انهيار الجنيه يعمق اقتصاد الحرب في السودان

ارتفاع أسعار السلع الأساسية والفقر

دخل الاقتصاد السوداني مرحلة أكثر خطورة خلال سبتمبر مع تسارع انهيار الجنيه السوداني واتساع الفجوة بين مناطق السيطرة العسكرية، في وقت أدت فيه الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 إلى تفكيك الإنتاج والتجارة والإيرادات العامة. وفي أحدث تقرير ميداني نشرته «رويترز» في 22 سبتمبر، فقد الجنيه في المناطق الخاضعة للجيش نحو نصف قيمته منذ بداية الصيف، وبلغ سعر الدولار في السوق الموازية قرابة 7500 جنيه، مقابل نحو 4100 جنيه في مايو، في حين كان الدولار قبل الحرب عند نحو 600 جنيه. وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية ونقص بعض المنتجات في الأسواق.

المشكلة الأساسية أن السودان لم يعد يعمل كاقتصاد وطني موحد. فقد أصبحت مناطق إنتاج وتصدير مهمة، خصوصاً الذهب والصمغ العربي، تحت سيطرة قوات الدعم السريع أو خارج سيطرة الحكومة المركزية، بينما تذهب نسبة كبيرة من الإنتاج في المناطق الخاضعة للجيش إلى تمويل المجهود الحربي بدلاً من الخزانة العامة، بحسب التحقيق الاقتصادي الأخير. وهذا يعني أن الدولة تفقد جزءاً من مصادر العملة الأجنبية في الوقت الذي تزداد فيه حاجتها إليها لتمويل الاستيراد.

وهنا تبرز أهمية تقرير حديث لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان صدر في يوليو، إذ خلص إلى أن ما وصفه بـ«اقتصاد الحرب» أصبح عاملاً يساعد على استمرار الصراع. التقرير يقول إن أطراف الحرب تعتمد بصورة متزايدة على السيطرة على الأراضي وطرق التجارة والسلع الأساسية لتوليد الإيرادات، الأمر الذي يجعل الموارد الطبيعية السودانية جزءاً من آلية استمرار النزاع بدلاً من استخدامها في إعادة بناء الاقتصاد. وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن ثروة السودان الطبيعية ينبغي أن تعود بالنفع على شعبه، لكن ما يحدث حالياً هو أن هذه الثروة أصبحت تغذي الصراع وتفاقم معاناة السكان.

ولا تقف المشكلة عند سعر الصرف. فالانخفاض الحاد في قيمة العملة يرفع تكلفة الغذاء والدواء والوقود والمستلزمات الزراعية، ويجعل الأسر التي تعتمد على دخل ثابت أكثر تعرضاً لتدهور القوة الشرائية. كما أن ارتفاع الأسعار يقلل قدرة التجار على الاحتفاظ بالمخزون، لأن إعادة شراء السلع بعد بيعها تصبح أكثر تكلفة، وهو ما يساعد على تفسير نقص بعض السلع من الأسواق.

وتحذر التقديرات الاقتصادية طويلة المدى من أن تكلفة الحرب أصبحت أكبر بكثير من مجرد خسائر سنة أو سنتين. ففي تحليل مشترك للأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية صدر في أبريل 2026، خلص الباحثون إلى أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني أكثر من ثلاثة عقود إلى الوراء. ويحذر السيناريو الذي يستمر فيه الصراع حتى عام 2030 من ارتفاع الفقر المدقع إلى أكثر من 60%، مع دفع عشرات الملايين إلى مزيد من الحرمان. وهذه ليست توقعات حتمية، وإنما تقدير لسيناريو استمرار الحرب.

ويظهر القطاع الزراعي بصورة خاصة حجم الخطر. فالسودان يمتلك إمكانات زراعية كبيرة، لكن الحرب عطلت سلاسل الإمداد ورفعت تكاليف المدخلات وأضعفت وصول المزارعين إلى الأسواق. وتضع توقعات الأمن الغذائي لمنطقة شرق أفريقيا، المنشورة في يوليو، السودان ضمن البلدان التي ستظل احتياجاتها الغذائية مرتفعة بسبب استمرار الصراع والصدمات الاقتصادية والمناخية.

ومن الناحية المالية، أصبحت قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية مرتبطة باستمرار الحرب نفسها. فكلما زادت الموارد التي توجه إلى العمليات العسكرية، انخفضت الموارد المتاحة للصحة والتعليم والبنية التحتية ودعم العملة والإنتاج الزراعي. ولذلك فإن المشكلة الاقتصادية السودانية ليست ببساطة «نقصاً في المال»، وإنما انهيار العلاقة الطبيعية بين الإنتاج والإيرادات العامة والاستثمار.

وتكشف تصريحات المسؤولين التي نقلتها «رويترز» عن محاولة مواجهة نقص العملة الأجنبية، لكن المشكلة أعمق من قرار نقدي منفرد. فوزير المالية جبريل إبراهيم أقر بمعاناة المواطنين والحاجة إلى العملات الأجنبية، بينما يرى محللون اقتصاديون نقلت عنهم الوكالة أن الاستقرار النقدي سيظل صعباً من دون معالجة الانقسام الاقتصادي والسيطرة على مصادر الإيرادات والإنتاج.

والأخطر أن استمرار الحرب قد يخلق اقتصادين متوازيين بصورة أكثر وضوحاً: اقتصاداً في المناطق التي تسيطر عليها القوات المسلحة، واقتصاداً آخر في مناطق الدعم السريع، لكل منهما طرق تجارة ومصادر تمويل وأسعار صرف وشبكات إمداد مختلفة. وهذا التطور يجعل إعادة توحيد الاقتصاد بعد انتهاء الحرب أكثر صعوبة، لأن المشكلة لن تكون فقط إعادة إعمار المصانع والطرق، وإنما إعادة بناء سوق وطنية واحدة ونظام مالي موحد ومؤسسات قادرة على تحصيل الإيرادات وتوجيهها إلى الخدمات.

لذلك فإن التقديرات الحالية تضع السودان أمام عائق اقتصادي جوهري: استمرار الحرب أصبح هو العامل الذي يعطل العملة والإنتاج والتجارة والزراعة والإيرادات العامة في وقت واحد. وإذا حدث تقدم سياسي وأمني يسمح بفتح طرق التجارة واستعادة الإنتاج الزراعي والتعدين المنظم وتوحيد المؤسسات المالية، فإن السودان يمتلك موارد يمكن أن تساعده على التعافي. أما استمرار اقتصاد الحرب، فيعني أن انخفاض قيمة الجنيه وارتفاع الأسعار والفقر لن تكون مجرد آثار جانبية للنزاع، بل ستصبح جزءاً من البنية الاقتصادية التي يصعب تفكيكها لاحقاً.

المصادر:

رويترز، تقرير عن انهيار الجنيه السوداني وتداعياته على المدنيين، 22 سبتمبر 2026.

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، تقرير «اقتصاد الحرب» في السودان، 15 يوليو 2026.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية، تحليل «ما بعد الصراع: رسم مسار للنمو والتنمية المستدامة في السودان»، 14 أبريل 2026.

شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة، توقعات الأمن الغذائي لشرق أفريقيا، يوليو 2026.

اترك تعليقا