اشتباكات جنوب إثيوبيا ونزوح خمسين ألفاً إلى كينيا

نزاع قديم حول الحدود الإدارية والسيطرة على الموارد بين الأورومو والصومالية

تتسع تداعيات المواجهات المسلحة في جنوب إثيوبيا، مع عبور ما يصل إلى 50 ألف شخص الحدود إلى كينيا منذ 22 أكتوبر الجاري، وفق تقديرات السلطات المحلية التي نقلتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في 28 أكتوبر. وتتركز حركة النزوح في منطقة مويالي الحدودية، حيث فرّت عائلات من الاشتباكات بين قوات ومجموعات مسلحة مرتبطة بإقليمي أوروميا والصومال الإثيوبيين.
ولا تزال الأعداد غير نهائية؛ إذ كانت المفوضية قد تحدثت عن نحو 36 ألف نازح في تقدير سابق، قبل أن ترتفع التقديرات المحلية إلى 50 ألفاً مع استمرار عبور السكان. وتقول المفوضية إن عمليات التسجيل والتحقق لم تكتمل، ولذلك ينبغي التعامل مع الرقم باعتباره تقديراً متحركاً، لا حصيلة نهائية مؤكدة.
وتعود جذور التوتر إلى نزاعات قديمة حول الحدود الإدارية والسيطرة على الأراضي والموارد بين المجموعتين الأورومية والصومالية في المنطقة.
ووفق تقارير ميدانية، تصاعدت الأزمة بعد رفع علم الإقليم الصومالي وافتتاح مكتب إداري في منطقة متنازع عليها، ثم مقتل فتاة تبلغ 13 عاماً في 18 أكتوبر، أعقبته احتجاجات ومواجهات اتسعت في 22 أكتوبر.
ولا تتفق الأطراف المحلية على المسؤولية عن التصعيد؛ إذ يتبادل ممثلو المجموعتين الاتهامات بإشعال المواجهات، بينما تتحدث تقارير عن مشاركة قوات أمن إقليمية ومسلحين مدنيين في الاشتباكات.
وحتى الآن، لا تتوافر نتائج تحقيق مستقل تحدد المسؤولية عن بدء القتال أو حصيلة الضحايا بصورة شاملة.
وتتركز المخاوف الإنسانية على النساء والأطفال الذين يشكلون نسبة كبيرة من الفارين. وتقول المفوضية إن بعض الأسر لجأت إلى أقاربها ومجتمعات الاستضافة، فيما احتمت أسر أخرى بالمدارس والكنائس. وحددت الغذاء باعتباره الحاجة الأكثر إلحاحاً، يليه الماء الصالح للشرب والمأوى والصرف الصحي والرعاية الصحية.
وقد نشرت المفوضية فريق طوارئ في مويالي، وتعمل مع الحكومة الكينية والسلطات المحلية والهلال الأحمر الكيني ومنظمات الأمم المتحدة، بينها برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الهجرة الدولية واليونيسف. وتستهدف الإمدادات الأولية مساعدة نحو 12 ألف شخص، بينما يجري البحث عن أماكن إقامة أكثر أمناً بعيداً عن المناطق القريبة من الاشتباكات.
لكن الأزمة لا تخص اللاجئين وحدهم؛ إذ تواجه المجتمعات الكينية المستضيفة نقصاً في الغذاء والمياه والخدمات الأساسية، في منطقة تعاني أصلاً من ضغوط الجفاف وتراجع الموارد. وحذرت قيادات محلية في مقاطعة مارسابيت من أن تدفق هذا العدد الكبير قد يفوق قدرة المرافق المحلية على الاستيعاب، وطالبت بتوفير دعم مالي وإغاثي عاجل.
وفي هذا السياق، دعت اللجنة الوطنية الكينية لحقوق الإنسان إلى استجابة إنسانية عاجلة تحمي النازحين وتخفف الضغط عن المجتمعات المضيفة. وتكتسب هذه الدعوة أهمية لأنها تنقل النقاش من مجرد استقبال الفارين إلى ضرورة ضمان حقوقهم وسلامتهم، ومنع تحول مخيمات الطوارئ إلى تجمعات طويلة الأمد تفتقر إلى الخدمات والحماية.
وقدرت وكالات الأمم المتحدة، ومنها المفوضية واليونيسف ومنظمة الهجرة الدولية وبرنامج الأغذية العالمي، احتياجات الاستجابة لنحو 50 ألف شخص خلال ثلاثة أشهر بنحو 8.9 مليون دولار. ويشمل التمويل المطلوب الغذاء والمأوى والمياه والصرف الصحي والخدمات الصحية وتسجيل النازحين وحماية الأطفال.
سياسياً، لا يمكن فصل المواجهات الحالية عن مشكلة أوسع تتعلق بإدارة النزاعات بين الأقاليم الإثيوبية. فترسيم الحدود الإدارية وتوزيع الأراضي والموارد والسلطات المحلية ملفات حساسة، ولا يكفي التعامل معها باعتبارها حوادث أمنية متفرقة. كما أن الاعتماد على الإجراءات العسكرية وحدها قد يوقف اشتباكاً مؤقتاً، لكنه لا يعالج أسباب النزاع التي يمكن أن تعيد إشعال العنف.
وفي المقابل، تتحمل السلطات الكينية مسؤولية حماية حدودها وسكانها، مع ضمان عدم إعادة الفارين إلى مناطق الخطر قبل التحقق من سلامتهم. أما الحكومة الإثيوبية والسلطات الإقليمية، فعليها توضيح ما جرى، والتحقيق في سقوط الضحايا، وضمان وصول المساعدات، وفتح مسار تفاوض بين المجتمعات المتنازعة.
والخطر الأكبر أن تتحول الأزمة المحلية إلى نزوح ممتد يضغط على موارد كينيا، ويعمق التوتر بين المجتمعات الحدودية، في وقت لا تزال فيه أسباب المواجهات قائمة. ولذلك فإن الاستجابة المطلوبة يجب أن تجمع بين الإغاثة العاجلة والتحقيق المستقل والوساطة المحلية، بدلاً من الاكتفاء بالترتيبات الأمنية.
*المصادر
•المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بيان ممثلتها في كينيا فاطمة محمد كول بشأن النزوح من إثيوبيا، 28 أكتوبر 2026.
•وكالة أسوشيتد برس، تقرير فرار عشرات الآلاف من إثيوبيا إلى كينيا، 27 أكتوبر 2026.
•صحيفة «ديلي نيشن» الكينية، متابعة ارتفاع أعداد النازحين إلى نحو 50 ألفاً، 30 أكتوبر 2026.
•اللجنة الوطنية الكينية لحقوق الإنسان، دعوة إلى زيادة المساعدات الإنسانية في مويالي، 28 أكتوبر 2026.
•صحيفة «ذا ستاندرد» الكينية، تقديرات الاحتياجات المالية لإغاثة النازحين، 29 أكتوبر 2026.

اترك تعليقا