مصطفي كمال أتاتورك « دين أم أيديولوجيا؟ »
ياسين اكتاي يكتب
- dr-naga
- 15 يوليو، 2026
- مقالات وتحليلات
- التماثيل, الجمهورية التركية, تركيا, تماثيل مصطفى كمال أتاتورك, مصطفى كمال أتاتورك
بين عامي 1927 و1930، أُسند إلى نحاتين أجانب تنفيذ تماثيل ونُصُب ضخمة في المراكز الرئيسية للبلاد، وقد لعبت هذه التماثيل دورًا مهمًا في خلق ثقافة “الرجل الواحد”. إن صياغة صورة مصطفى كمال كقائد ملحمي وأسطوري أسهمت في أداء وظيفة دعائية-اتصالية بالغة الأهمية. وفي الوقت ذاته، فإن هذه التماثيل كانت أيضًا جزءًا من عملية إنتاج شكل جديد من التدين البديل للإسلام، يتمحور حول قائد مُخلِّص ومؤسس، ما جعلها تؤدي دورًا محوريًا بلا شك.
لم تكن هذه التماثيل مجرد عنصر زخرفي في المدن، بل أصبحت تدريجيًا قبلةً ومكوّنًا أساسيًا، بل وسببًا في تشكّل ثقافة الطقوس الرسمية التي أخذت بالانتشار.
وسرعان ما تحولت هذه السياسة التمثالية إلى خطوة فعّالة في ترسيخ فهم أسطوري جديد امتد إلى جميع المحافظات والأقضية وحتى المدارس الابتدائية، من خلال تماثيل نصفية. وفي هذا التصور الجديد، الذي لا يذكر أي فضل لرفاق حرب الاستقلال، ولا يعترف بأي وفاء لهم، أصبح القائد “المخلّص الوحيد”، و”الزعيم الوحيد”، ولاحقًا — مع قانون الألقاب — “الأب الوحيد للأمة”. وقد أُسبغت على هذا “الأب” صفات شبه إلهية، تُمنح عادةً لأعظم الأبطال في الأساطير.
ويُظهر الباحث طه بارلا في كتابه «المصادر الرسمية للثقافة السياسية في تركيا: خطاب أتاتورك» (إيليتِشيم، 1991) كيف أن هذا التصوير الإلهي والأسطوري يمثل تجسيدًا حيًا للذات المركزية في خطاب “نُطُق”.
لقد كان هذا المسار، الذي بدا ظاهريًا محاولة لتبني صورة غربية ومواجهة التدين، في حقيقته يؤدي إلى استبدال الدين بنوع جديد من التدين الأسطوري الأكثر قوة. فبدلًا من الرموز الدينية والعقائد والعبادات التي جرى إقصاؤها بفعل العلمانية، ظهرت أساطير جديدة تدور حول حرب الاستقلال، ومفهوم المؤسس والمخلّص.
ومع مرور الوقت، أُضيف إلى هذا الخطاب أدبٌ كامل من التمجيد الذي نافس في تقديسه حتى النصوص الدينية التقليدية. فقد بلغ الأمر حدّ أن الأوصاف التي قيلت في مصطفى كمال بعد قانون الألقاب تجاوزت حتى ما يُقال للأنبياء أو الأولياء في التراث الإسلامي، إذ لم يُوصف أي شيخ أو ولي في التاريخ الإسلامي بلفظ “الأكبر”، لكن الشاعر يوسف زيا أورطاج قال: “أتاتورك الأكبر”.
أما النائب في حزب الشعب الجمهوري آقا غوندوغ، فقد كتب في صحيفة “الأمة” بتاريخ 4 ديسمبر 1934:
“نحن عُشّاق أتاتورك!.. أتاتورك في كل شيء! هو في الأرض، في السماء، في البحر! موجود وغير موجود في كل شيء! أتاتورك! .. في الأرض، في السماء، في الماء، في الساحة، في الكمين… يرى ما لا يُرى، ويعلم ما لا يُعلم، ويسمع ما لا يُسمع، ويشعر بما لا يُشعر، ويقهر ما لا يُقهر! في كل شيء أتاتورك! نغلق أيدينا على وجوهنا وقلوبنا، نحن نعبدك! نحن نعبدك!.. أنت موجود، أنت الواحد، أنت الخالق! فليخجل من لا يرتبط بك!”
إن هذا الأدب التمجيدي والتقديسي يبدو اليوم من الصعب جدًا تصديقه، إذ تطور إلى حدّ إنتاج دين جديد يتمحور حول أتاتورك كإله أو نبي أو كائن مخلّص أسطوري. ويمكن العثور على العديد من الدراسات التي تناولت هذا الموضوع بتفصيل، لذلك لا حاجة للإطالة بأمثلة إضافية.
يكفي القول إن الكمالية طُرحت، في تلك الفترة، كبديل ديني للإسلام، وأن هذا النوع من الخطاب كان يُتداول بسهولة حتى في حياة أتاتورك.
وقد يصعب على كثيرين اليوم استيعاب ذلك، لكن كتاب أونور أتالاي «عبادة التركي: الدين العلماني والكمالية بين الحربين» (إيليتِشيم، 2018) يوضح كيف تحولت هذه الظاهرة إلى واقع تاريخي فعلي.
إن مشروع الحزب الواحد، والقائد الواحد، والتاريخ الواحد، انتهى إلى إنتاج ثقافة جعلت من أتاتورك رمزًا ذا وظيفة دينية. فقد وُصف أحيانًا كإله، وأحيانًا كنصف إله، وأحيانًا كنبي أو بطل مخلّص، وأصبح هذا الخطاب شبه طبيعي في تلك المرحلة.
ولا يمكن القول إن هذا المناخ تشكّل بمشاركة طوعية من الناس. بل إن المعارضة التي جرى قمعها عبر محاكم الاستقلال، وقانون “إحلال السكون”، والإعدامات، والضغوط الشديدة، أدت في النهاية إلى فرض المشاركة في هذا الخطاب، بحيث أصبح التصفيق والولاء شبه إلزامي، فذابت الفروق بين القبول القسري والطوعي، وأصبحت رؤية الدولة هي نفسها رؤية المجتمع.
ومع ذلك، فإن هذا الخطاب كان محصورًا في النخبة الحضرية، أي ما لا يتجاوز 20% من السكان. وقد ظهرت لاحقًا في التجارب الحزبية المتعددة المفاجأة الكبرى: إمكانية إزاحة حزب الشعب الجمهوري عبر انتخابات حرة.
كما وُجدت أيضًا سردية دفاعية تزعم أن هذا التقديس لم يكن بإرادة مصطفى كمال نفسه، لكن بالنظر إلى تاريخ التماثيل والفاعلين الذين صنعوا هذا الخطاب، يتضح أن هذه السردية ضعيفة وغير مؤسسة. فعملية بناء هذا “الكُتْلَة الرمزية” بدأت منذ السنوات الأولى للجمهورية، وبصورة نشطة ومنتشرة في جميع أنحاء البلاد.
بل إن ذلك جرى، كما ذكرنا، في مجتمع كانت له تقاليد راسخة ترفض التماثيل أصلًا، ما يجعل الادعاء بأن الشعب هو من بادر إليها بلا أساس.
ففي العديد من المدن، تم بناء التماثيل عبر حملات تبرع شعبية، لكنها كانت بقيادة رسمية. وفي النهاية، أصبحت تماثيل مصطفى كمال منتشرة في الساحات والمدارس والمؤسسات العامة، وأصبحت جزءًا من الطقوس اليومية التي تُكرّس هذه الصورة في الوعي العام.
وقد تمت دراسة هذا الموضوع بتفصيل أكبر في كتب مثل «الوجه الحقيقي للتاريخ: السنوات الأولى للجمهورية» و«هل الكمالية دين أم أيديولوجيا؟».
المصدر: يني شفق التركية
