تصاعد الكراهية ضد المسلمين يضع بريطانيا أمام اختبار جديد

ملف أوضاع الجالية المسلمة إلى الواجهة

الرائد// أعادت أرقام جديدة عن الكراهية المعادية للمسلمين في لندن ملف أوضاع الجالية المسلمة إلى الواجهة، بعدما أعلنت منظمة «تِل ماما» أن عدد البلاغات التي تلقتها خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 بلغ 1031 حادثة، متجاوزاً بالفعل إجمالي البلاغات التي سجلتها في لندن طوال عام 2023، والذي بلغ 1028 حادثة. ونشرت المنظمة بياناتها في 19 أغسطس الجاري، في مؤشر على استمرار اتجاه تصاعدي بات واضحاً خلال السنوات الأخيرة.

وتظهر الأرقام اتجاهاً لافتاً: فقد سجلت «تِل ماما» 313 بلاغاً في لندن عام 2021، ثم ارتفع العدد إلى 818 في 2022، و1028 في 2023، قبل أن يصل إلى 1909 بلاغات في 2025. وبذلك تجاوز عدد البلاغات المسجلة خلال نصف عام 2026 وحده إجمالي عام 2023، مع أن هذه الأرقام تمثل البلاغات التي وصلت إلى المنظمة وليست حصراً إحصائيات الجرائم التي ثبتت أمام القضاء.

وتقول إيمان عطا، مديرة «تِل ماما»، إن ما يثير القلق ليس الرقم وحده وإنما مسار الارتفاع، مشيرة إلى انتقال العدد من أكثر قليلاً من 300 بلاغ عام 2021 إلى ما يقرب من 1100 خلال النصف الأول من العام الحالي. وأضافت أن تزايد حالات تكرار استهداف الضحايا وارتفاع مستويات الغضب الموجه ضدهم يؤديان إلى إضعاف شعورهم بالأمان، وطالبت باستجابة مؤسساتية حازمة واستراتيجيات أكثر قوة لمواجهة التطرف.

ولا تأتي هذه الأرقام في فراغ سياسي. ففي مايو الماضي شهدت لندن تجمع «اتحدوا المملكة» الذي قاده الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون، واسمه الحقيقي ستيفن ياكسلي لينون، حيث نقلت «سكاي نيوز» عنه قوله إنه سيعمل على «إيقاف الإسلام» إذا أصبح رئيساً للوزراء، ودعا إلى مغادرة عدد من المسلمين البلاد. وتصبح هذه الواقعة ذات دلالة أكبر عندما توضع بجوار أرقام «تِل ماما»، لأنها تقدم مثالاً حقيقياً على انتقال الخطاب المعادي للإسلام من النقاش النظري إلى حشد سياسي في الشارع.

وفي يوليو الماضي أضاف «الصندوق البريطاني للمسلمين» مؤشراً آخر، إذ قال إنه سجل 70 هجوماً استهدف أماكن عبادة إسلامية في المملكة المتحدة خلال 12 شهراً، شملت التخريب والترهيب. وهذه الأرقام ليست بديلاً عن بيانات الشرطة الرسمية، لكنها تكشف أن المشكلة لا تتعلق فقط بإهانات فردية أو مشاحنات على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما تشمل أيضاً مؤسسات دينية ومواقع يستخدمها المسلمون بصورة جماعية.

لكن الصورة لا تقتصر على تصاعد الكراهية. فالشرطة البريطانية تقول إن لديها استجابة أمنية متزايدة لهذه الجرائم. وقال متحدث باسم شرطة العاصمة لندن إن مكافحة جرائم الكراهية، بما فيها الجرائم المعادية للمسلمين، تمثل أولوية، وإن الشرطة زادت خلال الأشهر الاثني عشر الماضية النتائج الإيجابية، بما فيها الاعتقالات وتوجيه الاتهامات في جرائم الكراهية ضد المسلمين، بنسبة 57 بالمئة.

كما أعلن متحدث باسم وزارة الداخلية البريطانية أن المسلمين في أنحاء المملكة المتحدة يواجهون مستويات «مروعة» من جرائم الكراهية الدينية، وقال إن الحكومة توفر في 2026 و2027 تمويلاً يصل إلى 77.4 مليون جنيه إسترليني لبرامج أمن المجتمعات الدينية، بينها ما يصل إلى 40 مليون جنيه لحماية المجتمعات المسلمة.

وهذا الرد الرسمي مهم، لأنه يمنع اختزال المشهد في اتهام الدولة البريطانية بالتقصير المطلق. فهناك أموال مخصصة للحماية، وهناك اعتقالات وملاحقات، وهناك اعتراف رسمي بأن المسلمين يواجهون مشكلة حقيقية. لكن ارتفاع البلاغات في الوقت نفسه يطرح سؤالاً أكثر صعوبة: هل الإجراءات الأمنية تعالج الظاهرة من جذورها، أم أنها تتعامل بصورة أساسية مع نتائجها بعد وقوعها؟

وتبرز هنا واقعة سياسية أخرى حدثت هذا العام. فقد انتقد نيك تيموثي، الوزير في حكومة الظل، صلاة المسلمين في ميدان ترافالغار، ووصفها بأنها «فعل هيمنة»، وفق ما أوردته تصريحات وزيرة المساواة البريطانية بريدجيت فيليبسون. وفي 20 أغسطس 2026 قالت فيليبسون إن العنصرية أصبحت، في رأيها، أكثر تطبيعاً في بريطانيا، واتهمت تيموثي والنائب في حزب الإصلاح روبرت جينريك بإطلاق تصريحات عنصرية.

وهنا يجب التفريق بين الانتقاد السياسي المشروع وبين استهداف المسلمين كجماعة. فمن حق أي سياسي أن يناقش استخدام الفضاء العام في لندن أو تنظيم الفعاليات الدينية، لكن وصف ممارسة دينية سلمية بأنها «هيمنة» يمكن أن يساهم في خلق إطار ينظر إلى الحضور الإسلامي نفسه باعتباره تهديداً، خصوصاً عندما يأتي في مناخ ترتفع فيه بالفعل حوادث الكراهية.

أما روبرت جينريك، فقد تعرض لانتقادات بعد تصريح سابق بشأن زيارة إلى منطقة في برمنغهام قال خلالها إنه لم ير «وجهاً أبيض آخر»، وهي واقعة استخدمتها فيليبسون في انتقادها له. ولم ترد قيادة حزب الإصلاح أو حزب المحافظين على طلبات التعليق على تصريحاتها الأخيرة، وفق التقرير المنشور اليوم.

وفي تطور منفصل نشر اليوم أيضاً، اتهم روان وليامز، رئيس أساقفة كانتربري السابق، زعيم حزب الإصلاح البريطاني نايجل فاراج باستخدام المسيحية لتغذية مشاعر معادية للمسلمين. وقال وليامز في حديث لمجلة «نيو هيومانيست» إن فاراج وآخرين يريدون، في تقديره، توجيه المشاعر المعادية للمسلمين عبر خطاب يركز على أن بريطانيا «مجتمع مسيحي».

لكن أهمية تصريح وليامز لا تكمن في كونه إدانة دينية لليمين البريطاني فحسب، وإنما في أنه يأتي من شخصية دينية بريطانية بارزة تشغل موقعاً سابقاً هو أعلى منصب كنسي في الكنيسة الأنغليكانية. وهو بذلك يقدم اعتراضاً من داخل المجتمع المسيحي نفسه على استخدام الهوية الدينية في الصراع السياسي.

وذكر وليامز أن القلق من الهجرة ومعاداة الإسلام أحد العوامل التي تغذي ما وصفه بالقومية المسيحية، وربط ذلك أيضاً بالبحث السياسي عن «شخص يُلقى عليه اللوم». كما انتقد خطاب تومي روبنسون، متسائلاً عن مدى انسجام الحديث عن المسيحية مع خطاب عام يمكن أن ينتج العداء والعنف.

وتكشف هذه التصريحات المتعددة أن القضية البريطانية الحالية ليست مجرد ارتفاع إحصائي في جرائم الكراهية. هناك صراع سياسي على تعريف الهوية البريطانية نفسها: هل يمكن أن تكون بريطانيا دولة ذات جذور مسيحية وتظل في الوقت نفسه مجتمعاً متعدد الأديان تكون فيه الجالية المسلمة جزءاً أصيلاً من المواطنة؟

هذه المسألة مهمة لأن المسلمين في بريطانيا ليسوا مجتمعاً مؤقتاً أو مجموعة مهاجرين حديثة العهد. فهناك أجيال من البريطانيين المسلمين ولدت وتعلمت وتعمل داخل المؤسسات البريطانية، ويشارك المسلمون في الطب والتعليم والتجارة والجامعات والسياسة والمجتمع المدني. وبالتالي فإن التعامل معهم باعتبارهم جسماً خارجياً لا يعكس الواقع الاجتماعي للبلاد.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يؤدي رفض الإسلاموفوبيا إلى إلغاء النقاش المشروع حول الهجرة أو التطرف أو الأمن. فمن حق الدولة والمجتمع مناقشة عدد المهاجرين وسياسة الحدود والاندماج ومكافحة التطرف، كما من حق السياسيين انتقاد ممارسات دينية أو تنظيم فعاليات عامة. لكن الحد الفاصل يجب أن يكون واضحاً: نقد سياسة أو سلوك محدد شيء، وتصوير المسلمين باعتبارهم جماعة تهدد البلاد شيء آخر.

وتكمن إحدى المشكلات في أن الخطاب السياسي لا يبقى داخل البرلمان. فالأفكار التي تصدر عن شخصيات عامة يمكن أن تنتقل إلى وسائل التواصل الاجتماعي، ثم إلى الشارع، وتتحول في بعض الحالات إلى تحريض أو مضايقات أو اعتداءات.

ومن هنا تأتي أهمية تصريح إيمان عطا حول «تكرار استهداف الضحايا». فإذا كان المسلم الذي تعرض للإهانة أو التهديد يواجه الاعتداء نفسه مرة أخرى، فإن القضية تصبح مشكلة أمن اجتماعي طويلة الأمد، لا حادثة منفردة.

لكن الجالية المسلمة نفسها مطالبة في المقابل بتجنب الانغلاق. فالمواجهة الأكثر فاعلية لا تقتصر على مطالبة الدولة بالحماية، وإنما تشمل تعزيز المشاركة السياسية والمدنية، والتعاون مع المدارس والجامعات والسلطات المحلية، وفتح قنوات الحوار مع الكنائس والجماعات اليهودية وغيرها من المؤسسات الدينية، والعمل على عزل خطاب الكراهية عن المجتمع المسلم نفسه.

كما أن المؤسسات الإسلامية تحتاج إلى تقديم بيانات واضحة وموثقة عن الاعتداءات، حتى لا تختلط الجرائم الحقيقية بالمبالغات أو الادعاءات غير القابلة للتحقق. فالشفافية في توثيق الحوادث تخدم الضحايا وتزيد قدرة الدولة على الاستجابة، كما تحمي القضية من التشكيك.

وفي الاتجاه المقابل، تحتاج الحكومة إلى نشر بيانات رسمية أكثر تفصيلاً عن جرائم الكراهية ضد المسلمين، بما يسمح بمعرفة أماكن وقوعها وأنواعها ونسب الملاحقة القضائية فيها. فارتفاع البلاغات وحده لا يخبرنا ما إذا كانت الشرطة تنجح في الردع، كما أن ارتفاع الاعتقالات وحده لا يخبرنا ما إذا كانت الوقائع تتراجع.

ومن هنا فإن الأرقام الأخيرة يجب أن تُقرأ بحذر. «تِل ماما» تسجل البلاغات التي تصل إليها، بينما الشرطة تسجل الجرائم التي تدخل منظومتها الرسمية. وقد يكون ارتفاع البلاغات ناتجاً جزئياً عن زيادة الوعي بطرق الإبلاغ أو ثقة أكبر بالمنظمة، وليس فقط عن زيادة فعلية في كل أشكال الاعتداء. لكن استمرار الارتفاع عبر عدة سنوات، إلى جانب أحداث سياسية واعتداءات على أماكن العبادة، يجعل من الصعب تجاهل الاتجاه العام.

والخلاصة أن بريطانيا أمام اختبار مزدوج: حماية المسلمين من الكراهية، وفي الوقت نفسه حماية المجال العام لطرح النقاشات المشروعة حول الهجرة والدين والهوية من دون أن تتحول إلى تحريض جماعي.

المؤشرات الحالية لا تثبت أن المجتمع البريطاني أصبح معادياً للمسلمين، لكنها تثبت أن هناك مشكلة متنامية تستحق معالجة جدية. كما أن تصريحات شخصيات مثل إيمان عطا، وصادق خان، وبريدجيت فيليبسون، وروان وليامز تقدم مواقف مختلفة من المشكلة، لكنها تلتقي عند الاعتراف بأن الخطاب العدائي تجاه المسلمين أصبح قضية اجتماعية وسياسية حقيقية.

والتحدي في المرحلة المقبلة سيكون تحويل هذا الاعتراف إلى إجراءات قابلة للقياس: حماية المساجد، محاسبة المعتدين، مكافحة التحريض الرقمي، تحسين تسجيل الجرائم، ومواجهة الخطاب الذي يحول الهوية الدينية إلى أداة للتخويف السياسي.

فإذا نجحت بريطانيا في ذلك، يمكن أن تبقى التعددية الدينية جزءاً من قوتها الاجتماعية. أما إذا استمر ارتفاع الاعتداءات بالتوازي مع تطبيع الخطاب المعادي للمسلمين في المجال السياسي، فقد تصبح المشكلة أكبر من مجرد جرائم كراهية، وتتحول إلى أزمة ثقة بين جزء مهم من المواطنين ومؤسسات الدولة.

المصادر والتواريخ:

منظمة «تِل ماما»، بيانات بلاغات الكراهية المعادية للمسلمين في لندن، 19 أغسطس 2026.

سكاي نيوز، بيانات «تِل ماما» وتصريحات إيمان عطا وشرطة العاصمة ووزارة الداخلية البريطانية، 19 أغسطس 2026.

صحيفة الغارديان، مقابلة روان وليامز حول خطاب نايجل فاراج ومعاداة المسلمين، 20 أغسطس 2026.

صحيفة الغارديان، تصريحات وزيرة المساواة بريدجيت فيليبسون حول تطبيع العنصرية، 20 أغسطس 2026.

اترك تعليقا