التعليم في السودان.. معركة إنقاذ جيل ومستقبل دولة
بعدما أصبح القطاع من أبرز ضحايا الصراع الممتد
- السيد التيجاني
- 28 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- الامم المتحدة, التعليم, السودان, ضحايا الصراع
يشكل التعليم في السودان أحد أكثر الملفات إلحاحًا في عام 2026، بعدما أصبح القطاع من أبرز ضحايا الصراع الممتد الذي ألقى بظلاله على مختلف جوانب الحياة. فالحرب لم تقتصر آثارها على الدمار المادي والخسائر البشرية، بل امتدت إلى المؤسسات التعليمية، حيث أغلقت آلاف المدارس، وتوقفت الدراسة في مناطق واسعة، واضطر ملايين الأطفال والشباب إلى الانقطاع عن التعليم في وقت يمثل فيه بناء الإنسان الركيزة الأساسية لأي عملية تنمية أو إعادة إعمار.
وتشير تقديرات منظمات الأمم المتحدة إلى أن السودان يواجه واحدة من أكبر أزمات التعليم في إفريقيا، إذ يعيش ملايين الأطفال خارج الفصول الدراسية بسبب النزوح، وانعدام الأمن، وتضرر المدارس، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي دفعت كثيرًا من الأسر إلى إعطاء الأولوية لتوفير الاحتياجات الأساسية على حساب استمرار تعليم أبنائها.
الحرب وتفكيك المنظومة التعليمية
أدت المواجهات المسلحة إلى تدمير أو إغلاق عدد كبير من المؤسسات التعليمية، فيما تحولت بعض المدارس إلى مراكز لإيواء النازحين أو أصبحت غير صالحة للاستخدام نتيجة الأضرار المباشرة أو نقص الخدمات الأساسية. كما اضطر آلاف المعلمين إلى النزوح أو ترك وظائفهم، ما تسبب في نقص حاد في الكوادر التعليمية داخل عدد من الولايات.
وتوضح منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن التعليم في حالات النزاع لا يقتصر على اكتساب المعرفة، بل يمثل وسيلة لحماية الأطفال من مخاطر الاستغلال والتجنيد والعنف، كما يوفر لهم مساحة آمنة تساعدهم على تجاوز الصدمات النفسية التي تفرضها الحروب.
ويرى مختصون أن استمرار إغلاق المدارس لفترات طويلة يهدد بظهور ما يعرف بـ”الجيل الضائع”، وهو جيل يفقد فرص التعلم والتأهيل، الأمر الذي ينعكس لاحقًا على الاقتصاد وسوق العمل والاستقرار الاجتماعي.
تحديات سبقت الحرب
لم تبدأ أزمة التعليم مع اندلاع الصراع الأخير، إذ كان السودان يواجه منذ سنوات تحديات هيكلية عميقة، من بينها ضعف الإنفاق الحكومي على التعليم، ونقص المدارس في المناطق الريفية، وتفاوت جودة الخدمات التعليمية بين الولايات، إضافة إلى تدني أجور المعلمين وغياب برامج التطوير المهني المستمرة.
كما عانت الجامعات السودانية من نقص التمويل، وهجرة الكفاءات الأكاديمية، وتراجع الإنفاق على البحث العلمي، وهو ما انعكس على جودة التعليم العالي وقدرته على مواكبة التطورات العالمية.
ويرى خبراء أن الحرب جاءت لتفاقم هذه الأزمات، بعدما توقفت مشاريع التطوير، وتعطلت الخطط الإصلاحية، وازداد الضغط على المؤسسات التعليمية المحدودة التي ما زالت تعمل.
النزوح وانقطاع الدراسة
تسببت موجات النزوح الداخلي واللجوء إلى دول الجوار في حرمان أعداد كبيرة من الأطفال من مواصلة تعليمهم، إذ تجد الأسر نفسها أمام تحديات تتعلق بتوفير الغذاء والمأوى والرعاية الصحية، بينما يتراجع التعليم إلى مرتبة متأخرة ضمن الأولويات.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الأطفال النازحين يواجهون صعوبات كبيرة في الالتحاق بالمدارس بسبب نقص المقاعد الدراسية، أو اختلاف المناهج، أو عدم امتلاك الوثائق التعليمية، فضلًا عن الضغوط النفسية الناتجة عن فقدان المنازل والأقارب.
ويحذر مختصون من أن الانقطاع الطويل عن الدراسة يزيد من معدلات التسرب، ويرفع احتمالات عمالة الأطفال والزواج المبكر، خاصة في البيئات التي تعاني من الفقر وانعدام الاستقرار.
التعليم باعتباره استثمارًا في السلام
يرى البنك الدولي أن الاستثمار في التعليم خلال الأزمات يمثل أحد أهم أدوات بناء السلام، لأن التعليم يعزز فرص العمل، ويقلل من الفقر، ويسهم في الحد من النزاعات على المدى البعيد.
كما تؤكد منظمة اليونسكو أن إعادة بناء المدارس يجب أن تترافق مع إعادة بناء الثقة داخل المجتمع، من خلال توفير بيئة تعليمية آمنة، وتدريب المعلمين على التعامل مع الأطفال المتأثرين بالحرب، وتطوير المناهج بما يعزز قيم المواطنة والتسامح والتعايش.
ويؤكد خبراء التنمية أن أي عملية إعادة إعمار لن تحقق أهدافها إذا لم يكن التعليم في مقدمة الأولويات، لأن إعادة بناء المباني دون إعادة تأهيل الإنسان لن تحقق تنمية مستدامة.
مبادرات محلية ودولية
رغم التحديات، تعمل منظمات محلية ودولية على تنفيذ برامج للتعليم في حالات الطوارئ، تشمل إنشاء فصول مؤقتة داخل مخيمات النزوح، وتوزيع الكتب والحقائب المدرسية، وتقديم الدعم النفسي للأطفال، إضافة إلى تدريب المعلمين على إدارة العملية التعليمية في الظروف الاستثنائية.
كما بدأت بعض المبادرات في استخدام التعليم الرقمي والمنصات الإلكترونية لتعويض جزء من الفاقد التعليمي، إلا أن هذه الجهود تواجه عقبات كبيرة بسبب ضعف خدمات الكهرباء والإنترنت، وغياب الأجهزة الإلكترونية لدى معظم الأسر.
ويرى مراقبون أن هذه المبادرات، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلًا دائمًا عن العودة إلى التعليم النظامي، بل تمثل حلولًا مؤقتة إلى حين استقرار الأوضاع الأمنية.
الجامعات بين التوقف والهجرة
تعرض قطاع التعليم العالي بدوره لتحديات غير مسبوقة، إذ توقفت الدراسة في عدد من الجامعات، بينما انتقلت جامعات أخرى إلى ولايات أكثر استقرارًا أو اعتمدت التعليم الإلكتروني بصورة جزئية.
وأدت هذه الظروف إلى تسارع هجرة الأساتذة والباحثين إلى الخارج، وهو ما يهدد بفقدان الخبرات الأكاديمية التي يحتاجها السودان في مرحلة إعادة الإعمار.
كما يواجه الطلاب الجامعيون صعوبات في استكمال دراستهم بسبب النزوح، وارتفاع تكاليف المعيشة، وانقطاع مصادر الدخل، الأمر الذي دفع كثيرين إلى تأجيل الدراسة أو تركها بشكل كامل.
رؤية لإعادة بناء القطاع
يرى متخصصون أن إصلاح التعليم في السودان يتطلب خطة وطنية طويلة الأجل تشمل إعادة تأهيل المدارس المتضررة، وتطوير المناهج، وتحسين أوضاع المعلمين، وزيادة الإنفاق على التعليم، مع توسيع التعليم التقني والمهني لتلبية احتياجات سوق العمل.
كما يدعو خبراء إلى تعزيز الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والمنظمات الدولية، وتوسيع استخدام التكنولوجيا في التعليم، مع ضمان وصول الخدمات التعليمية إلى المناطق الريفية والنائية بصورة عادلة.
ويؤكد الباحثون أن نجاح هذه الخطط يعتمد بدرجة كبيرة على تحقيق الاستقرار السياسي والأمني، لأن استمرار الصراع سيؤدي إلى إطالة أمد الأزمة وتعميق آثارها.
مستقبل السودان يبدأ من المدرسة
تجمع المؤسسات الدولية على أن التعليم ليس مجرد خدمة اجتماعية، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل الدول. وفي السودان، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، إذ يرتبط مستقبل التنمية والاقتصاد والسلام بقدرة الدولة على إعادة الأطفال والشباب إلى مقاعد الدراسة.
ويشير خبراء إلى أن بناء المدارس وإعادة الجامعات إلى العمل يمثلان خطوة أساسية نحو استعادة الحياة الطبيعية، لكن النجاح الحقيقي يكمن في بناء منظومة تعليمية أكثر عدالة ومرونة، قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.
وفي ظل استمرار التحديات، يبقى التعليم أحد أهم مفاتيح إنقاذ السودان من آثار الحرب، ليس فقط لأنه يمنح الأجيال الجديدة المعرفة، بل لأنه يعيد بناء الإنسان، ويعزز التماسك المجتمعي، ويؤسس لدولة أكثر استقرارًا وقدرة على النهوض بعد سنوات من الصراع.
المصادر: منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، البنك الدولي، الأمم المتحدة، ودراسات أكاديمية متخصصة في التعليم والتنمية وإعادة الإعمار في السودان.