بعد حرب إيران.. هل يفقد “هرمز” هيمنته على تجارة الطاقة؟

سباق صامت لإعادة رسم خريطة صادرات الطاقة العالمية

مع تصاعد التوترات العسكرية والتهديدات المتكررة بإغلاق «مضيق هرمز»، عاد أمن إمدادات الطاقة العالمية إلى واجهة المشهد، فالممر البحري الذي تعبره يوميًا نحو (20 مليون برميل من النفط) وحصة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، يمثل شريانًا لا يمكن للاقتصاد العالمي الاستغناء عنه بسهولة، ورغم استثمارات ضخمة نفذتها “دول الخليج” خلال العقود الماضية لتقليل اعتمادها على المضيق، فإن السؤال هنا..هل البدائل المتاحة لا تزال محدودة النطاق والفعالية، أم أنها ستلغي هيمنة المضيق على تجارة هي الأهم على سطح هذا الكوكب؟..

بدائل تتسع.. لكن بقدرات محدودة..

وسعت “دول الخليج” استثماراتها في إنشاء مسارات بديلة لتقليل اعتمادها على «مضيق هرمز»، ويأتي في مقدمة هذه المشاريع (خط أنابيب النفط السعودي) “شرق-غرب”، الذي ينقل الخام من حقول النفط العملاقة في (المنطقة الشرقية بالسعودية)، عبر مسافة تتجاوز (1200 كيلومتر) وصولًا إلى “ميناء ينبع” على “ساحل البحر الأحمر”، حيث يمكن تصديره إلى الأسواق العالمية من دون المرور بـ”الخليج” و”مضيق هرمز”.

كما طورت “الإمارات” خط أنابيب أبوظبي للنفط الخام، الذي ينقل النفط من “حقول حبشان في إمارة أبوظبي” إلى “ميناء الفجيرة على خليج عُمان”، في مسار يتيح شحن الخام إلى الأسواق الدولية بعيدًا عن المضيق، أما “إيران”.. فأنشأت خط أنابيب (غُوره-جاسك)، الذي يبدأ من منطقة “غُوره” في “محافظة بوشهر” قرب “الخليج العربي’ ويمتد نحو (1000 كيلومتر) إلى محطة التصدير في “جاسك” على “ساحل خليج عُمان”، بهدف نقل “النفط الإيراني” مباشرة إلى خارج نطاق «مضيق هرمز».

كما تبحث دول المنطقة عن خيارات إضافية، من بينها خط “كركوك-جيهان” الذي ينقل النفط من (حقول كركوك شمال العراق) إلى (ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط)، وخط “كركوك-بانياس” الذي يربط (حقول كركوك بالساحل السوري عبر ميناء بانياس)، إضافة إلى مشروع “البصرة-العقبة” المقترح لنقل النفط من (جنوب العراق) إلى (ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر)، بما يوفر مسارات تصدير بديلة بعيدًا عن “الخليج” و”مضيق هرمز”، إلى جانب مقترحات لربط “الخليج’ بـ”تركيا” عبر شبكة أنابيب إقليمية..

ورغم هذه الاستثمارات، تشير تقديرات “وكالة الطاقة الدولية”، إلى أن جميع المسارات البديلة مجتمعة لا تستطيع تحويل أكثر من (3.5 إلى 5.5 مليون برميل يوميًا)، مقارنة بنحو (20 مليون برميل) تمر عبر “هرمز”، كما تواجه هذه الخطوط تحديات تشغيلية وأمنية، بعدما تعرض بعضها لهجمات أوقفت الإمدادات مؤقتًا، ما يؤكد أن البنية الحالية غير قادرة على تعويض المضيق إذا توقف بالكامل.

المخاطر تنتقل.. ولا تختفي..

لا تقتصر العقبات على محدودية الطاقة الاستيعابية، بل تمتد إلى الجغرافيا السياسية، فالمشاريع المقترحة تمر عبر مناطق تعاني اضطرابات أمنية، مثل “العراق” و”سوريا”، بينما يظل “البحر الأحمر” و”قناة السويس” عرضة لمخاطر الهجمات على الملاحة، رغم الدور الذي يؤديه خط “سوميد” المصري في نقل النفط إلى “أوروبا”.

ويرى خبراء أن تنويع طرق التصدير سيقلل تدريجيًا من الاعتماد على «مضيق هرمز»، لكنه لن يلغي أهميته في المستقبل المنظور، فبدلًا من التخلص من المخاطر، قد تنقل المسارات الجديدة النفوذ إلى دول عبور أخرى، مثل “تركيا”، مع استمرار تهديدات الجماعات المسلحة وعدم الاستقرار الإقليمي.

وبينما تتسابق “دول الخليج” لتوسيع خياراتها اللوجستية، يبقى «مضيق هرمز» حتى الآن العقدة الأكثر حساسية في “تجارة الطاقة العالمية”، ما يجعل أي تصعيد عسكري أو سياسي في محيطه قادرًا على إرباك أسواق النفط والغاز حول العالم في وقت قصير.

اترك تعليقا