البنك الدولي وصندوق النقد بين الإصلاح المالي وحماية الفقراء في إفريقيا

التمويل الدولي بين إنقاذ الاقتصادات وكلفة الإصلاح

تدخل الاقتصادات الإفريقية عام 2026 في مرحلة دقيقة تتقاطع فيها ضغوط الديون مع ارتفاع تكاليف التمويل، وتراجع المساعدات الخارجية، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والأسمدة، في وقت ما تزال فيه قطاعات واسعة من السكان تعاني هشاشة اقتصادية واجتماعية مرتفعة، وفي هذا السياق، تزداد أهمية دور البنك الدولي وصندوق النقد الدولي باعتبارهما مصدرين للتمويل والخبرة الفنية والدعم المؤسسي، لكن هذا الدور يظل محل نقاش بسبب السؤال الأكثر حساسية: كيف يمكن للدول الإفريقية أن تستعيد الانضباط المالي وتخفض مخاطر الديون، من دون أن تتحول كلفة الإصلاح إلى عبء إضافي على الفقراء؟

ولا تبدو هذه المعادلة بسيطة، لأن الأزمات المالية التي تدفع الحكومات إلى طلب التمويل الخارجي غالباً ما تكون نتيجة تراكم اختلالات داخلية وخارجية، تشمل ضعف الإيرادات المحلية، وارتفاع خدمة الدين، وتراجع القدرة على تمويل الخدمات العامة، إضافة إلى الصدمات العالمية التي تؤثر في أسعار السلع والطاقة والغذاء، وفي المقابل، فإن الإجراءات التي تهدف إلى تصحيح هذه الاختلالات، مثل تقليص العجز أو إصلاح الدعم أو تحسين التحصيل الضريبي، يمكن أن تحقق فوائد اقتصادية طويلة الأجل، لكنها قد تحمل في المدى القصير آثاراً اجتماعية مؤلمة إذا لم تصاحبها حماية فعالة للفئات الأكثر هشاشة.

إصلاح ضروري.. وكلفة اجتماعية حساسة..

لا يصح اختزال علاقة “إفريقيا” بالمؤسسات المالية الدولية في صورة طرف مقرض يفرض إصلاحات وطرف مدين يتحمل تبعاتها، كما لا يصح اعتبار كل برامج الإصلاح الاقتصادي ضارة بالفئات الفقيرة، فالكثير من الدول التي تلجأ إلى صندوق النقد أو البنك الدولي تدخل برامج التمويل وهي تواجه بالفعل اختلالات مالية واقتصادية عميقة، وقد تكون في حاجة إلى تمويل خارجي لتجنب اضطرابات أكبر في العملة أو المالية العامة أو قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية.

وتشير أحدث توقعات صندوق النقد الخاصة “بإفريقيا جنوب الصحراء” إلى أن المنطقة دخلت 2026 بعد مكاسب مهمة في الاستقرار الاقتصادي خلال 2025، لكن آفاقها تعرضت لضغوط جديدة نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة وتكاليف الشحن، إلى جانب تراجع المساعدات الخارجية وارتفاع مخاطر الفقر وانعدام الأمن الغذائي، ويتوقع الصندوق نمو اقتصاد “إفريقيا جنوب الصحراء” بنحو 4.3% في 2026، مع اختلافات كبيرة بين الدول ووجود مخاطر هبوطية مرتبطة بالبيئة العالمية والهشاشة المالية.

وتكشف هذه الصورة أن المشكلة المالية لا تنحصر في ارتفاع الدين وحده، بل تتعلق أيضاً بضيق الحيز المالي المتاح للحكومات للتعامل مع الصدمات، فعندما تذهب حصة متزايدة من الإيرادات إلى خدمة الدين، تتراجع المساحة المتاحة أمام الإنفاق على التعليم والصحة والبنية الأساسية والحماية الاجتماعية، خصوصاً في الدول التي تعاني أصلاً ضعف القاعدة الضريبية وارتفاع الاحتياجات التنموية، ومن هذه الزاوية، يمكن أن يكون الإصلاح المالي في مصلحة الفقراء على المدى الطويل.

فتحسين إدارة المالية العامة، وزيادة كفاءة الإنفاق، وتوسيع الإيرادات المحلية بصورة عادلة، ومحاربة التهرب الضريبي والفساد، وتحسين إدارة الدين، كلها إجراءات يمكن أن تساعد على خلق دولة أكثر قدرة على تمويل خدماتها بصورة مستدامة، كما أن استعادة الاستقرار المالي والنقدي يمكن أن تقلل مخاطر التضخم وانخفاض قيمة العملة، وهي تطورات تتحمل الأسر محدودة الدخل آثارها بصورة أكبر من الأسر الأكثر ثراءً، لكن الخطر يظهر عندما يتحول ضبط الموازنة إلى غاية مستقلة عن الأهداف الاجتماعية.

فخفض الإنفاق لا يكون بالضرورة إصلاحاً ناجحاً إذا أدى إلى تراجع الخدمات الأساسية أو إضعاف الاستثمار في رأس المال البشري، كما أن رفع الضرائب أو أسعار بعض السلع والخدمات يمكن أن يكون أكثر إيلاماً للأسر الفقيرة التي تنفق نسبة كبيرة من دخولها على الغذاء والطاقة والنقل، وتبرز هنا قضية الدعم الحكومي باعتبارها إحدى أكثر النقاط حساسية في برامج الإصلاح، فالدعم الشامل للطاقة أو السلع قد يكون مكلفاً وغير كفء، وقد تستفيد منه الأسر الأعلى استهلاكاً بصورة أكبر من الأسر الفقيرة.

ولذلك يمكن لإعادة توجيه الموارد من الدعم العام إلى برامج أكثر استهدافاً أن تحسن كفاءة الإنفاق وتوفر مساحة لتمويل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، لكن نجاح هذا التحول يعتمد على طريقة التنفيذ، فرفع أسعار الوقود أو الكهرباء أو بعض السلع الأساسية بصورة سريعة، من دون وجود تحويلات نقدية أو دعم بديل يصل إلى المستحقين، يمكن أن يرفع تكاليف النقل والإنتاج، ثم ينتقل أثره إلى أسعار الغذاء والخدمات.

وفي الدول التي تملك فيها الأسر هامشاً مالياً محدوداً، قد تتحول الزيادة التي تبدو صغيرة في الحسابات الحكومية إلى ضغط كبير على مستوى المعيشة، ولهذا فإن القضية الأساسية ليست تحديد ما إذا كان الدعم جيداً أو سيئاً في ذاته، وإنما تحديد كيفية إصلاحه، ومن يحصل على المنفعة، وكيف يتم تعويض الفئات الأكثر تضرراً، ومدى قدرة الدولة على إيصال التعويضات في الوقت المناسب، وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر مع استمرار هشاشة الأمن الغذائي العالمي.

فقد أكد تحديث البنك الدولي للأمن الغذائي في يونيو 2026 أن الإمدادات العالمية لا تزال كافية بصورة عامة، لكن ارتفاع التكاليف واضطرابات سلاسل الإمداد ما زالت تضغط على الأسعار، كما ارتفعت أسعار الأسمدة خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026 بنحو 35% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وأشار البنك أيضاً إلى استمرار ضغوط أسعار الغذاء بصورة متفاوتة في “إفريقيا”، مع بقاء مستويات مرتفعة في أجزاء من شرق القارة وجنوبها، وفي مثل هذه البيئة، يصبح توقيت الإصلاح جزءاً من الإصلاح نفسه.

فقد يكون القرار المالي مناسباً من الناحية النظرية، لكن تنفيذه خلال موجة ارتفاع في الغذاء أو الطاقة قد يضاعف أثره الاجتماعي، ولذلك تحتاج برامج الإصلاح إلى ترتيب الأولويات وتسلسل الإجراءات، بحيث لا يتم تحميل الأسر الأضعف تكلفة تعديلات مالية واسعة في وقت واحد، كما أن التقييم الحقيقي لأي برنامج إصلاح لا ينبغي أن يقتصر على مؤشرات العجز والدين والاحتياطيات، بل يجب أن يشمل معدلات الفقر، وأسعار الغذاء، والوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم، ومستويات البطالة، وقدرة الأسر على مواجهة الصدمات، فاستقرار المالية العامة مهم، لكنه لا ينفصل عن الاستقرار الاجتماعي.

الحماية الاجتماعية.. صمام أمان الإصلاح..

أصبحت الحماية الاجتماعية عنصراً أكثر حضوراً في النقاش حول الإصلاح المالي في “إفريقيا”، ليس باعتبارها بديلاً عن الإصلاح، وإنما باعتبارها وسيلة لتقليل كلفته على الفئات الأكثر تعرضاً للصدمات، وتكمن أهمية هذه المقاربة في أن الفقر في كثير من المجتمعات الإفريقية لا يرتبط فقط بمستوى الدخل، بل أيضاً بضعف القدرة على امتصاص الصدمات المفاجئة في أسعار الغذاء والطاقة والنقل والرعاية الصحية، ويقدم البنك الدولي في هذا السياق نموذجاً واضحاً من خلال مشروعه الجديد في “بوركينا فاسو”.

فقد وافق البنك في يونيو 2026 على مشروع “الفرص الاقتصادية من أجل الصمود” لمدة خمس سنوات، بتمويل قدره 100 مليون دولار من المؤسسة الدولية للتنمية، إضافة إلى منحة بقيمة 20 مليون دولار من برنامج الحماية الاجتماعية التكيفية لمنطقة الساحل، ويستهدف المشروع توسيع الفرص الاقتصادية للأسر الفقيرة والهشة وتعزيز نظام الحماية الاجتماعية الوطني، ويستهدف المشروع أيضاً تحسين قدرة النظام الوطني على تحديد الأسر الفقيرة وإدراجها في سجل اجتماعي موحد، مع توسيع نطاق الوصول إلى البرامج الاجتماعية.

ووفق البنك الدولي، من المتوقع أن يستفيد نحو 120 ألف أسرة وأفرادها، مع تركيز خاص على النساء، والنازحين في المجتمعات المضيفة، والعائدين، كما يستهدف المشروع تسجيل نحو 500 ألف أسرة جديدة في السجل الاجتماعي الموحد، أي ما يقارب 3 ملايين شخص، وتكشف هذه التجربة أهمية الانتقال من المساعدات المؤقتة إلى أنظمة حماية اجتماعية قادرة على الاستجابة للصدمات، فالدعم الذي يمكن توسيعه بسرعة عند ارتفاع أسعار الغذاء أو حدوث أزمة مناخية أو أمنية قد يكون أكثر فاعلية من برامج ثابتة لا تستطيع الوصول إلى الأسر الجديدة التي تنزلق إلى الفقر نتيجة الأزمة، لكن تصميم هذه الأنظمة يظل تحدياً في حد ذاته.

فاستهداف الفقراء بدقة يحتاج إلى بيانات حديثة وسجلات اجتماعية موثوقة وقدرة إدارية على تحديث المستفيدين، وفي المجتمعات التي يعمل فيها عدد كبير من السكان في الاقتصاد غير الرسمي أو يعيشون في مناطق ريفية متباعدة، قد تواجه الحكومات صعوبة في تحديد المستحقين أو الوصول إليهم، ولهذا لا يكفي الإعلان عن شبكة حماية اجتماعية في وثائق الإصلاح، فالمعيار الحقيقي هو قدرة هذه الشبكة على العمل عندما ترتفع الأسعار أو تتراجع الدخول، وإذا كانت الإجراءات المالية ترفع كلفة المعيشة بسرعة أكبر من قدرة الدولة على تقديم التعويضات، فقد يصبح وجود البرنامج على الورق غير كافٍ لمنع تدهور مستويات المعيشة.

وتقدم ناميبيا مثالاً مهماً على جانب آخر من المعادلة، فقد خلصت دراسة لصندوق النقد، أعدها “هانا براون” و”هاجيمي تاكيزاوا” و”تشيانتشيان تشانغ”، إلى أن الإنفاق الاجتماعي في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية يقارن بصورة جيدة مع دول مماثلة، لكن هناك فجوات في كفاءة الإنفاق، كما لا تزال نتائج التعليم والصحة أقل من نتائج بعض الدول ذات مستويات الإنفاق المقاربة، بينما تواجه برامج المساعدة الاجتماعية تحديات تتعلق بالتغطية والاستهداف، وتوضح الدراسة أن المشكلة لا تكمن دائماً في مقدار الأموال التي تنفقها الدولة، بل في كيفية توزيعها وتحويلها إلى نتائج ملموسة.

فالإنفاق المرتفع نسبياً لا يضمن تلقائياً نتائج اجتماعية أفضل إذا كانت الموارد لا تصل إلى المناطق أو الفئات الأكثر احتياجاً، أو إذا كان تصميم البرامج لا يتناسب مع طبيعة المشكلات المحلية، وتشير الدراسة نفسها إلى أن ناميبيا تواجه قيوداً في الحيز المالي نتيجة ارتفاع الإنفاق الجاري واستمرار الضغوط على المالية العامة، ما يجعل تحسين كفاءة الإنفاق أحد المسارات المهمة لتحقيق نتائج اجتماعية أفضل من دون الإضرار بالاستدامة المالية.

وهنا تظهر نقطة جوهرية في العلاقة بين الإصلاح المالي والحماية الاجتماعية: زيادة الإنفاق ليست الحل الوحيد، كما أن تقليص الإنفاق ليس الحل تلقائياً، المطلوب هو تحسين جودة الإنفاق، وإعطاء الأولوية للبرامج ذات الأثر الأكبر، وتقليل الهدر، وربط الموارد بالنتائج، كما ينبغي أن تمتد الحماية إلى قطاعات تتجاوز التحويلات النقدية المباشرة، فالحفاظ على الإنفاق الأساسي في الصحة والتعليم، وتطوير النقل العام، وتحسين البنية الأساسية، وتوسيع فرص العمل، يمكن أن يكون أكثر استدامة من الاعتماد الدائم على المساعدات النقدية.

وفي القطاع الصحي تحديداً، يبرز ضغط الدين باعتباره أحد القيود على الحيز المالي، وقد ناقشت جهات تابعة لمنظومة الصحة العالمية في 2026 استخدام مبادلات الديون مقابل الاستثمار الصحي كإحدى الأدوات الممكنة لتوجيه موارد إضافية إلى الصحة، مع التأكيد على أن هذه الآلية ليست حلاً شاملاً لمشكلة الدين، وأن نجاحها يعتمد على جودة الإدارة والشفافية وتحديد الأولويات الوطنية، وتظهر أهمية هذا الخيار في الحالات التي تستطيع فيها الدولة تحويل جزء من التزاماتها إلى استثمارات محددة في الصحة، لكن لا ينبغي التعامل معه كبديل عن إصلاح المالية العامة أو تعبئة الإيرادات المحلية، فمبادلة الدين قد توفر مساحة مالية محدودة وموجهة، لكنها لا تعالج بمفردها أسباب تراكم الدين أو ضعف القدرة على تمويل الخدمات.

شراكة بشروط.. لا وصفة جاهزة..

تكشف التجارب الإفريقية أن العلاقة مع البنك الدولي وصندوق النقد لا ينبغي أن تقوم على الرفض المطلق أو القبول غير المشروط، فالمؤسسات الدولية توفر تمويلاً وخبرة فنية يمكن أن تكون ضرورية في أوقات الأزمات، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد النموذج الاقتصادي والاجتماعي الأنسب لكل دولة، لأن الاختلافات بين الاقتصادات الإفريقية كبيرة من حيث مستويات الدخل والفقر، وهيكل الإنتاج، وقدرة المؤسسات، وحجم الاقتصاد غير الرسمي، ونظم الحماية الاجتماعية.

كما أن الحكومات الإفريقية نفسها تتحمل مسؤولية أساسية عن نجاح الإصلاح، فضعف الإدارة الضريبية، والتهرب الضريبي، والفساد، وسوء توجيه الإنفاق، وضعف الشفافية، وعدم كفاءة المؤسسات، كلها عوامل تقلل قدرة الدولة على تقديم الخدمات حتى عندما تتوافر الموارد، ولذلك فإن تحميل المؤسسات الدولية وحدها مسؤولية الأزمات المالية الإفريقية يتجاهل جذوراً داخلية مهمة، وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول برامج التمويل إلى إطار يجعل مؤشرات العجز والدين منفصلة عن الأهداف الاجتماعية، فكل إصلاح مالي يجب أن يخضع لتقييم واضح لتأثيره على الأسر محدودة الدخل، وأسعار الغذاء والطاقة، والصحة والتعليم، وسوق العمل، مع وضع آليات للتخفيف من الآثار السلبية قبل تنفيذ الإجراءات الأكثر حساسية.

وتكمن أهمية هذا النهج في أن الإصلاحات لا تعمل في فراغ. فرفع سعر الوقود، على سبيل المثال، لا يؤثر فقط في فاتورة الطاقة، بل يمكن أن يرفع تكلفة النقل والزراعة والتصنيع والتوزيع، ثم ينتقل إلى أسعار السلع الأساسية، وتقليص الإنفاق العام لا يؤثر فقط في بند مالي، بل قد ينعكس على عدد المعلمين والعاملين في الصحة والاستثمارات العامة والخدمات المحلية، ولهذا ينبغي أن تعتمد برامج الإصلاح على التسلسل الزمني المناسب، وأن تتجنب تنفيذ إجراءات متعددة ذات تأثير تضخمي أو اجتماعي في الوقت نفسه عندما تكون الأسر أصلاً تحت ضغط.

كما يجب أن تكون شبكات الحماية الاجتماعية جاهزة قبل رفع أسعار السلع الأساسية أو تقليص الدعم، لا أن تأتي بعد وقوع الضرر، وتبرز هنا أيضاً مسألة الشفافية والمساءلة فالقروض الخارجية ترتبط بالتزامات مالية تمتد لسنوات، ولذلك ينبغي أن تكون شروطها الأساسية، وتكاليفها، وأهدافها، ومراحل تنفيذها، وآليات تقييمها واضحة أمام المؤسسات التشريعية والرأي العام، ولا يعني ذلك رفض التفاوض مع المؤسسات الدولية، بل تعزيز قدرة الدولة على اتخاذ قرارات تستند إلى معلومات واضحة وعلى تقييم آثارها طويلة الأجل، كما أن نجاح أي برنامج يعتمد على قدرة الدولة على استخدام التمويل لتمويل إصلاحات منتجة، وليس فقط لتغطية العجز بصورة متكررة.

فإذا استُخدمت القروض بصورة مستمرة لتمويل النفقات الجارية من دون زيادة الإنتاجية أو توسيع القاعدة الضريبية أو تحسين بيئة الاستثمار، فقد تتراكم الالتزامات من دون معالجة الأسباب الأساسية للأزمة، وفي المقابل، يمكن للتمويل الخارجي أن يحقق قيمة أكبر عندما يوجه إلى البنية الأساسية، والتعليم، والصحة، والقطاعات الإنتاجية، ومشروعات ترفع قدرة الاقتصاد على خلق الوظائف وزيادة الإيرادات مستقبلاً، وهنا يصبح الدين أداة لتمويل النمو بدلاً من أن يكون مجرد وسيلة لتأجيل الأزمة، ويؤكد تقرير صندوق النقد الإقليمي لعام 2026 أهمية الإصلاحات الهيكلية التي ترفع الإنتاجية وتدعم نمو القطاع الخاص وخلق الوظائف، مع التشديد على أن الإصلاحات تحتاج إلى ترتيب مناسب وقدرات مؤسسية و”عقد اجتماعي” أكثر مصداقية.

كما يرى الصندوق أن الإصلاحات الهيكلية الجيدة التصميم يمكن أن ترفع الناتج بصورة ملموسة على المدى المتوسط، لكن نجاحها يعتمد على تنفيذها بصورة متكاملة ومتسلسلة، ومن هنا، فإن التحدي أمام “إفريقيا” لا يتمثل في الاختيار بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية، بل في الجمع بينهما، فالاستدامة المالية شرط ضروري لتمويل الخدمات العامة على المدى الطويل، لكن حماية المواطنين خلال مرحلة الإصلاح شرط أساسي لاستمرار الإصلاح نفسه، كما أن إصلاح الدعم لا ينبغي أن يعني ببساطة رفع الأسعار، وإنما تحويل الموارد من دعم واسع وغير دقيق إلى حماية أكثر استهدافاً، مع الاستثمار في خدمات عامة تقلل كلفة المعيشة وتزيد فرص العمل.

والإصلاح الضريبي لا ينبغي أن يركز فقط على زيادة الإيرادات، وإنما على توسيع القاعدة الضريبية بطريقة عادلة، ومكافحة التهرب، وتحسين الإدارة، وتقليل الأعباء غير الضرورية على النشاط الاقتصادي، أما الحماية الاجتماعية، فينبغي ألا تكون مجرد بند تعويضي داخل برامج الإصلاح، بل جزءاً من تصميم السياسة المالية منذ البداية، فالحماية الفعالة تعني وجود بيانات دقيقة، وسجلات اجتماعية قابلة للتحديث، وقنوات دفع موثوقة، وآليات للاستجابة السريعة للصدمات، وقدرة على الوصول إلى العاملين في الاقتصاد غير الرسمي والمناطق التي يصعب تقديم الخدمات إليها.

وتقدم تجربة “بوركينا فاسو” مثالاً على هذا الاتجاه، إذ يجمع المشروع الجديد بين توسيع الفرص الاقتصادية للأسر الهشة وتقوية نظام الحماية الاجتماعية، بدلاً من حصر التدخل في المساعدات النقدية وحدها، وفي المقابل، تقدم “ناميبيا” درساً مختلفاً: قد تكون الموارد الاجتماعية كبيرة نسبياً، لكن تحسين النتائج يتطلب رفع كفاءة توزيعها واستهدافها، وتقود التجربتان إلى نتيجة واحدة: لا يكفي السؤال عن حجم الإنفاق، بل يجب السؤال عن أثره، ولا يكفي السؤال عن حجم الإصلاح المالي، بل يجب السؤال عن من يتحمل تكلفته ومن يستفيد من نتائجه.

وفي النهاية، تحتاج “إفريقيا” إلى علاقة أكثر توازناً مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تقوم على الاستفادة من التمويل والخبرة دون التعامل مع البرامج باعتبارها وصفات موحدة تصلح لجميع الدول، كما تحتاج الحكومات إلى قدرة أكبر على التفاوض، وشفافية أعلى في عرض شروط التمويل، وربط الإصلاحات المالية بأهداف التنمية البشرية، مع حماية الإنفاق الأساسي في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، ولا يعني ذلك تجاهل ضرورة ضبط الدين أو معالجة العجز.

فاستمرار الاختلالات المالية قد يقود في النهاية إلى أزمة أكثر قسوة من أي برنامج إصلاح، وقد يؤدي التضخم وانهيار العملة وتراجع الثقة وارتفاع تكلفة الاقتراض إلى إلحاق ضرر واسع بالفئات الفقيرة، لكن العكس صحيح أيضاً: إصلاح مالي ينجح في خفض العجز بينما يؤدي إلى تراجع حاد في القدرة على الحصول على الغذاء أو العلاج أو التعليم لا يمكن اعتباره نجاحاً كاملاً، فالاستقرار المالي والاجتماعي ليسا هدفين متعارضين، بل عنصران متكاملان من الاستقرار الاقتصادي، وتصبح هذه الحقيقة أكثر وضوحاً في الاقتصادات التي تملك فيها الأسر هوامش مالية ضيقة.

فارتفاع محدود في أسعار الغذاء أو الوقود يمكن أن يغير ميزانية الأسرة بصورة أكبر بكثير من أثره الظاهر في الحسابات الحكومية، ولذلك يجب أن تكون آثار الإصلاح على الأسر جزءاً أساسياً من عملية اتخاذ القرار، الخلاصة أن الطريق الأكثر واقعية أمام “إفريقيا” ليس رفض المؤسسات المالية الدولية ولا الاعتماد الكامل عليها، وإنما بناء شراكة أكثر توازناً وشفافية، تستخدم التمويل الخارجي كرافعة للإصلاح والتنمية، لا كبديل عن بناء اقتصاد قادر على تمويل نفسه، فالهدف النهائي لا ينبغي أن يكون فقط منع الدولة من التعثر، بل بناء قدرة مالية واقتصادية تسمح لها بتمويل خدماتها بصورة مستدامة، وخلق الوظائف، وحماية مواطنيها من الصدمات، وتحسين رأس المال البشري.

وبذلك يصبح الإصلاح المالي وسيلة لتحقيق التنمية، لا غاية منفصلة عنها؛ ويصبح خفض الدين جزءاً من حماية المستقبل، لا سبباً لتقليص فرص الحاضر؛ وتتحول الحماية الاجتماعية من تكلفة إضافية على الموازنة إلى استثمار في قدرة المجتمع على الصمود، وفي “إفريقيا”، حيث تتداخل الديون مع الفقر والغذاء والطاقة والمناخ وضعف الخدمات، لن يكون الإصلاح ناجحاً إلا إذا تمكن من تحقيق المعادلة الأصعب: استعادة الانضباط المالي من دون نقل كلفة الأزمة إلى الفئات الأضعف، وتحقيق النمو من دون ترك الحماية الاجتماعية خلفه.

اترك تعليقا