من طوفان الأقصى إلى الرباعية: هل يملأ الإقليمُ فراغَه الأمني بنفسه؟
و رقة بحثية تحليلية و قراءة إستراتيجية
- dr-naga
- 2 أغسطس، 2026
- مقالات وتحليلات
- الرباعية, السعودية, تركيا, طوفان الأقصى, مصر, وزير الخارجية التركي هاكان فيدان
د حاتم عزام – اكاديمي
—
في العاشر من يوليو/تموز 2026، وبعد يومين فقط من انفضاض قمة الناتو في أنقرة، أدلى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بتصريحٍ يستحقّ أن يُقرأ بتمعّن: تركيا وباكستان ومصر والسعودية شكّلت مجموعة عملٍ لبناء «نظامٍ جديد في منطقتنا قائمٍ على السلام»، عبر ترتيباتٍ أمنية جديدة تضمن «سلامة وأمن وسيادة ووحدة أراضي كل طرفٍ في المنطقة»، مضيفاً أن «الوقت قد حان لكي تتحمّل المنطقة مشاكلها بنفسها وتُظهر ملكيتها لها».[1]
والسؤال الاستراتيجي الذي يفرضه هذا التصريح ليس: ماذا قال فيدان؟ بل: هل نشهد لحظةً عابرةً فرضتها الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وستذوب بذوبانها، أم بدايةَ بنيةٍ أمنية إقليمية جديدة تولد لأول مرة من داخل الإقليم لا من عواصم القوى الكبرى؟
هذه القراءة تحاجّ بأن ما يتشكّل اليوم ليس تحالفاً جديداً يُضاف إلى أرشيف الإعلانات، بل أول اختبارٍ حقيقي لقدرة الإقليم على ملء فراغه الأمني بنفسه بعد اهتزاز الشروط التي جعلت ذلك متعذّراً طوال سبعة عقود. وهي تقرأ المبادرة بالمصالح والقدرات لا بالنوايا والتصريحات، وتقرأ ما لم يُقل بقدر ما تقرأ ما قيل — فالمجموعة التي بلا اسمٍ ولا ميثاق يُستدلّ عليها من أفعالها وصمتها أكثر مما يُستدلّ من بياناتها.
مفهومان تُقرأ بهما اللحظة
لفهم ما يجري، لا بدّ من مفتاحين ناظمين.
الأول «تمرّد التحسّس»: النمط الحاكم لسلوك القوى كافّة في اللحظة ما بين نظامين. فالنظام القديم لم يسقط بعد، والجديد لم تتّضح ملامحه، والعالم يعيش لحظةً يُختبَر فيها الفراغ بخرق قواعده، ويتحسّس فيها كلُّ فاعلٍ موضعَ قدمه في خريطةٍ لم تُرسم بعد. الصين تتحسّس بالمبادرات والأوراق البيضاء لا بالصدام؛ وأوروبا تتحسّس استقلالها الدفاعي وهي بعدُ تحت مظلةٍ تتآكل، وفي خلفيتها حربٌ روسية على أوكرانيا أعادت تعريف أمنها من جذوره؛ وروسيا اختبرت الحدود بالحديد والنار؛ وإيران بدّلت عقيدتها ذاتها في الأثناء: فبعد عقودٍ من «الصبر الاستراتيجي» — امتصاصِ الضربات والردِّ المحسوب المتأخّر عبر الأذرع — انتقلت إلى «الردع الشديد»: الردِّ المباشر من أراضيها، واستهدافِ القواعد الأمريكية في الخليج والأردن، ثم تفعيلِ ورقة الجغرافيا القصوى بإغلاق هرمز فعلاً بعد أن ظلّ إغلاقه أربعين عاماً تهديداً يُلوَّح به ولا يُنفَّذ — معلنةً بذلك أن من يمسك صمام ثلث نفط العالم لن يُكتب أيّ نظامٍ إقليمي جديد بإقصائه؛ وإسرائيل تمرّدت على كل قواعد الاشتباك القديمة ظنّاً منها أن الفراغ فرصتها لإعادة صياغة الإقليم بالقوة العارية. كلُّها أعراضُ حالةٍ واحدة: الجميع أدرك أن قواعد ما بعد 1945 لم تعد تحكم، ولا أحد يعرف بعدُ ما القواعد التي ستحكم.
والثاني «الأمن المستعار»: الحالة التي ورثها الإقليم منذ لقاء «كوينسي» بين الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود على ظهر الطرّاد كوينسي في 14 فبراير/شباط 1945، وما تلاه من تعهّد الرئيس هاري ترومان الكتابي عام 1950 بأن الولايات المتحدة «مهتمّةٌ بصون استقلال المملكة وسلامة أراضيها».[2] إنها معادلة النفط مقابل الأمن في جوهرها: حمايةٌ تُستأجَر من الخارج بتعهّداتٍ رئاسية لا معاهدات، فتُغني الإقليم عن بناء ثقته الذاتية وتُبقي قراره مرتهناً. والصيغة نفسها لم تتبدّل في خمسةٍ وسبعين عاماً: ضماناتٌ تنفيذية شخصية، قابلةٌ للتفعيل والتنصّل معاً، تموت نظرياً بموت موقّعها أو بتبدّل مزاجه — وما بينها لم تحصل عاصمةٌ خليجية واحدة على معاهدة دفاعٍ ملزمة رغم كل ما دفعت.
بهذين المفتاحين تُقرأ الرباعية: تمرّدُ تحسّسٍ خاصٌّ بإقليمنا، لكن بفارقٍ نوعي — فهي المرة الأولى منذ قرنٍ التي تتحسّس فيها قوى الإقليم المركزية الفراغَ لتملأه بنفسها، لا لتستدعي من يملؤه نيابةً عنها.
لمتابعة قرادة هذة االورقة البحثية و التقرير الإستراتجي الموفق علي موقعي بمنصة substack
#علاقات_دولية #استرايجية See less