأجنبية والمحلية قصص الهجرة للتحريض على العداء تجاه المسلمين في بريطانيا. وأظهر تحقيقها في ما يُعرف بشبكة «Direct Action UK» كيف استُخدمت الدعاية المعادية للمهاجرين ونظريات المؤامرة والمواد المولّدة بالذكاء الاصطناعي للتحريض على تخريب المساجد البريطانية، بل عُرضت مكافآت بالعملات المشفّرة لمن يرغبون في تنفيذ اعتداءات.وتضيف المنظمة أن متطرفين آخرين على الإنترنت في بريطانيا تبادلوا ومجّدوا مقاطع الهجوم الإرهابي على مسجدَي كرايستشيرش، وهو ما يبيّن لماذا لا يمكن دائماً تجاهل الخطاب الرقمي باعتباره مجرد استفزاز؛ فالسردية قد تبدأ بحادثة حدودية أجنبية وتنتهي بتهديد مسجد أو امرأة مسلمة أو عائلة في بريطانيا.
وأبرزت المنظمة بحثاً شمل أكثر من 125 ألف منشور، وجد أن السرديات المتعلقة بالهجرة والمعادية للمسلمين كانت من أكثر أشكال المعلومات المضللة شيوعاً، وأن المادة نفسها كثيراً ما صوّرت المسلمين واللاجئين كمجرمين أو تهديدات ديموغرافية أو مشاركين في «إحلال» مزعوم لسكان أوروبا.
دعوات لتحرّك المنصات
تدعو المنظمة شركات التواصل الاجتماعي إلى الاستجابة بسرعة أكبر للمحتوى الذي يجرّد المسلمين من إنسانيتهم بشكل جماعي أو يروّج للعنف أو يشوّه المقاطع عمداً، مع بقاء الخلاف السياسي ونقد الإسلام والنقاش حول الهجرة أموراً محمية، مؤكدة أن التهديد والتحريض وتصوير جميع المسلمين كغزاة أعداء شيء مختلف تماماً.
وتوصي المنظمة المستخدمين بحفظ الروابط ولقطات الشاشة قبل الإبلاغ عن المواد المسيئة لأن المنشورات قد تُحذف أو تُعدّل، ويمكن لمن يتعرّض لإساءة معادية للمسلمين الإبلاغ عنها بسرية لدى «Tell MAMA» عبر الاتصال على 0800 456 1226 أو عبر واتساب على 07341 846086، والاتصال بالرقم 999 عند وجود خطر مباشر.
وتختم المنظمة بأن سبتة أزمة حدودية وإنسانية خطيرة لا ينبغي أن تصبح ذريعة لوضع ملايين المسلمين الأبرياء، بمن فيهم مواطنون بريطانيون، تحت شبهة جماعية، مشددة على أن الحقائق واللغة المسؤولة والتحرّك السريع ضد التحريض ضرورية كي لا يتحوّل العداء الرقمي إلى مزيد من الخوف والأذى في شوارع بريطانيا.
المصدر: Tell MAMA،منصة العرب في بريطانيا،ومواقع اليكترونية اخري