موت ليندسي جراهام في الصحافة الصهيونية
هاني الكنيسي يكتب
- dr-naga
- 16 يوليو، 2026
- مقالات وتحليلات
- "التطبيع الإبراهيمي", إرث السيناتور الأمريكي, إسرائيل, الخليج, الصحافة الصهيونية, عرّاب صفقات, ليندسي جراهام
عن إرث السيناتور الأمريكي: “أعز أصدقاء” إسرائيل، وعرّاب صفقات “التطبيع الإبراهيمي” مع الخليج
بنبرة حزن أقرب للشعور بالصدمة، تناولت الصحافة العبرية نبأ وفاة السيناتور الجمهوري ‘ليندساي غراهام’ Lindsey Graham الذي طالما اعتادت أن تصفه بأنه “الصديق الذي يمكن الاتصال به في أي وقت”.
وبينما نعى الساسة الإسرائيليون صديقهم الأمريكي، وعلى رأسهم رئيس الوزراء النتنياهو الذي قال: “فقدت إسرائيل أحد أعظم أصدقائها وفقدت أنا صديقاً عزيزاً”، احتفل الإعلام الإيراني الرسمي بوفاة السيناتور الذي كان على قائمة “المطلوبين للانتقام”، ناعتةً إياه بـ”قاتل الأطفال”، وناقلةً عن أحد المسؤولين قوله: “ذهب إلى الجحيم وبئس المصير”.
أما أغرب -أو أطرف- التعليقات على رحيل ‘غراهام’ عن عمر ناهز 71 عاما، إثر سكتة قلبية بعد مرض مفاجئ (حسب تقرير ‘وول ستريت جورنال’)، فجاء على لسان
الناشطة الأمريكية اليمينية اليهودية المقربة للرئيس ترمب ‘لورا لومر’ التي شككت في ملابسات وفاته (وربطتها بزيارته أمس الأول لأوكرانيا)، فكتبت على حسابها بالسوشيال ميديا: “هل قامت روسيا بتسميم ليندسي غراهام.. لا بد من إجراء تحقيق”.
والحقيقة أن السيناتور الراحل لم يكن فقط أكثر أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي موالاةً لإسرائيل وحماسًا في الدفاع عن مصالحها، بل صار خلال العقدين الأخيرين واحدًا من أبرز من صاغوا -من خارج السلطة التنفيذية- ملامح السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، بأجندة “صهيونية” واضحة.
من الحرب على غزة إلى الحرب على إيران، ومن اتفاقات أبراهام إلى مشروع التطبيع السعودي–الإسرائيلي، ظل اسمه حاضرًا في معظم الملفات الحيوية، متجاوزًا دوره التشريعي في الكونغرس إلى “عرّاب صفقات” أو وسيط سياسي بين البيت الأبيض والشرق الأوسط، مستثمرا علاقاته الشخصية مع زعماء المنطقة وأمرائها.
هذا الدور الخاص والمكانة المميزة، تناولها كتاب “الحرب” War للصحافي الشهير ‘بوب وودورد’ Bob Woodward، الذي قدّم ‘غراهام’ باعتباره أحد اللاعبين الرئيسيين في الكواليس التي سبقت وواكبت بدايات حرب الإبادة في غزة، وأحد أركان مساعي إدارة الرئيس السابق ‘جو بايدن’ لإنجاز “الصفقة الكبرى” أي معاهدة دفاع أمريكية (نووية) مع السعودية مقابل تطبيع تاريخي بين الرياض وتل أبيب، وترتيبات أمنية جديدة لتطويق إيران.
وتتمثل أهمية ما ورد في كتاب ‘وودورد’ (صاحب السبق الصحفي في فضيحة ‘ووتر غيت’ التي أطاحت الرئيس نيكسون) في أنه نقل وقائع اجتماعات “مغلقة” بين السيناتور الجمهوري والرئيس بايدن، وبينه وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وقادة خليجيين آخرين، فضلًا عن كواليس اتصالاته مع النتنياهو.
وبخلاف علاقته الشخصية “المتقلّبة” مع الرئيس ترمب (من العداء إلى التقارب في ولايته الأولى ثم الخلاف مجددا قبل التحول لاحقًا لأحد أقرب حلفائه)، يكشف ‘وودورد’ أن ‘غراهام’ كان من أكثر الجمهوريين تعاونًا مع إدارة بايدن لأنه اعتقد أن نجاح صفقة التطبيع الإسرائيلي السعودي “يحتاج رئيسًا ديمقراطيًا أكثر مما يحتاج رئيسًا جمهوريًا”. وينقل الكتاب عنه قوله لبايدن خلال اجتماع خاص إن “الديمقراطيين لن يصوتوا للذهاب إلى الحرب من أجل السعودية إذا طرحه ترمب”، بينما يستطيع الجمهوريون دعم الاتفاق إذا “شجعت إسرائيل ذلك”. وفي هذه العبارة، عرض صريح لتأمين غطاء جمهوري داخل مجلس الشيوخ مقابل المضي في مشروع يربط بين معاهدة دفاع أمريكية مع الرياض، وتطبيع سعودي–إسرائيلي، وترتيبات إقليمية أوسع.
ويمضي ‘وودورد’ في رواية تفاصيل لقاء جمع ‘غراهام’ بولي العهد السعودي في خيمته المكيّفة في أبريل 2023، عاد بعده إلى واشنطن حاملاً رسالة مفادها أن الرياض مستعدة للمضي في “الصفقة الكبرى” إذا حصلت على ضمانات أمنية أمريكية بعيدة المدى، أهمها “مظلة نووية أمريكية” تُغني المملكة عن السعي لامتلاك سلاح ردع نووي خاص بها.
وطوال مسيرته، لم يخفِ ‘غراهام’ دومًا قناعته بأن مستقبل الشرق الأوسط يمر عبر “دمج إسرائيل” في البنية الأمنية والسياسية للمنطقة. مثلما تعامل مع اتفاقات أبراهام الموقعة عام 2020، باعتبارها نقطة انطلاق مرددًا أن انضمام السعودية إليها سيغير التوازنات الإقليمية بصورة جذرية، لأن المملكة تمثل، حسب تعبيره، “مركز الثقل في العالم الإسلامي”، بينما تمثل إسرائيل “الحليف الاستراتيجي الأهم للولايات المتحدة في المنطقة”.
ولذلك، ظل ‘غراهام’ يكرر أن هجوم 7 أكتوبر 2023 لم ينهِ مشروع التطبيع، بل أجّله فقط، وأن استئناف ذلك المسار سيبقى “هدفًا استراتيجيًا لواشنطن متى تغيرت الظروف الإقليمية”.
ومن هنا، يصعب فصل رؤية السيناتور الجمهوري الراحل لأهمية “توسيع التطبيع” عن موقفه العدائي تجاه إيران التي كانت -في نظره – العقبة الكأداء أمام إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق الرؤية “الصهيونية” التي تقوم على ربط التحالف الأمريكي الإسرائيلي بمنظومة عربية تقودها السعودية ودول الخليج في مواجهة النفوذ الإيراني ووكلائه.
وفي ذلك السياق، تبنى ‘غراهام’ رؤية مفادها أن البرنامج النووي الإيراني، وشبكة الحلفاء التي بنتها طهران في لبنان والعراق وسوريا واليمن، تشكل التهديد الاستراتيجي الأكبر للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. ولهذا اعتبر أن الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة ‘باراك أوباما’ عام 2015 مع طهران كان “خطأ تاريخيًا”، وظل يطالب بتوسيع العقوبات عليها وتصعيد سياسة “الضغط الأقصى”، ثم كان من أشد مناصري الخيار العسكري وأكثر المؤيدين علنًا لقرار ترمب بشن الحرب على إيران.
في المقابل، يمكن فهم المكانة الخاصة التي حظي بها ‘ليندسي غراهام’ داخل إسرائيل على مدى أكثر من عشرين عامًا، نسج خلالها شبكة علاقات مباشرة مع رؤساء الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بدءًا من ‘أريئيل شارون’، و’إيهود أولمرت’، وصولًا إلى النتنياهو، الذي تطورت علاقته الشخصية به إلى درجة استثنائية.
إذ وجد النتنياهو في عضو الكونغرس المفوّه حليفًا مخلصًا يتبنى رؤيته الاحتلالية دون تحفظ. وفي آخر زياراته للقدس (التي كان من أوائل السياسيين الأمريكيين الذين دعموا قرار ترمب نقل السفارة الأمريكية إليها عام 2018 والاعتراف بها عاصمة أبدية لإسرائيل)، وقف السيناتور الجمهوري جوار النتنياهو مؤكدًا على الملأ أن “أمن إسرائيل ليس قضية إسرائيلية فحسب، بل مصلحة أمريكية عليا”، واصفًا دولة الاحتلال بأنها “العين والأذن المتقدمة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط”، ومشددًا على أن “أي استثمار في تفوق إسرائيل العسكري أو الاستخباري هو استثمار مباشر في الأمن القومي الأمريكي”.
ولم يكتفِ ‘غراهام’ بالدعاية لإسرائيل داخل الكونغرس أو في المؤتمرات الصحفية، بل خاض معارك سياسية وقانونية دولية دفاعًا عنها. فكان من أعلى الأصوات التي هاجمت المحكمة الجنائية الدولية ICC بعد إصدارها مذكرات توقيف لقادة إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة، ودعا إلى فرض عقوبات أمريكية على مسؤولي المحكمة. بل وقدم مع عدد من زملائه الجمهوريين مشاريع قوانين لمعاقبة أي جهة دولية تستهدف إسرائيل قضائيًا.
وفي هذا السياق، تلتقي شهادات عدد من كبار المسؤولين الأمريكيين الذين عملوا مع غراهام’، فيقدمه ‘جون بولتون’ في كتابه “الغرفة التي حدث فيها ذلك”The Room Where It Happened بوصفه “أكثر أعضاء مجلس الشيوخ اقتناعًا بضرورة بناء محور عربي–إسرائيلي في مواجهة إيران”، بينما ذكره ‘جاريد كوشنر’ (صهر ترمب ومستشاره الأقرب لقلبه) في كتابه “صناعة التاريخ”Breaking History بين الشخصيات التي دعمت مبكرًا فكرة “الانتقال من إدارة الصراع العربي الإسرائيلي إلى بناء شراكات إقليمية في شرق أوسط جديد”.
