لماذا تتجنب أمريكا الحرب البرية مع إيران؟
الردع المتبادل وتعقيدات الجغرافيا ومخاطر الاقتصاد العالمي
- محمود الشاذلي
- 14 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- أمريكا, إيران, الحرب البرية
منذ عقود، تُعد المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران أحد أكثر السيناريوهات إثارة للجدل في مراكز الدراسات الاستراتيجية والعسكرية. ومع كل موجة تصعيد في الشرق الأوسط، تتجدد التساؤلات حول مدى استعداد واشنطن لخوض حرب واسعة ضد طهران، وما إذا كانت القوة العسكرية الأمريكية قادرة على حسم الصراع سريعًا كما حدث في حروب سابقة.
لكن القراءة المتأنية للواقع العسكري تشير إلى أن إيران تختلف جذريًا عن مسارح العمليات التي خاضتها الولايات المتحدة خلال العقود الماضية. فالمعادلة الحالية لا تتعلق فقط بحجم القوة العسكرية، وإنما بطبيعة الجغرافيا، وشكل العقيدة القتالية الإيرانية، وتشابك المصالح الاقتصادية العالمية، وهي عوامل تجعل قرار الحرب أكثر تعقيدًا من مجرد إصدار أوامر بتنفيذ ضربات عسكرية.
إيران ليست ساحة تقليدية للغزو
يرى خبراء عسكريون أن أي مقارنة بين إيران والعراق عام 2003 تفتقد إلى الدقة. فإيران تمتلك مساحة تتجاوز 1.6 مليون كيلومتر مربع، وتضم سلاسل جبلية واسعة، ومناطق وعرة، وشبكة طرق معقدة تمنح القوات المدافعة أفضلية واضحة في استنزاف أي قوة مهاجمة.
كما أن الكثافة السكانية الكبيرة تمنح الدولة قدرة أكبر على التعبئة والاستمرار في القتال لفترات طويلة، مقارنة بدول شهدت عمليات عسكرية أمريكية سابقة.
وتشير دراسات صادرة عن مراكز بحثية غربية إلى أن أي محاولة للسيطرة البرية على إيران ستحتاج إلى موارد بشرية ولوجستية هائلة، فضلاً عن قواعد إمداد مستقرة وقوات احتياط ضخمة، وهو ما يجعل هذا الخيار بعيدًا عن الحسابات العملية في ظل التجارب الأمريكية السابقة في العراق وأفغانستان.
القوة الجوية ليست حلاً سحريًا
ورغم أن الولايات المتحدة تمتلك أحد أكثر الأساطيل الجوية تطورًا في العالم، فإن التفوق الجوي لا يعني بالضرورة تحقيق نصر سريع.
فعلى مدار السنوات الماضية، عملت إيران على إعادة هيكلة بنيتها العسكرية، عبر إنشاء منشآت محصنة تحت الأرض، وتوزيع مراكز القيادة، وإخفاء أجزاء من قدراتها الصاروخية داخل شبكات أنفاق ومواقع جبلية يصعب استهدافها بالكامل.
وتوضح الخبرات العسكرية الحديثة أن الحملات الجوية المكثفة تستطيع إضعاف القدرات العسكرية، لكنها غالبًا لا تحقق أهدافًا استراتيجية نهائية إذا لم تترافق مع عمليات ميدانية أو انهيار سياسي داخلي.
ولهذا، فإن أي حملة جوية ضد إيران قد تؤدي إلى إبطاء بعض البرامج العسكرية أو إلحاق أضرار بالبنية الدفاعية، لكنها لا تضمن إنهاء القدرة الإيرانية على الرد.
معادلة الردع تغير قواعد اللعبة
العامل الأكثر تأثيرًا في الحسابات الأمريكية يتمثل في قدرة إيران على توسيع نطاق أي مواجهة.
فإلى جانب امتلاكها ترسانة متنوعة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، تتمتع طهران بقدرات تمكنها من تهديد قواعد عسكرية ومصالح حيوية في المنطقة، إضافة إلى إمكانية استهداف الملاحة البحرية أو البنية التحتية للطاقة إذا تعرضت لهجمات واسعة.
ويؤكد متخصصون في الدراسات الأمنية أن هذا الواقع يفرض معادلة ردع متبادل، إذ يدرك كل طرف أن توجيه ضربة كبيرة قد يقابله رد يحمل تداعيات إقليمية يصعب احتواؤها.
ولذلك، فإن الهدف في كثير من الأحيان لا يكون تحقيق انتصار عسكري كامل، وإنما منع الطرف الآخر من تجاوز خطوط معينة عبر التهديد بقدرة الرد.
الاقتصاد العالمي أحد أبرز الرهائن
تمثل منطقة الخليج شريانًا رئيسيًا لإمدادات الطاقة العالمية، ويُعد مضيق هرمز من أهم الممرات البحرية لتجارة النفط والغاز.
وأي اضطراب واسع في حركة الملاحة أو استهداف متبادل لمنشآت الطاقة قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، وزيادة تكاليف النقل والتأمين، وتعطيل سلاسل الإمداد الدولية.
ومن هنا، لا تقتصر حسابات الحرب على الميدان العسكري فقط، بل تمتد إلى العواصم الاقتصادية الكبرى التي تراقب أي تصعيد خشية انعكاساته على الأسواق العالمية ومعدلات التضخم والنمو.
حرب المعلومات جزء من الصراع
إلى جانب المواجهة العسكرية، أصبحت إدارة الرواية الإعلامية عنصرًا أساسيًا في النزاعات الحديثة.
ففي كثير من الحالات، لا تعلن الأطراف كافة تفاصيل خسائرها أو حجم الأضرار التي تعرضت لها، سواء لأسباب تتعلق بالأمن العملياتي أو للحفاظ على صورة الردع أمام الخصوم.
وفي المقابل، تعتمد مؤسسات مستقلة ومحللو الاستخبارات مفتوحة المصدر على صور الأقمار الصناعية والبيانات المفتوحة لتقدير آثار العمليات العسكرية، إلا أن هذه التقديرات قد تتغير مع ظهور معلومات جديدة، وهو ما يجعل الصورة الكاملة للحرب غير واضحة أثناء وقوعها.
ماذا تقول السيناريوهات؟
تشير معظم التقديرات إلى أن احتمالات الحرب البرية الشاملة تبقى محدودة، بينما يظل السيناريو الأكثر واقعية هو استمرار سياسة الضربات المحدودة والردود المحسوبة، مع تصاعد العمليات السيبرانية والاستخباراتية والضغوط الاقتصادية.
كما يُرجح استمرار القنوات الدبلوماسية غير المباشرة، سواء عبر وسطاء إقليميين أو دوليين، بهدف منع تحول أي حادث ميداني إلى مواجهة مفتوحة يصعب السيطرة عليها.
وفي الوقت نفسه، يبقى احتمال التصعيد قائمًا إذا وقع خطأ في الحسابات أو أدى هجوم واسع إلى تجاوز أحد الأطراف لما يعتبره “خطًا أحمر”.
تكشف المعطيات العسكرية والاستراتيجية أن المواجهة الأمريكية الإيرانية تخضع لحسابات أكثر تعقيدًا من مجرد ميزان القوة العسكرية. فالجغرافيا الإيرانية، وطبيعة العقيدة الدفاعية، وقدرات الردع، وتشابك المصالح الاقتصادية العالمية، جميعها تجعل الحرب الشاملة خيارًا مرتفع المخاطر بالنسبة لجميع الأطراف.
وبينما تمتلك واشنطن تفوقًا عسكريًا كبيرًا، فإن ترجمة هذا التفوق إلى نصر حاسم على الأرض تبدو مسألة شديدة التعقيد. لذلك، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار سياسة الاحتواء والردع المتبادل، مع الاعتماد على الضربات المحدودة والضغوط الاقتصادية والدبلوماسية، بدلاً من الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة قد تتجاوز آثارها حدود الشرق الأوسط إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
