أوروبا تحترق..وإذا لم تُفرض عقوبات على حرب ترامب ضد المناخ، فإن الأمور ستزداد سوءًا

مقال في الغارديان البريطانية للكاتب/ ألكسندر هيرست

هل بدأنا نفهم الأمر بعد؟ بينما تحترق أوروبا في الغرب والجنوب والشمال، هل ندرك حقيقة أن اقتصاداتنا، وأنظمتنا الغذائية، واستقرارنا السياسي، وحتى قدرتنا على التخطيط للمستقبل، كلها ستُحرق في عالم مشتعل بالنيران؟

تذوقت “باريس” ما ينتظرنا نحن الأوروبيين عندما اندلع حريق قبل أسابيع في “غابة فونتينبلو”، وهي جنة لممارسة رياضة تسلق الصخور وواحدة من أولى المحميات الطبيعية في العالم، لكن حرائق الغابات التي تهدد حاليًا “بوردو” و”مدريد”، والتي يصفها الخبراء بأنها الأكثر تطرفًا التي شهدتها أوروبا، تبدو كارثية مقارنة بذلك، ففي منطقة “جيروند” المحيطة بمدينة “بوردو”، احترقت عشرات الآلاف من الهكتارات، ما أدى إلى نشوء ما وصفه المسؤول الإداري الأول في المنطقة بـ”عاصفة رعدية من النار” لا يمكن التنبؤ بها، وقد تم إجلاء أكثر من (200 ألف شخص)، في أكبر عمليات إجلاء في “فرنسا” خلال وقت السلم في تاريخها، ولم يكن سوى شجاعة رجال الإطفاء، الذين أصيب العشرات منهم، هو ما أبقى الحرائق على بعد بضعة كيلومترات فقط من مدينة “بوردو” التي يقطنها أكثر من (مليون شخص).

في إسبانيا.. اندمجت عدة حرائق عند أطراف “مدريد”، لتشكل “أكبر حريق في تاريخ إسبانيا”، حيث التهمت أكثر من ثلاثة أضعاف مساحة الهكتارات التي تحترق عادة في شهر يوليو، في وقت تهدد فيه موجة حر أخرى البلاد، ويلقي العلماء باللوم على “التقلبات الجوية الحادة” الناتجة عن تسارع أزمة المناخ، والتي تسببت في اقتراب الحرائق بهذا الشكل من الشوارع والساحات القديمة في “مدريد” و”بوردو”، ومن أقصى الجنوب في “صقلية”، إلى أقصى الشمال في “النرويج”، تبدو القصة متشابهة إلى حد كبير: صيف من الحرارة شبه التي لا تُحتمل انفجر إلى عواصف من اللهب.

وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، حجبت سحب كثيفة من الدخان المتجهة جنوبًا من الحرائق التي اجتاحت 270 مليون هكتار من الغابات الشمالية في “كندا”، مرة أخرى، السماء في مدن بالولايات المتحدة، وقد رد بعض السياسيين المرتبطين بحركة “ماغا” ليس بعروض للمساعدة في مكافحة الحرائق، كما أرسلت “كندا” باستمرار إلى الولايات الأميركية المحتاجة، بل باقتراح فرض عقوبات على كندا أو فرض رسوم جمركية عليها، وكأن المشكلة، بالنسبة لعقول حجبتها أفكارها قبل أن تُحجب السماء بالدخان، هي عدم كفاية “تنظيف الغابات من الأغصان”.

إن كارثة بهذا الحجم ستصبح بالضرورة موضوعًا للتسييس، فقد أدان رئيس الوزراء الإسباني “بيدرو سانشيز” المعلومات المضللة ونظريات المؤامرة المحيطة بالحرائق؛ بينما انتقدت شخصيات من المعارضة الفرنسية الحكومة بسبب تأخرها في شراء طائرتين إضافيتين من طراز “كنداير” لمكافحة الحرائق، في حين تتهم الحكومة المعارضة باستغلال المأساة لتحقيق مكاسب سياسية، لكن لماذا ينبغي أن يتوقف تبادل اللوم عند الحدود، بينما الكربون الذي أطلقناه جميعًا يطفو في غلافنا الجوي المشترك؟

ولاقتباس عبارة من رواية “مزرعة الحيوانات”، نحن جميعًا مسؤولون، لكن بعضنا أكثر مسؤولية من الآخرين، وفي هذه الحالة، فإن الولايات المتحدة هي الطرف الأكثر مسؤولية مقارنة بالجميع: فقد أطلقت أكثر من خُمس إجمالي الانبعاثات التاريخية، ولا تزال بفارق كبير صاحبة أعلى انبعاثات للفرد بين الدول الكبرى، إلى جانب السعودية، وللإنصاف، فإن “كندا” ليست بعيدة عنها، كما تستحق دول الخليج الأصغر مثل “قطر” ذكرًا خاصًا من العار.

كان من الممكن أن يكون الأمر مختلفًا لو أن الولايات المتحدة كانت مذنبة بسبب انبعاثاتها التاريخية، لكنها تبذل جهودًا متضافرة للتغيير، فـ”الصين”، رغم انبعاثاتها الإشكالية هي الأخرى، تعمل على تعزيز نمو هائل في الطاقة المتجددة، وأصبحت نتيجة لذلك تهيمن على الصناعات الخضراء في العالم، أما الولايات المتحدة، فقد كانت في معظم الأوقات مترددة أو أسوأ من ذلك، بشأن هذه الأزمة، فقد أخفت شركات الوقود الأحفوري والطاقة والسيارات الأميركية الأدلة وعرقلت التحرك لعقود، بينما قوضت الحكومة الأميركية وانسحبت من بروتوكول “كيوتو” في عهد “جورج دبليو بوش’، وروّجت لازدهار استخراج النفط والغاز الصخري في عهد “باراك أوباما”، وانسحبت من اتفاقية باريس للمناخ خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب.

لقد تجاوزت الولايات المتحدة خلال فترة ترامب الثانية في البيت الأبيض مرحلة التردد إلى درجة يمكن وصفها فقط بأنها تشن حربًا بيئية، فالشعار الذكوري “احفر يا صغيري، احفر” أصبح يوجه إدارة تعتبر أن أدنى قدر من الاهتمام بالأرض هو أمر “استيقاظي” (woke) أكثر من اللازم، فالسياسات الخضراء لا يتم تفكيكها فحسب، بل يجري السعي إلى زيادة استخدام الوقود الأحفوري بحماس شديد، مثل هذا الصراع يضع الولايات المتحدة فعليًا في مواجهة بقية العالم، لذا، فلنأخذ أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب من حركة “ماغا” على محمل الجد: بينما تمتلئ السماء بالدخان وتتحول الغابات إلى رماد، ألا ينبغي أن تُجبر الولايات المتحدة، الطرف الأكثر ذنبًا بين المذنبين، على دفع الثمن؟

وكما ذكرت صحيفة الغارديان مؤخرًا، فإن الدول التي تتحمل كل منها مسؤولية أقل من 2% من الانبعاثات العالمية تمثل، رغم ذلك، أكبر مجموعة من حيث العدد، وهي مسؤولة مجتمعة عن 33% من انبعاثات العالم، لا توجد دولة واحدة يمكنها معالجة الكارثة الجارية بمفردها؛ لكن لا يوجد حل جماعي من دون أن تقوم كل دولة على حدة بخفض انبعاثاتها.

وعندما يتعلق الأمر بأوروبا، فهناك أمر إضافي مهم يمكننا القيام به: استخدام قوة السوق الموحدة لإجبار أسوأ مسبب بيئي في العالم على تغيير مساره، أو على الأقل دفعه للمساهمة في تمويل الجهود العالمية للتكيف مع أزمة المناخ.

وعلى مدار معظم العام الماضي، كانت الصناعة الأوروبية والأحزاب اليمينية في أوروبا تضغط من أجل التراجع عن اللوائح أو إبطاء تطبيقها، معتقدين أن الطريقة للحفاظ على القدرة التنافسية الاقتصادية هي الدخول في سباق مع أميركا ترامب نحو القاع، وهذا ليس صحيحًا، إنه طريق نحو الهلاك الاقتصادي، إلى مستقبل يصبح فيه كل شيء غير قابل للتأمين، وتفشل فيه المحاصيل على نطاق واسع، ويتحول مئات الآلاف من الأشخاص الذين تم إجلاؤهم إلى ملايين من اللاجئين المناخيين داخل بلدانهم، وحيث يدفع اجتماع هذه الكوارث المالية العامة إلى نقطة الانهيار.

 

المصادر : الغارديان البريطانية

اترك تعليقا