أن تكون “كامل الوزير” الرجل الذي “نَحَلَ وَبَرَنا”.. وحوّل أحلامنا إلى “إيبسيبول”
د. أيمن منصور ندا، يكتب:
- mabdo
- 20 سبتمبر، 2026
- مقالات وتحليلات
- ايمن منصور ندا, كامل الوزير
في الإنجليزية هناك Possible؛ الممكن الذي تسمح به الحسابات، وImpossible؛ المستحيل الذي تمنعه.. ثم جاء كامل الوزير، وأضاف إلى قاموسنا احتمالاً ثالثاً: Ipossible، أو “إيبسيبول”! كلمة مكسورة لغوياً، لكنها سليمة سياسياً؛ فـ”الإيبسيبول” هو ما لم نعرف بعد هل هو ممكن أم مستحيل، لكنَّ القرار صدر بتنفيذه، والموعد تحدد للانتهاء منه، والمعدات تحركت لبدء العمل فيه! هي كلمة تعبر عن “عقلية المهمة”: القرار أولاً، والتفسير لاحقاً؛ التنفيذ أسرع من النقاش، واليقين أعلى من الشك.. في هذه المدرسة، لا يُستَشار الواقع ؛ يُبلَّغ بموعد التسليم.. ولا تُلغى دراسات الجدوى؛ فقط تصل متأخرة لتتعرف على المشروع بعد تنفيذه.. ليست “إيبسيبول” سقطة إنجليزية، أو غلطة لغوية؛ إنها تقريباً نظرية حكم في كلمة: الإرادة أولاً، والواقع يتصرف..
دخل كامل الوزير الذاكرة العامة على نداء «يا كاااامل».. وكان أقرب إلى “افتح يا سمسم”: مشروع تأخر؟ يا كاااامل.. موعد بعيد؟ يا كاااامل.. كارثة تحتاج إلى التدخل السريع؟ يا كاااامل.. ولم يكن “يا كاااامل” مجرد نداء لإنجاز مهمة؛ كان علامة على درجة استثنائية من الثقة.. يكفي أن نتذكر العبارة: “وحياة دموعك يا كامل”.. ومن يدخل المشهد محمولاً على هذا القدر من الثقة، لا يدخل الوزارة كأي وزير آخر.. صار حلاً قبل أن يصبح وزيراً.. ثم بدأ الفخ: كلما عجزت المؤسسة استدعيناه، وكلما نجح ازددنا اقتناعاً بأن المشكلة كانت في غيابه.. كان كل نجاح شهادة كفاءة للرجل، وشهادة عجز مؤجلة للمؤسسة.. وهذه العقلية تفسر جانباً من نجاحه؛ وهي عقلية فعالة حين تكون المشكلة محددة والسلطة متاحة.. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول كفاءته في حل المشكلات إلى حجة لتوسيع مساحة المشكلات التي يتولاها.. يختصر الرجل القوي الطريق، ولكنه في أحيان كثيرة يقزِّم معه المؤسسة..
لم يدخل “كامل” وزارة النقل كوزير يحمل مطالب الوزارة إلى الدولة؛ دخلها تقريباً والدولة تحمل مطالبها إليه..(أتته الوزراة منقادة إليه تجرجر أذيالها) دخلها بفكرة الرجل المنقذ، والوزير الضرورة، والقائد المُستدعَى.. غيره يدخل الغرفة ليطلب من السلطة؛ وكامل يدخلها ومعه السلطة نفسها.. وهنا يصبح النفوذ نفسه مورداً من موارد الوزارة؛ بنداً غير مكتوب في موازنتها.. في عهد “هشام عرفات” كان احتياج السكك الحديدية نحو عشرة مليارات جنيه لوقف التدهور، بينما كان الإنفاق الفعلي أقل كثيراً؛ ثم جاء كامل فاتسع معنى “المتاح” على البحري، واتسعت المشروعات والتمويلات والقروض.. في الأحوال العادية، يطلب الوزير (المدني) فيُسأل: أنت دارس الكلام ده؟! وكامل يطلب فيُسأل: متى ننتهي؟!
لكن أن تملك سلطة القرار والنفوذ شيء، وأن تملك حِسَّ السياسي ومرونته شيء آخر.. وهنا يحمل اسم الرجل نفسه مفارقة: “كامل الوزير” حين أصبح وزيراً لم يكن له من “الوزير” السياسي نصيب كامل؛ فالوزير رجل إدارة وسياسة؛ يعرف أن القرار شيء وشرح القرار شيء آخر، أما كامل فأقوى حين ينفذ، وأضعف حين يشرح؛ يتكلم أحياناً كقائد مع جنوده، لا كسياسي يزن أثر كل كلمة في جمهور واسع.. يعرف كامل “المدير” ماذا يريد من رجاله؛ أما كامل “الوزير” فلا يعرف دائماً ماذا ستفعل كلماته بالناس.. وربما كان صمته سيحفظ له من الهالة أكثر مما حفظته تصريحاته.. وأنا أستمع إليه أجدني دائماً أقول: ليته سكت..
وعند كامل تتجمع ملامح منطق الإدارة العسكرية حين ينتقل إلى المجال المدني: المهمة بعد التكليف تُنفذ ولا تُناقش؛ ووحدة الأمر أهم من تعدد الآراء؛ والسرعة دليل كفاءة، بينما يبدو البطء تقصيراً.. وهي قواعد فعالة في الثكنة والموقع، حيث الهدف محدد وسلسلة القيادة واضحة؛ لكنها تصبح أكثر إرباكاً في إدارة الدولة، حيث بعض البطء رقابة، وبعض الاعتراض حماية، وبعض التراجع حكمة..
وهذا المنطق لا يبقى فكرة نظرية؛ يظهر عند كامل في إدارة الرجال كما يظهر في إدارة المشكلات.. مع كامل، الإدارة نشاط بدني، والوزارة لياقة: نوم أقل، جولات أكثر، أعصاب مشدودة، وكاميرا جاهزة.. بعد حادث قطاري سوهاج قال لعمال السكة الحديد: “مفيش نوم من النهاردة”؛ وفي جولة أخرى قال لمهندس أخطأ: “امشي خالص من قدامي”، ثم شرح: “أنا بعلمك”، وأنه يتعامل “بمنطق الأب وأبنائه”.. وحين يصبح الوزير أباً، يصبح الاعتراض عقوقاً؛ وحين لا ينام القائد يصبح النوم نفسه شبهةً في جنود الوزارة؛ وفي الإدارة بالخوف تصبح “تمام يا فندم” أحياناً أدق من الحقيقة وأأمن منها.. وفي إدارة المشكلات جاءت واقعة “الماستر” كاريكاتيراً صغيراً للمدرسة نفسها: مهندسة متفوقة؛ الحل جاهز: نرسلها للحصول على ماجستير.. “أنا معايا ماستر”: ممتاز؛ نرسلك لتحصلي على ماجستير! عند كامل، تصل الإجابة أحياناً قبل أن ينتهي السؤال.. سرعة الحل جزء من كفاءته؛ حتى لو سبق الحل أحياناً اكتمال تعريف المشكلة.. المهم أن يتحرك اللودر، ويبدأ البلدوزر؛ أما السؤال فيمكنه أن يصل إلى الموقع متأخراً، وبراحته!
ولا تتوقف عقلية الموقع عند هذه المعدات الخشنة؛ حتى الدولار دخل الورشة: “إحنا هنصنع الدولار”.. والمقصود مفهوم: ننتج ونصدر ونقلل الاستيراد؛ لكن العبارة أدخلت الاقتصاد الكلي نفسه إلى جدول التنفيذ.. ينقص الدولار؟ نزود الوردية.. غير أن الاقتصاد، للأسف الشديد، موظف مدني سيئ الانضباط؛ تحركه الثقة والفائدة والاستثمار والتوقعات وأشياء لا ترتدي خوذة.. والأطرف أن كامل قال: “إحنا أحسن ناس ننشئ، لكن لسنا أحسن ناس ندير”؛ كأنه لخّص مأزق المدرسة بنفسه: نحب ما يمكن افتتاحه أكثر مما نحب ما يجب إدارته.. فالإنشاء له يوم افتتاح محدد وينتهي الأمر؛ أما الإدارة فهي اختبار يومي مستمر.. وهنا يظهر “اليقين الأسفلتي”: عقل الموقع يحب ما يمكن حسابه؛ كيلومتر، كوبري، مصنع، قطار، نسبة تنفيذ.. أما الثقة والتعليم والمؤسسات والسياسة فمواد مزعجة: لا تُصب، ولا تُرصف، ولا يمكن تصويرها من طائرة يوم الافتتاح.. وحسب هذه العقلية، فإن ما لا يدخل جدول التنفيذ يخرج من تعريف الإنجاز..
ثم دار الزمن دورته.. “يا كاااامل” التي كانت اختصاراً للثقة والإنجاز بدأت تجاور كلمات أخرى: حوادث متكررة، قروض، ديون، مسؤولية، واتهامات بعنف غير مبرر في التعامل مع المرؤوسين، وبمشروعات غير ضرورية وغير عاجلة، وسؤال عن الرحيل! وهذه ضريبة شخصنة الإنجاز: ومن يشخصن المجد يشخصن الحساب.. بعد حادث سوهاج قال كامل: “أنا بعتذر عن الحادث.. لكن أنا مش هطلع أسوق القطار”! هنا تظهر مفارقة تأميم الإنجاز وخصخصة الخطأ: لا يكون المشروع ابن الرجل ساعة الافتتاح، ثم يتيماً ساعة الحادث.. أما سؤال الرحيل، فقد أعطانا كامل بنفسه مفتاحه: “أنا مهندس مقاتل”، و قال إن الاستقالة ليست الحل لأنه لم يتعود الهرب، وعاد لاحقاً إلى “روح المقاتل” وإلى عبارة “أنا فيها لحد ما أموت، وقاعد على قلبكم”، في سياق تأكيد استمرار العمل حتى لو لم يكن وزيراً.. في هذا القاموس العسكري تصبح الاستقالة انسحاباً، والانسحاب هزيمة.. لكن في قاموس السياسة قد يكون البقاء نفسه هو الخطأ.. وليست المشكلة في روح المقاتل؛ المشكلة حين يتحول مكتب الوزير إلى خندق، والكرسي إلى موقع يجب الدفاع عنه..
والدولة نفسها بدت، لسنوات، كأنها تقيس نجاح كامل بمساحة الخريطة التي تضعها تحت يده.. لم يكن النجاح يرفع رصيد الرجل فقط؛ كان يوسّع حدود وظيفته.. بدأ وزيراً للنقل، ثم صار نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للصناعة والنقل معاً؛ حتى جرى تداول لقب أكثر ملاءمة للمرحلة: “كامل الوزيرين”.. لم يعد الرجل صاحب حقيبة؛ بدا كأنه حقيبة حكومية كاملة تتحرك على قدمين، ووصل اسمه، في التكهنات، إلى رئاسة الوزراء نفسها.. ثم جاء تعديل 2026 بالمفارقة العكسية: خرجت الصناعة، واختفت صفة نائب رئيس الوزراء، وعاد “كامل الوزيرين” إلى كامل الوزير من جديد.. الرجل الذي ظل اسمه يكبر مع اتساع سلطاته، استيقظ ذات تعديل وزاري فوجد اسمه وقد عاد إلى المفرد.. والسؤال ليس لماذا نقصت مناصبه؛ بل ماذا تقول الرحلة نفسها: هل كان اتساع كامل دليلاً على قوة الرجل، أم على أن الدولة بالغت في الرهان على فكرة أن الرجل الواحد يمكن أن يكون أكثر من مؤسسة؟
لا نعرف كيف تنتهي حكاية كامل الوزير؛ فالتاريخ ليس عرّافاً، لكنه يحتفظ بنسخ قديمة من الفيلم.. ولحسن الحظ أننا شاهدناه أكثر من مرة سابقاً.. في سيول كان “كيم هيون أوك”، “عمدة البلدوزر”، الذي حوّل العاصمة إلى ورشة بناء قبل أن يترك منصبه بعد كارثة إسكانية.. وفي البرازيل كان “ماريو أندريازا”، الوزير العسكري المرتبط بالمشروعات العملاقة واتساع الإنفاق، ثم خسر معركة خلافة الحكم.. وفي باريس أعاد “هوسمان” رسم المدينة، ثم أصبحت نفقاته وتمويلاته قضية سياسية وانتهى إلى الإقالة.. وفي نيويورك ظل “روبرت موسيز” لعقود “الرجل الذي ينجز”، قبل أن يتآكل نفوذه وتُنتزع منه أدوات سلطته.. تختلف البلاد والأسماء، لكن المفارقة واحدة تقريباً: الرجل الاستثنائي يصعد لأن النظام يريد شخصاً يتجاوز العوائق؛ ثم تبدأ مشكلته حين يتبين أن بعض تلك العوائق كانت تسمى رقابةً، وموازنةً، ومؤسسةً، ورأياً آخر.. والوزير البلدوزر لا يفرّق دائماً بين حائط يسد الطريق وحائط يحمل السقف!
نعود إلى الكلمتين اللتين تلخصان الرحلة: “إيبسيبول” و”نحلت وبرنا”: الأولى كلمة الحلم، والثانية كلمة الفاتورة.. بدأت الحكاية بإرادة تطلب من الواقع أن يطيع؛ وانتهت بواقع يطلب من الإرادة أن تدفع الحساب.. والسؤال الذي كان يوماً “أين كامل؟” أصبح: “متى يرحل؟”.. أما قاموس كامل نفسه فجاهز: المقاتل لا يهرب.. وبعد أن جعل مستحيلات كثيرة ممكنة، بقي مستحيل واحد: أن يقتنع المقاتل بأن مغادرة الموقع قد تكون، أحياناً، آخر بند في إنجاز المهمة.. يا كااااامل!