تسويق الوهم وتصديقه نفسيا وسورة الفرقان

د محمد علي يوسف

في ليلة الحادي والعشرين من ديسمبر عام 1954، كان عدد من الأمريكيين قد اجتمعوا في منزل امرأة تدعى دوروثي مارتن ينتظرون نهاية العالم…
حدث ذلك بعدما آمنوا برسائل قالت إنها تتلقاها من كائنات فضائية تقطن كوكباً غامضاً يدعى “كلاريون”.
والنبوءة كانت محددة..
ثمة طوفان كوني كاسح سيبتلع كوكب الأرض فجر الحادي والعشرين من ديسمبر في ذلك العام.
أما طوق النجاة الوحيد فكان صحنا طائرا أزرق اللون سيهبط بحدود منتصف الليل ليحمل المؤمنين المخلصين فقط إلى بر الأمان.
بدأ الأمر في خريف العام نفسه في ولاية مينيسوتا حيث تأسست جماعة دينية صغيرة أطلقت على نفسها اسم “الباحثون عن الحقيقة”.

هنالك التقط عالم النفس الشهير ليون فيستينجر طرف الخيط وقرر هو فريقه العلمي دراسة هذه الحالة منذ بداياتها.
زرعوا أنفسهم كملاحظين سريين بداخل تلك الطائفة وتظاهروا بالإيمان بنبوءتهم ليراقبوا عن كثب كيف سيتصرف العقل البشري عندما تصطدم الأوهام بجدار الواقع الصلب.
أتباع الطائفة كانوا قد عبروا نقطة اللا عودة وقدموا التضحية الكبرى التي تجعل التراجع مستحيلاً..
لقد استقالوا من وظائفهم المحترمة، وباع بعضهم بيوتهم وتبرعوا بكل مدخراتهم، وهجروا عائلاتهم التي وصموها بالكفر. بل إنهم خلعوا السحّابات والأزرار المعدنية من ملابسهم، لأن الكائنات الفضائية حذرتهم من أن المعادن ستفسد فيزياء المركبة!
ثم جاءت الليلة المنتظرة..
لقد تجمع أعضاء الطائفة في منزل دوروثي، وعيونهم معلقة بساعة الحائط.
الصمت رهيب، والأنفاس متلاحقة..
دقت الساعة الثانية عشرة..
منتصف الليل قد حل ولم يحدث شيء…
مرت خمس دقائق..
اقترح أحدهم بابتسامة متوترة أن الساعة ربما تكون متقدمة، فأعادوا ضبطها.
مرت الواحدة صباحاً.. الثانية.. الثالثة.. والكون بالخارج هادئ مستقر، لا طوفان، ولا صحون طائرة.
بحدود الرابعة صباحاً، كان المشهد شديد البؤس..
تحول الصمت إلى نحيب مكتوم.
لقد أدركوا أنهم خسروا كل شيء بدون جدوى..
أموالهم..
وظائفهم..
حتى عقولهم قد خسروها أمام المجتمع.
هنا انكسر شيء ما في الداخل..
كان على العقل أن يجد مخرجاً فورياً كي لا يصاب بالجنون.
في حدود الساعة الخامسة صباحاً، حدثت الظاهرة التي سجلها فيستينجر في كتابه «عندما تفشل النبوءة» والذي صاغ فيه واحدة من أهم النظريات النفسية التي تعبر تدعى نظرية “التنافر المعرفي”.
قرب الفجر انتفضت السيدة دوروثي مارتن، وأعلنت أنها تلقت توّاً رسالة جديدة تقول: «إن الإله قد قرر إلغاء الطوفان وإنقاذ العالم من الفناء، مكافأة لكم على كتلة النور والإيمان التي شعت من منزلكم الصغير في هذه الليلة!».
ماذا حدث بعد ذلك؟
هل تنفسوا الصعداء وعادوا لبيوتهم خجلين؟
مطلقاً!
الطائفة التي كانت تتحاشى الصحافة وتغلق الأبواب في وجوه الفضوليين، تحولت في الصباح الباكر إلى وحش هائج.
لقد اتصلوا بوكالات الأنباء ونزلوا إلى الشوارع يصرخون بالمارة ويدعونهم إلى طائفتهم بحماسة غير مسبوقة.
كان يمكن للقصة أن تنتهي باعتراف بسيط: لقد أخطأنا.
لكن النفس البشرية لا تجد الاعتراف بالخطأ سهلًا خصوصا حين يكون الثمن باهظًا.
لقد كان الاعتراف يعني أن يقروا بكونهم سذجاً قد صدقوا وهمًا، وضحوا من أجله بأشياء لا تعود
أو أن يعيدوا تفسير ما حدث حتى يبدو فشل النبوءة دليلًا جديدًا على صحة إيمانهم.
ولقد اختاروا الطريق الثاني.
البعض يرى أنه كلما زادت كلفة التضحية من أجل فكرة خاطئة، رفض العقل الاعتراف بالهزيمة وفضل أن يبتلع أكذوبة تافهة تُشعره بالبطولة، على أن يواجه الحقيقة المُرّة بأنه كان ضحية خدعة ساذجة وقد خسر كل شيء من أجل لا شيء.

هذه واحدة من المفارقات التي تكشفها النفس البشرية حين تتعلق بفكرة تمس صورتها عن نفسها.
وكلما زاد ما ضحى به الإنسان من أجل اعتقاد، صار الاعتراف بخطئه أشق عليه.
قد يبدأ الأمر بمحاولة صغيرة لتبرير ما حدث، ثم تتسع دائرة التبريرات، حتى يصبح الدفاع عن الفكرة أهم من معرفة إن كانت صحيحة أصلًا.
ولا يحتاج المرء إلى نبوءة عن نهاية العالم كي يفعل ذلك.
قد يحدث في خلاف عائلي، أو في قرار مهني، أو في علاقة أصر صاحبها على إنكار فشلها سنوات طويلة…
يعرف في قرارة نفسه أن شيئًا ما قد انكسر، لكنه يفتش عن عيب في كل من ينبهه إليه، ويعيد قراءة الوقائع على هواه، ويغضب من صاحب النصيحة أكثر مما يغضب من الخطأ الذي وقع فيه.
هنالك يصبح الاعتراف بالحقيقة تهديدًا لحياته التي بناها حول تصوره قديم.
وأشد صور هذه المكابرة أن ينشغل الإنسان طويلًا بمناقشة كل شيء، إلا الشيء الذي يحتاج إلى أن يواجهه حقًا.

في سورة الفرقان نرى مشهدًا مفصلا من هذه المشاهد التي لا تخلو منها الأزمان وإن اختلفت الوقائع.
مشهداً يجسد هذه المكابرة بكل تفاصيلها..
من اللافت في هذه السورة العظيمة كثرة ما تحكيه من أقوال المكذبين واعتراضاتهم؛ وفيها يتكرر لفظ ﴿وَقَالُوا﴾ بشكل ملحوظ جدا..
وكأن السورة تفتح أمامك سجلا لمحاولة المشركين محاكمة القرآن ومبلغه ﷺ..
محاكمة تتخبط فيها الاتهامات وتتبدل، بينما يظل الهدف المضمر واحدًا:
الحفاظ على بنائهم العقدي الهش قائما وإسقاط مصداقية الرسالة، وصرف الناس عن الاستجابة لها بأي ثمن.

لقد قالوا عن القرآن أولاً: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾.
ثم انتقلوا لاتهامه بنسخ خرافات القدماء: ﴿وقالوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
ثم قفزوا من التشكيك في النص إلى الطعن في شخص حامل الرسالة، متذرعين بماديتهم التي لا تتصور النبوة إلا ملكاً يمشي في الأرض ﴿وقالوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾.
لقد أرادوا نبياً بمواصفات تناسب كبرياءهم؛ ثم طالبوا بموكب حراسة ملائكي ﴿لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾، أو أرصدة تسقط من السماء ﴿أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنزٌ﴾، أو منتجع حصري ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾..
العجيب أن هؤلاء الذين يعيبون على النبي صلى الله عليه وسلم بشريته، كانوا يتعاملون مع البشرية نفسها كأنها نقص في مقام الرسالة.
كأنهم يريدون رسولًا خارج قوانين الحياة التي يعرفونها.
لا يمشي بين الناس، ولا تلمسه مشقة الطريق، ولا يشارك البشر تفاصيل معاشهم.
لقد أرادوا للنبوة صورة أسطورية، لا إنسانًا يأكل الطعام ويعيش بينهم ثم يبلغهم عن ربهم.
فجاء الجواب حاسمًا: «وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا».
هذه هي طبيعة الرسالة التي اختار الله لها بشرًا من البشر. يعيش الرسول بين الناس، ويبلغهم كلام الله، ويصبر على أذاهم، وتظهر في حياته البشرية نفسها معاني العبودية والثبات والرحمة.
وكذلك كان الأنبياء… بشرًا يمشون في الأسواق، وقلوبهم معلقة بالسماء.
لكن حين لم يوافق الواقع هذه المطالب، ختموا هذيانهم بالورقة الأخيرة المعتادة: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾.
إنها حيلة الإفلاس الأخيرة حين يعجز العقل عن تفسير الاستقامة، يتهم صاحبها في عقله ليُسقط عن نفسه عبء الاستماع.
لقد نعتوه بـ “المسحور” لأن الغارقين في سحر الطين وغيبوبة الدنيا، يبدو لهم كل من يحاول إيقاظهم فاقداً للأهلية!

ولقد بلغ غرورهم ذروته حين طلبوا رؤية الملائكة كشرط للإيمان، كأن كشف الحُجب يشبه إزاحة ستار مسرحي، وأن الملائكة ستهبط لتوزع عليهم أوسمة التكريم.
يُرد على هذه الصفاقة بحقيقة واضحة
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾.
أردتم الرؤية؟
ستتحقق يوما… لكن حين تسقط قوانين الفيزياء المألوفة، وتتجسد الحقائق
هنالك سيتبخر التنظير المتعالي ليحل محله رعب بدائي ينطقونه بغير وعي: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾.
حين أطالع حوار هؤلاء المشركين مع الرسول ﷺ، أتخيل دومًا عنبرًا مغلقًا في مصحة نفسية عتيقة، ومجموعة من المرضى توافقوا على وهم جماعي بأنهم أباطرة يحكمون العالم.
يصنعون تيجانًا من الورق المقوى ويتبادلون الألقاب الوهمية. وحين يدخل عليهم طبيب عاقل بملابسه البسيطة ليخبرهم بالحقيقة ويحاول إخراجهم من القبو المظلم، ينظرون إليه بشفقة، ويتهامسون بسخرية عن هذا المسكين الذي لا يدرك مقامات الملوك.
هذا المشهد العبثي هو ملخص لحالة الانتكاس الفطري التي تعرضها سورة الفرقان
﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾. لقد استخدموا السخرية، السلاح المفضل لكل مهزوم يخشى هشاشته الداخلية.
لكن ذروة عبثهم تتجلى حين ينطقون بتلك الجملة ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾.
يسمون التمسك بالوحل “صبرًا”، و يحتفون بثباتهم على المستنقع، ويعتبرون النجاة من الغرق “ضلالًا”.
هذا التخدير الجمعي سينتهي فجأة: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
حين تنهار جدران المصحة وتحترق التيجان الورقية، سيدركون أنهم صبروا فعلًا.. لكن على هلاكهم.

ثم تتوالى الاتهامات متباينة ومتناقضة، لتكشف عن عقل مريض يطالب الحق بأن يخضع لمقاييسه قبل أن يسمح له بمخاطبته. كأن عظمة الوحي ينبغي أن تُقاس بموكب الرسول وثروته ومظهره.
﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾.
هكذا أوضحت السورة ذلك التنافر المعرفي الذي ينضح من كل شبهة طرحوها..
لقد تضاربت الأمثال، وضاع الطريق وسط هذا التلفيق الشديد الذي صنعوه بأيديهم.
لكن السورة لا تضيع وقتا في تفنيد كل شطحة على حدة
وكأنها تدعو حملة الحق إلى ألا يتوقفوا طويلًا عند ضجيج الأقوال حتى يُنسى السؤال الذي يكشف أصل المسألة.
السؤال عن الحق الذي جاء به..
تتجاوز السورة سحابة الشبهات لتضع الحقيقة واضحة أمام عينك
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾..
ثم يؤكد التشخيص في موضع آخر كاشفاً العلة الحقيقية
﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾.
تأمل حرف “بل” الذي يصحح التصور ويفضح المستور.
القضية لم تكن يوماً في بشرية النبي، ولا في مشيه بالأسواق، ولا في كيفية نزول الوحي.
الأزمة الحقيقية هي الرفض العميق لفكرة “البعث” والوقوف للحساب.
إن الإيمان بالقيامة يعيد ترتيب العالم كله أمام عينك..
المال الذي استعلى به صاحبه لن يمنحه حصانة، والنسب الذي احتمى به المرء لن يشتري له النجاة،
والقوة التي ظنها سياجاً لن تمنع الانكشاف بين يدي الله.
وهناك سيُسأل الإنسان عما صنع، وستنكشف حقيقة ما عاش له، وستسقط كل الأعذار التي حرست كبرياءه في الدنيا.

سورة الفرقان تبين تلك الحقيقة التي ينبغي أن نراقبها في أنفسنا قبل أن نتهم بها غيرنا..
ألا نكتفي بالنظر إلى العَرَض الظاهر..
أن نميز بين طالب الحق الذي يريد أن يهتدي، ومكابر يمارس “التأليف والإنكار” راهناً مصيره للهروب من مقتضى الحق.
قد يسمع الإنسان الحق واضحًا، ثم يظل يبحث عن مخرج منه.. ذلك أن المشكلة لم تعد فيما يجهله، وإنما فيما سيضطر إلى تغييره إذا صدّق.
و التشخيص الصحيح نصف الطريق إلى العلاج.

في السياق نفسه تعرض السورة مشاهد من المآل الذي ينتظر المكذبين مبينة برضوح أن الحقيقة التي حاولوا إغراقها في الضجيج ستظهر يومًا بلا حجاب، ويومها لا تنفعهم كثرة المقالات التي صنعوها لأنفسهم.

تذكر السورة مشهد النار: «وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا».
يطلبون الهلاك من شدة ما يلاقون، فيأتيهم الرد: «لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا».
مشهد تنكشف فيه النهاية التي طالما أُبعدت عن الحسابات. لقد كان أحدهم في الدنيا يؤجل التوبة، ويقدم لذته العاجلة، ويظن أن أمامه متسعًا من الوقت. ثم يأتي يوم لا يعود فيه التأجيل خيارًا، ولا تنفع فيه الحيل التي كان يصرف بها قلبه عن الحقيقة.
تعرض السورة مصير الأمم المكذبة قبلهم، من قوم نوح إلى عاد وثمود وأصحاب الرس، لتذكر بأن التكذيب ليس فكرة عابرة بلا عاقبة، وأن التاريخ يحمل شواهد لمن يعتبر.
ثم تشير إلى مشهد آخر يعض فيه الظالم على يديه ندمًا، ويقول: «يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا».
كم من طريق بدا في أوله شاقًا فكان هو طريق النجاة، وكم من صحبة استسهلها الإنسان لأنها توافق هواه، ثم اكتشف متأخرًا أنها قادته بعيدًا عن سبيل الله.
ثم يأتي الندم يومئذ على هيئة معرفة لا يمكنها أن تعيد ما مضى.
حين يرى الإنسان حقيقة اختياره، ويعرف ثمن اللحظات التي فرط فيها، لكنه لا يستطيع أن يرجع ليعيد ترتيب عمره.

غير أن سورة الفرقان لا تكتفي بكشف الاعتراضات، ولا تقف طويلًا عند وصف المعركة.
هي تحدد للنبي صلى الله عليه وسلم ولم اتبعه بإحسان طريق مواجهة تلك الطريقة التي تتكرر عبر العصور..
السورة تقدم للمؤمنين زادًا يصلح لكل زمن تتكاثر فيه الأصوات وتختلط فيه المقاييس.
فيها يأتي الأمر واضحًا: «فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا».

الضمير في «به» عائد على أقرب مذكور في سياق الآية.
عائد على القرآن..
وفي وسط هذه المعركة الفكرية، لم يترك الله جل جلاله نبيه صلى الله عليه وسلم أعزل.
الجهاد في العهد المكي والذي تنزلت في السورة لم يكن صليلًا للسيوف، وإنما كان صليلًا للحجة والبيان ومواجهة بما أنزل الله من الحق.
لقد كانت الدعوة في العهد المكي تواجه التكذيب والصبر عليه، وكان القرآن ينزل آية بعد آية، يكشف الباطل، ويقيم الحجة، ويثبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم.

إنها دلالة اسم السورة نفسه..
الفرقان، الذي يميز الحق من الباطل، ويضع الأشياء في مواضعها، ويحرر العقل من الصور الزائفة التي تصنعها الأهواء.
لذلك فإن السورة التي حملت هذا الاسم العظيم قد نسبت للقرآن كل ما يحتاج إليه حامل الحق..
من أراد أن يدعو إلى الله، وجد في القرآن أصل الدعوة والإنذار: «تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا».
ومن أراد التذكرة، رأى كيف يصرف الله آياته للناس ليفعلوا..
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾

ومن احتاج إلى الثبات، وجد وعد الله لنبيه: «كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا».
ومن جاءته الاعتراضات، وجد أن الله لا يترك نبيه أمامها بلا بيان: “وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ”

ولقد كان المكذبون يسألون: «لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً».
لقد طالبوا بكتاب يهبط من السماء دفعة واحدة..
وصفة جاهزة سريعة المفعول تنهي النقاش وتغلق الملف.
كانوا يبحثون عن استعراض يرضي فضولهم الساذج، وتجاهلوا أن الروح في معاركها الطويلة لا تحتاج إلى كتاب يُقرأ مرة واحدة ثم يُلقى خلف الظهر.
لذا جاء الرد ليؤسس قاعدة خالدة.
﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾.
القلب يتقلب، تنهشه الشبهات، وتجرحه الكلمات، وتعصره الابتلاءات المتجددة بلا هوادة.
و جرعة واحدة من المواساة في أول الطريق ربما لن تكفي لصد هجمات منتصف المسافة..
الوحي المتفرق كان بمثابة خط إمداد حيوي موصول بقلب النبي ﷺ وأصحابه.
كلما ضاقت حلقة، نزلت آية تفكها.
وكلما تجرع غصة، جاءت سورة تمسح عليها.
ارتباط دائم يضمن ألا ينقطع حبل المدد.
كان الوحي يتنزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم في مسيرة الدعوة، يواسيه عند الشدة، ويبين له ما يواجهه، ويكشف له من الحق ما يحتاج إليه في حينه.
القلب الذي يحمل الرسالة يحتاج إلى مدد متجدد، والثبات في الطريق الطويل يتربى على صحبة الوحي والعيش معه.

لكن بناء القلب يحتاج إلى صلة مستمرة بكلام الله..
قراءة يتبعها تدبر، وتدبر يثمر عملًا، وعمل يعيدنا إلى القرآن بقلب أصدق وافتقار أكبر.
القرآن هو زاد الطريق، وميزان النظر، ومصدر التذكرة، ومنبع الثبات.
وكلما ازدحمت حولنا الأصوات، احتجنا إلى أن نعود إلى الأصل الذي نزن به الأصوات نفسها.

اليوم نحن نبحث بلهفة عن حلول “الجملة الواحدة”.
دفعة واحدة تغير حياتنا، أو موعظة واحدة تزيل تراكم سنوات من الغفلة
دورة مكثفة في ثلاثة أيام لنصلح فساد عشرين عامًا،
كبسولة سحرية لعلاج هشاشة أرواحنا.
لكن الثبات الحقيقي لا يُبنى بالضربات المفاجئة
هو يتشكل بهدوء تحت تلك القطرات الصغيرة المنتظمة التي لا تتوقف عن السقوط.
قراءة يتبعها تدبر، وتدبر يثمر عملًا، وعمل يعيدنا إلى القرآن بقلب أصدق وافتقار أكبر.
من هنا تفهم فداحة تلك الشكوى المروعة التي شقت حجب السماء..
الشكوى الوحيدة التي سجلت في القرآن من أرحم الخلق صلى الله عليه وسلم
“وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا”
إنها شكوى تهز القلب..
أن يكون النور بين أيدينا ثم نعيش كأننا نبحث عنه في آخر الأرض.
تأمل لفظ “اتَّخَذُوا”؛ هو فعل يشي بالقصد والتصميم، كأن الهجر لم يكن سقطة عابرة أو نسيانًا طارئًا
لقد صار منهجًا، ورداءً يرتدونه، وقرارًا يمارسونه..
وهجر القرآن ليس مجرد غبار يعلو المصاحف على الرفوف..
هو هجر الروح.
يمكنك تسميته “الهجر الناعم”.
نحتفظ بالمصحف في حقائبنا المخملية، ونحمله في سياراتنا اتقاءً للحوادث، ونزخرف به جدران الصالونات لنبدو منتمين . يصير القرآن ضيف شرف في حفلات الافتتاح، وصوتًا خلفيًا في المآتم، و زينة في المناسبات.
أن تقرأ القرآن بلسانك بينما عقلك يسجد في محراب فلسفات أخرى.. فهذا هجر.
أن تحفظ الحروف وتتقن مخارجها، بينما يظل قلبك مستسلمًا لليأس ولا ترى عينك إلا الأسباب المادية المحضة.. فهذا هجر.
أن تطلب منه أن يثبت قلبك، ثم تعزل هدايته عن قراراتك الكبرى وتتركه بعيدًا عن مصادر قلقك الفعلي.. فهذا هو جوهر الهجر.
كيف يطلب المرء من القرآن أن يثبت قلبه، ثم يتركه بعيدًا عنه؟
وكيف يرجو منه أن يصحح رؤيته للعالم، ثم يسمح لكل هوى عابر أن يعيد تشكيل تلك الرؤية؟
القرآن لم ينزل ليوضع في تمائم تُعلق أو آيات تُزين بها الجدران.
القرآن روح… هكذا وصفه ربنا جل جلاله..
والروح لا تُهجر إلا إذا مات الجسد.
أن تهجر خريطة النجاة وأنت تقف في قلب حقل ألغام = فذلك ببساطة هو إهلاك صريح للنفس..
والصلة بالقرآن لا ينبغي أن تختزل في صورة واحدة
إن تلاوته عبادة عظيمة، وحفظه شرف، والاستشفاء بالرقية الشرعية من القرآن والسنة مشروع.
لكن الخطر أن تتحول هذه الصور إلى بدائل عن الهداية والعمل، وأن يبقى القرآن حاضرًا في الصوت وغائبًا عن السيطرة على النفس والحياة.
وأعظم صور الارتباط بالقرآن أن نسمح له بأن يراجعنا،
أن يغير ما يحتاج إلى تغيير فينا، وأن تكون آياته هي الإشارة الحاضرة حين نختار، ونغضب، ونرضى، ونتعامل مع الناس.

بعد ذلك تمضي السورة إلى توجيه آخر يكمل طريقة مواجهة كل ما قيل ويقال وسوف يقال..
إنه التوجيه لإقامة النموذج الحي.
الرد العملي على من يطعن في الرسالة وحاملها يحتاج إلى حجة تبين الحق.. ويحتاج كذلك إلى حياة يشهد الناس فيها أثر هذا الحق.
قد يسمع الإنسان كلامًا جميلًا عن الرحمة والتواضع، وحسن الخلق ثم ينظر حوله فلا يجد لها أثرًا فيمن يرفعون هذه الشعارات.
وقد يرى رسالة تعرض عليه في صورة أخلاق وأمانة ورحمة، فيجد في ذلك ما يجعله يعيد النظر في أحكامه السابقة.

لهذا تأتي خاتمة السورة بلوحة متكاملة عن هذا النموذج المبهر..
نموذج عباد الرحمن.
كأن السورة التي عرضت ضجيج المكذبين وأقوالهم المتعددة، وكشفت ما وراء اعتراضاتهم من إعراض عن الحق، تنقلنا في ختامها إلى مشهد مختلف تمامًا
إلى أناس لا يحتاجون إلى رفع أصواتهم كي يدلوا على الطريق، لأن حياتهم نفسها تحمل دليلًا عمليا مرئيا على هدايات القرآن.

أولئك الذين لم يكتفوا بمناقشة الحق أو سماعه، وإنما تركوا له أن يعيد تشكيل نفوسهم، ويظهر أثره في مشيتهم وعبادتهم وأموالهم وعلاقاتهم ومواقفهم من الناس.
يبدأ ذكر النموذج بقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.
وصف بديع يجمع بين حركة الجسد وموقف القلب.
هم يمشون على الأرض هونًا؛ فلا يستطيلون على الناس، ولا تحملهم مكانتهم أو علمهم أو ما آتاهم الله من فضل على احتقار غيرهم.
في مشيتهم تواضع يحرر صاحبه من الاستعلاء، وسكينة لا تحتاج إلى استعراض، وقوة نفس لا تستمد ثباتها من انتصارها في كل خصومة.
فإذا خاطبهم الجاهلون بما يكرهون، لم يجعلوا من كل استفزاز معركة تستنزف أعمارهم، ولم يسمحوا لكل كلمة عابرة أن تنتزع منهم اتزانهم.
فقط… يقولون سلامًا، ويمضون بما يحفظ دينهم وكرامتهم
لقد علمتهم العبودية أن بعض المعارك لا تستحق أن يدخلها المرء، وأن صيانة القلب من السفه أحيانًا أعظم من الانتصار في جدال لا ينتهي.

ثم تنتقل الصورة من حركة النهار إلى سكون الليل، ومن المشهد الذي يراه الناس إلى العبادة التي لا يطلع عليها إلا الله.. ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾. هؤلاء المتواضعون الذين لا يتضخم حضورهم أمام الناس، لهم حياة أخرى في الخلوة، يقفون فيها بين يدي ربهم، وتنكشف فيها حقيقة افتقارهم إليه.
لا تغرهم صورتهم في أعين الآخرين، ولا يكتفون بما يظهر من صلاحهم، لأنهم يعلمون أن القلب يحتاج إلى ما يصلحه بعيدًا عن التصفيق والثناء.
في الليل يتخفف الإنسان من الأدوار التي يؤديها أمام الناس، ويقف بضعفه وحاجته بين يدي من يعلم سره ونجواه.
وهناك يزدهر التواضع الذي رأيناه في مشيتهم، ويجد المرء رصيد الصبر الذي يعينهم على احتمال أذى الجاهلين.

ثم نسمع دعاءهم الذي يكشف أن العبادة لم تغرهم أو تنسهم خوف الآخرة ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا. إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.
إنهم عباد الرحمن، ومع ذلك لا يأمنون مكر الله ولا يغترون بعملهم، وإنما يضرعون إليه أن يصرف عنهم العذاب.
يعرفون أن النجاة فضل من الله، وأن الطريق مهما امتلأ بالطاعة يظل مفتقرا إلى رحمته وقبوله.
لفظ «غرامًا» نفيه له وقع عجيب..
وقع يوقظ في النفس معنى العذاب الملازم الذي لا يستطيع صاحبه أن يفلت منه، فتأتي الاستعاذة منه بإلحاح من يعرف فداحة ما يسأل ربه أن يقيه.
هم لا يعيشون غافلين عن الآخرة حتى تفاجئهم، ولا يجعلون صلاحهم الذي يرجونه سببًا للغرور ولكن يظل الخوف حاضرًا في قلوبهم، يدفعهم إلى مزيد من الطاعة والافتقار.

وحين تنتقل الآيات إلى المال وأمور المادة، تكتشف أن أثر العبادة يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية..
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾.
هم لا يبددون ما في أيديهم حتى يضيعوا حقوقًا وواجبات، ولا يحبسون المال عن مواضع البذل حتى يتحول الحرص إلى شح.
إنهم أهل قوام، يعرفون أن المال أمانة، وأن حسن التصرف فيه جزء من استقامة العبودية.
قد يظن البعض أن صلاح القلب شأن خفي لا علاقة له بحسابات الإنفاق، لكن سورة الفرقان تضع الأمرين في لوحة واحدة
الذي يتعلم الاعتدال في عبادته، ويعرف قدر النعمة، ينبغي أن يظهر أثر ذلك في بيته ونفقته وتعاملاته.
هنا يصبح التدين ميزانًا يحكم السلوك، لا شعورًا طيبًا ينفصل عن المسؤولية.
ثم تصل السورة إلى أصل الطريق الذي تقوم عليه سائر الأعمال..
التوحيد..
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾.
يبدأ الوصف بإخلاص العبودية لله وحده، فهو أساس الأمر وغايته، ثم ينتقل إلى حرمة الدماء والأعراض، ليضع أمامنا حقيقة لا يجوز أن تغيب
من حق الله على عباده أن يفردوه بالعبادة، ومن حقوق خلقه ألا تُستباح دماؤهم وأعراضهم فلا يستقيم توحيد يهون معه الاعتداء، ولا تكتمل صورة الصلاح مع الاجتراء على النفوس أو انتهاك الحرمات.
وعباد الرحمن يجمعون بين حق الخالق وحقوق المخلوقين
عقيدة تصحح وجهة القلب، وأخلاق تصون حياة الناس وكرامتهم.

ثم تقف الآيات عند عاقبة هذه الجرائم: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾،
هنالك يفتح القرآن بابًا قد يظن المذنب أنه أغلق إلى الأبد
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
نقلة مبهرة بين مشهد الوعيد وباب الرجاء!
القرآن لا يهوّن من شأن الذنب، لكنه أيضا لا يترك المذنب أسير ماضيه.
هو يواجهه بعاقبة ما فعل، ثم يدله على طريق العودة
توبة وإيمان وعمل صالح.
ثم يبلغ الرجاء مداه حين يخبر الله أنه يبدل سيئات التائبين حسنات..
فضل عظيم يفتح أمام الإنسان أفقًا جديدًا، فلا تكون حياته محكومة إلى الأبد بما اقترفته يداه، إذا صدق في رجوعه إلى ربه.
لكن التوبة التي توضحها الآيات ليست مجرد كلمة تُقال ثم يعود صاحبها إلى الطريق نفسه.
تأتي الآية التالية مؤكدة معنى الرجوع الذي تظهر حقيقته في العمل:
﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾.
يعود إلى الله بقلبه وخطواته، فيندم على ظلمه لنفسه ويسعى إلى إصلاح ما أفسده، ويعترف بتقصيره ثم يبدأ في طاعة كان يؤجلها، ويستعين بالله على تغيير ما اعتاده من أخطاء.
ليس مطلوبًا من التائب أن يمحو ماضيه من الذاكرة، وإنما أن يجعل ندمه بابًا إلى إصلاح حقيقي، وألا يتخذ ضعفه القديم حجة للاستسلام له.
هكذا يبقى باب الرحمة مفتوحًا، ويظل العمل الصالح شاهدًا على أن الرجوع قد تجاوز حدود الأمنيات إلى حياة تتغير بالفعل.
وبعد التوحيد وحرمة الدماء والأعراض، تنتقل السورة إلى مواقف قد يستهين بها الناس، لكنها تكشف عن معدن النفس وما تختاره لنفسها من مجالس وطرائق ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾.
هم لا يشهدون الزور، ولا يشاركون في الباطل، وإذا مروا باللغو لم يتورطوا فيه ولم يجعلوه ميدانًا لإهدار أوقاتهم وكرامتهم.
إنهم قوم يعرفون أن الإنسان يتشكل بما يجالسه، وأن بعض ما يبدأ كتسلية عابرة قد يفسد القلب إذا طال مقامه فيه.
لذلك هم يمرون باللغو كرامًا؛ لا يستدرجهم إلى سفاهته، ولا يحملهم وجودهم عرضا بين أهله على التشبه بهم.

ليس معنى ذلك أن يعتزلوا الناس أو يتعالوا عليهم، وإنما أن يخالطوهم بوعي، ويعرفوا متى يكون الكلام نافعًا، ومتى يكون الصمت والانصراف أحفظ للدين والمروءة.

ثم تبلغ الصورة موضعًا دقيقًا من مواضع الصلة بالوحي، وهو الطريقة التي يستقبل بها هؤلاء آيات ربهم
﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾.
إنهم يسمعون ويتفكرون، فلا تمر الآيات على أسماعهم من غير أن تبلغ قلوبهم، ولا يواجهون التذكير بإعراض من حُرم الانتفاع، ولا يتعاملون معه بوصفه كلامًا يعرفونه سلفًا فلا يحتاجون إلى أن يراجعوا حياتهم في نوره.

قد يسمع المرء الآية مرات كثيرة، لكنه في كل مرة يحتاج إلى أن يسأل نفسه: ماذا تكشف لي عن العلاقة مع ربي؟
وماذا تكشف لي عن نفسي؟
وأي موضع في حياتي يحتاج إلى أن يتغير على هداها؟
إن الانتفاع بالقرآن يقتضي قلبًا مستعدًا للإنصات، ونفسًا لا ترى في التذكير انتقاصًا منها، ولكن فرصة لتبصر ما غاب عنها.
هنا يظهر الفارق بين من يسمع الحق ليجادله، ومن يسمعه ليهتدي.
الأول كان يبحث عما يدفع به الآية عن نفسه، والثاني يسمح لها أن تصل إلى موضع الخلل فيه..
بهذا تعود بنا خاتمة السورة إلى بدايتها؛ إلى أولئك الذين توالت أقوالهم واعتراضاتهم، حتى صار الجدل حاجزًا بينهم وبين الحق، يقابلهم عباد الرحمن الذين إذا ذُكّروا بآيات ربهم لم يغلقوا قلوبهم دونها.
كأن السورة تعلمنا أن المسألة لا تتعلق بما يسمعه الإنسان وحده، ولكن بما يفعله حين يسمع، وبمدى استعداده لأن يراجع نفسه إذا ظهر له الحق.

ثم تدخل السورة إلى أكثر مساحات الحياة قربًا من القلب..
البيت والأسرة والمستقبل الذي يرجوه الإنسان لمن يحب.
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
إنهم لا يطلبون مجرد حياة أسرية مستقرة في ظاهرها، ولا أبناء يحققون ما يتطلع إليه الناس من نجاح ومكانة، وإنما يسألون الله أن يهب لهم من أزواجهم وذرياتهم ما تقر به أعينهم، وتطمئن به قلوبهم في طاعته.
قرة أعين؛ أن يجد المرء في بيته سكينة ورضاً يردان روحه إليه بعد تعب الطريق،
أن يرى في أهله ما يعينه على الخير، وأن يطمئن إلى أن من يحبهم يسيرون معه في طريق النجاة.
كم من بيت يراه الناس ناجحًا من الخارج، بينما يفتقد أهله داخله تلك السكينة التي لا تصنعها الصور ولا تشتريها المظاهر..
وكم من إنسان ينشغل ببناء صورة مثالية عن أسرته أمام الآخرين، حتى يغفل عن بناء العلاقة التي تمنح أفرادها الأمان والمودة والصلاح.
عباد الرحمن يعرفون أن صلاح البيت يحتاج إلى دعاء وعمل وصبر، وأن أعظم ما يملكه الأبوان لأبنائهما ليس ما يجمعانه لهم من متاع الدنيا وحده، وإنما ما يزرعانه في قلوبهم من إيمان، وما يقدمانه لهم من قدوة، وما يبذلانه في تربيتهم من جهد.

ثم يرتقي الدعاء من طلب الصلاح في الدائرة القريبة إلى التطلع لأن يكونوا قدوة في الخير: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
إنهم يسألون الله أن يجعلهم أئمة يُقتدى بهم في التقوى كما اقتدوا هم من قبلهم، فيكون أثر صلاحهم ممتدًا إلى غيرهم.

همة عالية لا تقف عند نجاة النفس والأهل، وإنما تتطلع إلى أن ينتفع الناس بالخير الذي منّ الله به عليهم.

هم لا يطلبون إمامة تصنع لهم وجاهة اجتماعية أو تمنحهم موضعًا متقدمًا في أعين الناس، ولكنهم يسألون الله أن يجعلهم أهلًا للاقتداء من خلال التقوى والعمل الصالح.
الإمامة هنا مسؤولية قبل أن تكون منزلة، وأثر يتركه الصلاح في حياة الآخرين قبل أن تكون مكانة يتطلع إليها المرء لنفسه.

ما أبعد هذه الصورة عن حياة تقوم على استعراض النجاحات أمام الآخرين..
قد ينجح المرء في إبهار الناس، بينما يعجز عن بناء نفسه وأهل بيته..
وقد يحسن صناعة صورته في الخارج، لكنه لا يجد في داخله ما يطمئن إليه.
أما عباد الرحمن، فيطلبون صلاحًا يراه الله قبل أن يراه الناس، وبيتًا تسكن إليه الأرواح قبل أن تنبهر به العيون، وأثرًا صالحًا يتجاوزهم إلى من يقتدي بهم.

ثم تختم السورة هذا الوصف المتكامل ببيان جزائهم:
﴿أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾.
لقد صبروا على مجاهدة أنفسهم، وعلى الطاعة حين تشق، وعلى كف الأذى وضبط الغضب، وعلى مقاومة الشح والشهوة، وعلى تربية أهلهم، وعلى لزوم الحق حين يعرض عنه الناس..
كان صبرهم = عملًا متصلًا يتوزع على تفاصيل الحياة، فجاء الجزاء من جنس ما بذلوا من صبر وثبات، مقامًا كريمًا يلقون فيه التحية والسلام..

ثم تمضي السورة إلى ختامها، فتعود بنا من مشهد عباد الرحمن إلى المكذبين الذين بدأت بعرض أقوالهم، وكأن الدائرة قد اكتملت. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾.
في هذه الآية الختامية وقفة تستحق أن يطول عندها التأمل. ما الذي يعبأ الله به من أمر الإنسان؟
ما الذي يمنحه قيمته الحقيقية بعدما تسقط الألقاب، وتخفت الأصوات، وتتلاشى مظاهر القوة التي طالما احتمى بها؟
إنه الدعاء
كلمة الدعاء هنا تذكرنا بأصل العبودية الذي يغيب عن الإنسان حين يستغني برأيه، ويطمئن إلى قوته، ويظن أنه قادر على تدبير مصيره بعيدًا عن ربه.
أن يدعو الإنسان ربَّه، فذلك اعتراف بحاجته، وإقرار بأن له ربًّا يسمعه ويملك أمره، وأنه مهما بلغ من العلم والقوة لا يخرج عن فقره إلى الله.
وحين ينقطع هذا المعنى من القلب، قد يبقى اللسان قادرًا على الكلام، وقد تمتلئ الحياة بالإنجازات والمجادلات، لكن الإنسان يكون قد غفل عن الحقيقة التي من أجلها خُلق:
أن يكون عبدًا لله، يعرف قدر نفسه، ويعرف حق ربه عليه.
لذلك تأتي هذه الآية في سياق خطاب المكذبين، فتردهم إلى حقيقة افتقارهم إلى الله، وتبين أن لهم عنده شأنًا بدعائهم وعبادتهم، ثم تكشف ما يهدد هذا كله حين يقابلون النعمة بالتكذيب والإعراض حين تأتي بقية الآية حاسمة: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾.
لقد جاءكم الحق، وسمعتموه، وأقمتم في وجهه الاعتراضات، ثم كان منكم التكذيب.
أما العاقبة التي كذبتم بها، فلن يلغيها إنكاركم، ولن يؤجلها جدالكم إلى الأبد.
«لِزَامًا»
لفظ يحمل معنى العذاب اللازم الذي لا يفارق أهله حين يأتيهم ما وُعدوا به، فينتهي زمن الإمهال وتظهر حقيقة ما كانوا ينكروال
كم من إنسان يظن أن طول الإمهال دليل على أن الأمر قد انتهى، وأنه يستطيع تأجيل المراجعة ما دام لا يرى عاقبة اختياره أمام عينيه.
لكن مرور الوقت لا يغيّر حقيقة الطريق، وتأخر الجزاء لا يعني غيابه.
قد يمضي المرء سنوات وهو ينجح في إسكات كل صوت ينبهه، حتى يظن أن الصمت الذي صنعه حول نفسه دليل على صحة موقفه ثم تأتي لحظة لا يعود فيها قادرًا على تغيير الوقائع بالكلام، ولا على استعادة ما أضاعه بالأعذار.

وهكذا تعود سورة الفرقان في آيتها الأخيرة إلى أصل الحكاية بين تكرار «وَقَالُوا» ونموذج “عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ» مسافة تختصر رحلة الإنسان مع الحق.
بين أن يستجيب المرء للحق حين يأتيه، وأن يظل يصنع لنفسه مخارج حتى يفوته زمن الرجوع.
و بين قلب يعرف فقره إلى الله فيدعوه ويعبده، ونفس تستغني عن الهداية وتتوهم أن إنكار الحقيقة قادر على دفعها.
بين فريق يستهلك عمره في صناعة الأعذار حتى يوافق الحق هواه وآخر يجاهد نفسه حتى يتحول الإيمان في قلبه إلى خلق وسلوك.
وبينهما عمر يمضي، وفرصة تتجدد، وباب توبة لا ينبغي أن يؤجل المرء طرقه حتى يأتي اليوم الذي لا ينفع فيه الندم.

وبعيداً عن صخب المعارك الكلامية التي خضناها وانتصرنا فيها أو خسرناها، يبقى السؤال الذي يواجهنا حين تنطفئ الأنوار ونخلو إلى أنفسنا
ما الذي غيَّره القرآن فينا حقيقةً؟
إن أبلغ رد على ألف شبهة مسمومة يكمن في إنسان صادق يمشي بين الناس..
يقرأ فيتغير، ويزل فيستغفر، يدخل الوحي معه إلى صفحات عمله المستور، وخلافات بيته الصامتة، ولحظات ضعفه الخفية.

القضية لم تكن أبدا قاصرة على أن ننتصر للقرآن في سجالات المنصات، ولكن أن ندع معاني القرآن تنتصر على هوى نفوسنا في الخلوات.. .
هكذا تنتهي سورة الفرقان، وتبقى رحلتها مفتوحة في داخلنا ألا يكون القرآن شاهدًا على ما عرفناه فحسب ولكن شاهدًا لنا بما غيّر فينا.
فيا رب، لا تجعل غاية حظنا من كتابك لساناً طليقاً وقلباً خراباً، واجعلنا ممن يمشون على الأرض هَوْناً، ويترجمون الفرقان إلى حياة تتكلم عنهم قبل أن تتحرك ألسنهم..

فصل سورة #الفرقان
من كتابي #مفاتيح_سور_القرآن

اترك تعليقا