إثيوبيا تربط بين الحصول علي منفذ بحري والوصول لتفاهمات مع مصر حول سد النهضة
غياب الثقة بين البلدين يعقد المقايضة
- abdelrahman
- 5 نوفمبر، 2026
- السودان وأثيوبيا, تقارير وترجمات, صراعات
- أحبار جريدة الرائد, اثيوبيا, البحر الاحمر, سد النهضة, مصر, منفذ بحري
الرائدى وضعت التحركات الإثيوبية للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، بالتزامن مع الحديث عن الاستعداد للتفاهم مع مصر بشأن سد النهضة، العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا أمام اختبار استراتيجي جديد، يطرح تساؤلات حول إمكانية تحويل المصالح الجيوسياسية والاقتصادية المشتركة إلى مدخل لتسوية واحدة من أعقد الأزمات في منطقة القرن الأفريقي.
فبين حاجة إثيوبيا المتزايدة إلى منفذ بحري يخفف اعتمادها على موانئ الدول المجاورة، وتمسك مصر بضمان حقوقها المائية ورفض الإجراءات الأحادية في إدارة النيل، تبدو فكرة الربط بين الملفين مطروحة على طاولة التحليل السياسي، لكنها تصطدم بحسابات السيادة والأمن القومي والقانون الدولي.
والسؤال الأهم: هل يمكن أن توافق القاهرة على دعم حصول إثيوبيا على منفذ تجاري بالبحر الأحمر مقابل التوصل إلى اتفاق ملزم بشأن سد النهضة، أم أن التداخل بين الملفين يجعل أي مقايضة مباشرة محفوفة بالمخاطر؟
إثيوبيا تبحث عن منفذ بحري
تمثل قضية المنفذ البحري أحد أبرز الملفات الاستراتيجية بالنسبة لإثيوبيا، التي فقدت اتصالها المباشر بالبحر الأحمر عقب استقلال إريتريا عام 1993، وأصبحت تعتمد بصورة كبيرة على موانئ الدول المجاورة، وفي مقدمتها ميناء جيبوتي، لتلبية احتياجات تجارتها الخارجية.
ومع تجاوز عدد سكان إثيوبيا 130 مليون نسمة، وتزايد احتياجاتها التجارية والاقتصادية، تعتبر أديس أبابا أن الوصول إلى البحر ضرورة استراتيجية لدعم النمو الاقتصادي وتأمين سلاسل الإمداد وخفض تكاليف النقل والتجارة.
وفي هذا السياق، جدد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في أكتوبر 2026، تمسك بلاده بالحصول على منفذ بحري، مؤكداً أن حكومته ستعمل على تحقيق ذلك عبر التفاوض، ومستخدماً مبدأ المصالح المتبادلة في التعامل مع الدول المجاورة. كما أكد التزام بلاده بالحوار السلمي..
لكن الطموح الإثيوبي لا يقتصر على الحصول على تسهيلات تجارية، إذ أثارت تحركات أديس أبابا السابقة، وعلى رأسها مذكرة التفاهم مع إقليم أرض الصومال عام 2024، مخاوف إقليمية من احتمال السعي إلى وجود عسكري أو بحري دائم على ساحل البحر الأحمر وخليج عدن..
لماذا تتحفظ القاهرة؟
تستند الاعتراضات المصرية على الطلب الإثيوبي إلى مجموعة من الاعتبارات الاستراتيجية والقانونية، يأتي في مقدمتها أن البحر الأحمر ليس مجرد ممر تجاري، وإنما يمثل أحد أهم محاور الأمن القومي المصري، نظراً لارتباطه بقناة السويس وحركة التجارة العالمية ومضيق باب المندب وأمن الملاحة الدولية.
وترى القاهرة أن إدارة البحر الأحمر وأمنه وترتيباته العسكرية والاستراتيجية يجب أن تظل مسؤولية الدول المطلة عليه، وألا تتحول إلى ساحة لوجود عسكري أو ترتيبات أمنية تفرضها دول غير ساحلية.
وقد أكدت مصر هذا الموقف خلال تحركاتها الدبلوماسية مع إريتريا، كما شدد وزير الخارجية بدر عبد العاطي على أن حوكمة البحر الأحمر وأمنه مسؤولية حصرية للدول المطلة عليه، وأن الدول غير الساحلية لا تملك حق المشاركة في الترتيبات المتعلقة به.
ويعني ذلك أن مصر قد تتعامل بإيجابية مع احتياجات إثيوبيا التجارية، لكنها تتحفظ على أي صيغة تمنح أديس أبابا سيطرة سيادية على ميناء أو وجوداً عسكرياً دائماً في منطقة البحر الأحمر، لما قد يترتب على ذلك من تغيير في موازين القوى الإقليمية.
سد النهضة.. العقدة الأكبر
وفي هذا السياق يبقى ملف سد النهضة العامل الأكثر تأثيراً في حسابات القاهرة تجاه أي تفاهمات محتملة مع إثيوبيا.
فمصر لا تعارض، من حيث المبدأ، حق إثيوبيا في التنمية وتوليد الكهرباء والاستفادة من مواردها المائية، لكنها تتمسك بضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل السد، ويضمن عدم إلحاق ضرر ذي شأن بدولتي المصب، خصوصاً في فترات الجفاف الممتد والجفاف الممتد لعدة سنوات.
وتتمثل أبرز نقاط الخلاف في غياب اتفاق ملزم بشأن إدارة التصرفات المائية، وآليات تبادل البيانات والمعلومات، والتعامل مع حالات الجفاف والطوارئ، فضلاً عن وجود خلافات حول آليات تسوية النزاعات ومدى التزام إثيوبيا بالتنسيق مع مصر والسودان في القرارات التشغيلية المؤثرة في تدفقات النيل.
وتزداد حساسية الملف بالنسبة لمصر لاعتمادها شبه الكامل على مياه النيل في تلبية احتياجاتها المائية، بما يجعل أي غموض في قواعد تشغيل السد مصدر قلق استراتيجي طويل الأجل.
ومن ثم، فإن القاهرة لا تنظر إلى تسوية أزمة السد باعتبارها تنازلاً تفاوضياً يمكن استبداله بمكاسب سياسية أو اقتصادية أخرى، وإنما باعتبارها ضرورة مرتبطة بالأمن المائي وحقوق الأجيال المقبلة.
مبدأ المقايضة
من الناحية السياسية، يمكن تصور صيغة تفاهم تربط بين دعم حصول إثيوبيا على منفذ تجاري آمن ومستقر، وبين التوصل إلى تسوية نهائية وملزمة بشأن سد النهضة، لكن من الصعب اعتبار ذلك مقايضة مباشرة بين حق إثيوبيا في الوصول إلى البحر وحقوق مصر المائية.
والأقرب إلى المصالح المصرية هو الفصل بين المسارين من الناحية القانونية، مع إمكانية الربط بينهما في إطار صفقة إقليمية أوسع تحقق مكاسب متبادلة.
فيمكن للقاهرة، بالتنسيق مع الدول الساحلية المعنية، دعم ترتيبات تتيح لإثيوبيا استخدام الموانئ وتطوير البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية، من خلال اتفاقات تجارية واستثمارية طويلة الأجل، مقابل التزام إثيوبي واضح باتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد تشغيل سد النهضة.
لكن ذلك لا يعني منح إثيوبيا سيادة على أراضٍ أو موانئ تابعة لدول أخرى، أو السماح بإنشاء قواعد عسكرية أو وجود بحري دائم خارج إطار موافقة الدول الساحلية.
فرص التفاهم
ومن المهم الإشارة هنا إلي أن هناك عدة عوامل قد تدفع مصر إلى دراسة دعم حصول إثيوبيا على منفذ تجاري، أبرزها: خفض التوتر الإقليمي وتجنب تحول الخلافات حول البحر الأحمر وسد النهضة إلى مواجهة ممتدة في منطقة القرن الأفريقي.
كما أن هناك مكاسب اقتصادية تتمثل في فتح مجالات للاستثمار المصري في الموانئ والنقل والخدمات اللوجستية، وتعزيز حركة التجارة مع إثيوبيا فضلا عن المكاسب الاقتصادية المتمثلة.
ويحضر كذلك تأمين المصالح المائية حيث يتم توظيف العلاقات الاقتصادية والتجارية في بناء تفاهمات أكثر استقراراً بشأن إدارة مياه النيل وتحضر
ومن الأهداف التي يمكن تحقيقها من وراء هذا التقارب منع التمدد العسكري: ضمان أن يظل الوصول الإثيوبي تجارياً ومدنياً، دون ترتيبات عسكرية تهدد أمن البحر الأحمر.
لكن نجاح هذا المسار يتطلب ضمانات قانونية واضحة، وألا تكون التفاهمات السياسية بديلاً عن الاتفاق الملزم بشأن السد، أو أن تتحول التسهيلات البحرية إلى ورقة ضغط مستقبلية على الدول الساحلية.
الحسابات المصرية
تبدو فرص التوصل إلى تفاهم شامل قائمة من الناحية النظرية، لكنها تصطدم بتعقيدات تتعلق بمواقف الدول الساحلية، والعلاقات الإثيوبية مع إريتريا والصومال وجيبوتي، فضلاً عن استمرار الخلافات حول سد النهضة.
ويكتسب الموقف المصري أهمية إضافية في ظل التقارب مع إريتريا والصومال والسودان، والتنسيق بشأن أمن البحر الأحمر والحقوق المائية لدولتي المصب.
كما أن القاهرة لا تستطيع بمفردها منح إثيوبيا منفذاً بحرياً، لأن أي اتفاق من هذا النوع يتطلب موافقة الدولة صاحبة السيادة على الميناء أو الساحل، وهو ما يجعل دور مصر أقرب إلى الوساطة وتسهيل التفاهمات الاقتصادية والسياسية.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن تقارير إعلامية في فبراير 2026 تحدثت بالفعل عن طرح مصري لدعم وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر مقابل مرونة في مفاوضات السد والتخلي عن الطموحات العسكرية على الساحل، لكن مصدراً مصرياً مسؤولاً نفى رسمياً صحة تلك التقارير، وأكد تمسك القاهرة بمواقفها بشأن الأمن المائي وحصرية مسؤولية الدول المطلة على البحر الأحمر عن ترتيباته.
اختبار الثقة؟
في المحصلة، لا يبدو أن مصر سترفض بالضرورة أي ترتيبات تتيح لإثيوبيا الاستفادة من الموانئ الإقليمية لأغراض التجارة والنقل، لكن الموافقة على دعم هذا التوجه تظل مرتبطة بطبيعة الترتيبات وضماناتها واحترام سيادة الدول الساحلية.
أما المقايضة بين المنفذ البحري وسد النهضة، فقد تكون مدخلاً سياسياً للتفاوض، لكنها لا تصلح وحدها أساساً لتسوية مستدامة، ما لم تتضمن اتفاقاً ملزماً يحمي حقوق مصر المائية ويحدد قواعد واضحة للتشغيل والتعامل مع فترات الجفاف وآليات فض النزاعات.
فالمعادلة التي تسعى القاهرة إلى تحقيقها ليست حرمان إثيوبيا من التنمية أو الوصول التجاري إلى البحر، وإنما منع تحول طموحاتها البحرية إلى تهديد للأمن الإقليمي، بالتوازي مع إنهاء حالة عدم اليقين بشأن مستقبل مياه النيل.
وهنا يظل السؤال الحاسم: هل تستطيع القاهرة وأديس أبابا تحويل تشابك المصالح بين البحر الأحمر والنيل إلى فرصة للتعاون، أم سيظل كل ملف منهما ورقة ضغط في مواجهة الآخر؟