السودان: أزمة المياه تضغط على سكان بورتسودان رغم الإصلاحات
الأزمة تتجاوز العطش
- dr-naga
- 31 أكتوبر، 2026
- السودان وأثيوبيا, تقارير وترجمات, صراعات
- السودان, المياه, بورتسودان, مياه الشرب في بورتسودان
تتفاقم أزمة الحصول على مياه الشرب في مدينة بورتسودان شرقي السودان، مع استمرار ارتفاع تكاليف المياه المنقولة بالصهاريج والعربات، وعجز شبكات الإمداد عن تلبية احتياجات السكان الذين تضاعفت أعدادهم بفعل موجات النزوح الناتجة عن الحرب.
وتكشف التطورات الأخيرة أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بتدمير البنية التحتية، وإنما أصبحت عبئاً اقتصادياً يومياً على الأسر، في ظل تراجع الدخول وارتفاع أسعار الوقود والنقل.
الأسر تدفع ثمن الأزمة
تقدم شهادة أمينة خلف الله، وهي أم لأربعة أطفال تقيم في حي ديم مايو، صورة عن حجم المعاناة؛ إذ تنفق نحو 10 آلاف جنيه سوداني يومياً للحصول على المياه، بما يعادل 300 ألف جنيه شهرياً، وهو ما يساوي راتبها الشهري بالكامل.
وتضطر الأسرة إلى الاستدانة أحياناً لتوفير احتياجاتها من المياه، على حساب الغذاء والاحتياجات الأساسية الأخرى.
ويبيع موزعو المياه 18 لتراً بنحو ألف جنيه سوداني، بينما ارتفعت تكلفة نقل صهريج سعته 50 ألف لتر إلى 1.5 مليون جنيه، مقارنة بنحو 450 ألف جنيه قبل الحرب، وفقاً لأحمد عثمان، العامل بمحطة توزيع مياه في المدينة.
وتكشف هذه الأرقام عن مشكلة اقتصادية مركبة؛ فحتى عندما تتوافر المياه في الأسواق، لا يعني ذلك أن الأسر قادرة على شرائها.
انهيار سد أربعات وأسباب العجز
يرتبط جانب كبير من الأزمة بانهيار سد أربعات في أغسطس 2024، عقب أمطار وسيول شديدة دمرت أجزاء من المنشأة وألحقت أضراراً بالأنابيب والآبار والقرى الواقعة في مجرى المياه.
وكان نظام السد يوفر، مع منشآت أخرى، نحو نصف احتياجات بورتسودان اليومية من المياه.
وزاد وصول النازحين من مناطق القتال من الضغط على الشبكة، حتى أصبحت المدينة التي تستضيف مؤسسات إدارية ومرافق حيوية وميناء السودان الرئيسي عاجزة عن توفير احتياجات سكانها بصورة منتظمة.
وبحسب بيانات البنك الأفريقي للتنمية، كان إمداد المدينة بالمياه يقل عن 40% من حجم الطلب.
وجهة نظر المنظمات الدولية: تقدم في الإصلاحات لكنه غير كافٍ
لا يمكن القول إن جهود الإصلاح غائبة تماماً.
فقد أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مارس 2026 استكمال أعمال شملت حفر وإعادة تأهيل 15 بئراً، ومد 17 كيلومتراً من خطوط الأنابيب، وتركيب مضخات تعمل بالطاقة الشمسية.
ويمكن للنظام الذي جرى إصلاحه توفير المياه لنحو 230 ألف شخص.
لكن البرنامج يقدر عدد سكان المدينة بنحو مليون نسمة، وهو ما يعني أن الإصلاحات الحالية لا تغطي سوى جزء من الاحتياجات.
كما أطلق البنك الأفريقي للتنمية واليونيسف مشروعاً يستهدف توسيع الوصول إلى المياه الآمنة لما يصل إلى 750 ألف شخص.
وهنا تظهر نقطتان مختلفتان في تقييم الوضع:
• الأولى أن مشروعات إعادة التأهيل حققت تقدماً ملموساً، وأعادت خدمات المياه إلى أجزاء من المدينة.
• الثانية أن حجم السكان والاحتياجات المتزايدة يجعلان هذه المشروعات غير كافية ما لم تتوسع الشبكات ومصادر المياه بصورة أكبر.
التحذيرات الطبية: الأزمة تتجاوز العطش
حذر عماد حافظ، المدير الطبي لقسم الطوارئ بمستشفى بورتسودان التعليمي، من أن نقص المياه يرفع احتمالات الإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه، ويصعّب الحفاظ على النظافة الشخصية والعامة.
وأوضح أن استخدام المياه غير المعالجة وتخزينها في أوعية مكشوفة يزيدان مخاطر الإسهال والكوليرا، إلى جانب أمراض أخرى مثل الملاريا وحمى الضنك.
وأشار إلى أن المستشفيات نفسها تحتاج إلى إمدادات منتظمة من المياه لأغراض التعقيم والتنظيف ورعاية المرضى.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة مع هشاشة الوضع الصحي في السودان، حيث تتزامن مشكلات المياه مع تراجع قدرة المؤسسات الصحية على تقديم الخدمات.
قراءة اقتصادية واجتماعية: من يتحمل تكلفة إعادة البناء؟
هناك ثلاثة أبعاد تستحق الاهتمام:
أولاً: العدالة في توزيع المياه.
الاعتماد على البائعين والصهاريج يجعل الحصول على المياه مرتبطاً بالقدرة الشرائية، وهو ما يضع الأسر الفقيرة والنازحين في وضع أكثر صعوبة من الأسر القادرة على تحمل تكاليف النقل والتخزين.
ثانياً: ارتفاع تكاليف التشغيل.
ارتفاع أسعار الوقود لا يؤثر فقط على المستهلك، بل يرفع تكلفة تشغيل محطات المياه ونقلها وصيانة المعدات، بما يجعل إعادة تشغيل الشبكات دون توفير تمويل مستدام حلاً مؤقتاً.
ثالثاً: مخاطر الاعتماد على الحلول الإسعافية.
توزيع المياه بالصهاريج ضروري لتجنب انقطاع الإمدادات، لكنه لا يمثل بديلاً اقتصادياً طويل الأجل عن شبكة عامة قادرة على توفير المياه بتكلفة مناسبة.
وتشير تجربة بورتسودان إلى أن إعادة بناء البنية التحتية لا ينبغي أن تقتصر على إصلاح الأضرار، بل يجب أن تشمل زيادة الطاقة الاستيعابية للشبكات، وتنويع مصادر المياه، وضمان استمرارية الصيانة والتمويل.
ما المتوقع؟