ماذا يبقى بعد الرئيس ؟

تحتاج مصر أن تنقل من دولة "الرجل الضرورة" إلى دولة "المؤسسة الضرورة"

د. أيمن منصور ندا

يوم يغيب الرئيس، يبدأ الاختبار الحقيقي لأي مشروع سياسي؛ في ذلك اليوم فقط نعرف: هل كان ما يجري مشروع وطن، أم مشروع رجل؟ هل كان بناء دولة، أم بناء مجد شخصي؟ هل كان إصلاحاً قابلاً للحياة، أم ظلاً طويلاً للرئيس؟ إنَّ اختبار الزعيم الحقيقي ليس ما يفعله في حياته، بل ما يبقى حيَّاً بعد غيابه..

قالها الخليفة أبو بكر في لحظة فاجعة: “من كان يعبد محمداً فإنَّ محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموت”. وتقول حكمة إنجليزية شائعة: “المقابر مليئة برجال ظنوا أنَّ العالم لا يستطيع أن يستمر من دونهم”. The graveyards are full of indispensable men وبين العبارتين تقف السياسة عارية من أوهامها: من كان يعبد الرئيس، مات مشروعه يوم يغيب الرئيس؛ ومن كان يؤمن بالدولة، بقيت الدولة تعمل، وتتنفس، وتمضي، كأنَّ أحداً لم يرحل.
ليست القضية هنا أن يكون النظام ديمقراطياً أو سلطوياً، ولا أن يبدأ الإصلاح من القاعدة أو من القمة؛ فكثير من الدول الحديثة بدأت بقيادات مركزية قوية، ونجحت، كما بدأت دول أخرى بالطريقة نفسها وفشلت.. الفارق الحقيقي ليس في طريقة الميلاد، بل في القدرة على تحويل المشروع من إرادة فرد إلى قواعد ومؤسسات تستطيع الحياة بعد غيابه، فهذا هو معيار النجاح الذي يعنينا.

فرق كبير بين المشروع الوطني، والمشروع الشخصي للرئيس: المشروع الوطني الحقيقي لا يحتاج إلى صاحبه كي يظل حيَّاً؛ يموت الرئيس، ويبقى المشروع؛ لأنَّه لم يكن مقيماً في جسده، بل في عقل الدولة، وضمير المجتمع، ومصالح الناس، وقوة المؤسسات.. أما المشروع الشخصي، فيفقد توازنه من أول لحظة يغيب فيها صاحبه: تتوقف اللجان، وتتجمد الملفات، وتختفي الشعارات، ويبدأ المسؤولون في تبديل اللغة؛ الذين كانوا يقولون أمس إنَّ المشروع عبقري، وضروري، ولازم، ولا يمكن تأجيله، يقولون اليوم إنَّ المرحلة كانت لها ظروفها، وإنَّهم كانوا متحفظين عليه، وغير مقتنعين به! هكذا تظهر الحكمة بأثر رجعي، ويبحث الذين كانوا يصفقون في الصف الأول عن مقعد جديد في الصف الأول لعهد جديد.
في التجارب الكبرى، لم تكن عظمة الزعماء في أنَّهم حكموا طويلاً، بل في أنَّ بعضهم ترك وراءه ما يستطيع أن يعيش بدونه.. سقطت كلُّ الأنظمة التي زعم رؤساؤها أنَّهم الدولة أو فوقها، والذين خيَّروا شعوبهم بين استمرار حكمهم أو الفوضى، وبقيت الدول التي آمن حكامها بأنَّهم مجرد سطر في الكتاب، لا أول سطر فيه ولا آخر سطر..

“جورج واشنطن” لم يؤسس أمريكا لأنَّه كان أقوى رجل فيها فقط، بل لأنَّه عرف أنَّ الجمهورية أهم من بقائه؛ انسحب بعد ولايتين، وترك للناس درساً بسيطاً وعظيماً: الرئيس ليس الوطن، والكرسي ليس قدراً أبدياً، والدولة التي لا تعرف كيف تنتقل من رجل إلى رجل لا تعرف كيف تعيش.. أما سنغافورة، فقد يختلف الناس في تقييم طبيعة نظامها السياسي، لكن ما يصعب إنكاره أنَّ جانباً كبيراً من مشروعها لم يبق رهين حضور “لي كوان يو” شخصياً؛ فقد تحول، بدرجات متفاوتة، إلى إدارة عامة، وتعليم، وكفاءة مؤسسية، وقواعد استمرت بعد غيابه.. لم تكن قيمة التجربة في أنَّ الإصلاح بدأ من قائد قوي، بل في أنَّ أجزاءً واسعة منه لم تمت بموته.

في المقابل، مات “ستالين”، فبدأت بعده عملية نزع الستالينية؛ فجأة صار الزعيم الذي خافه الجميع، وصفق له الجميع، وكتبوا عنه القصائد والتقارير، موضوعاً للإدانة والمراجعة.. لم يتغير التاريخ في يوم واحد، لكنَّ يوم غياب الرجل كشف أنَّ كثيراً مما كان يبدو عقيدة لم يكن إلا خوفاً من صاحب العقيدة! و”ماو” أيضاً بقيت صورته في الصين، لكنَّ الصين بعده ذهبت إلى طريق آخر؛ ظلت الصورة فوق الميدان، لكنَّ الاقتصاد غادر الشعارات؛ بقي الرمز، وتغير المشروع، كأنَّ الدولة قالت له بعد موته: لك الذاكرة، وللواقع طريق آخر!

في مصر، تبدو الحكاية أقرب إلينا من اللازم؛ نحن بلد يبدأ كلُّ عهد فيه من الصفر، ثم ينتهي إلى الصفر؛ كلُّ رئيس يأتي ليقول إنَّه ورث تركة ثقيلة، وأنَّه تسلَّم “شبه دولة”! كلُّ عهد يبدأ بنقد من سبقه، وينتهي بترك حمل أثقل لمن بعده! كلُّ رئيس يشرح لنا أنَّ ما قبله كان خراباً، وأنَّه وحده جاء ليعيد بناء الدولة، وأنَّه الوحيد الذي يفهم معنى الدولة ومصلحتها العليا، ثم تمضي السنوات، فيأتي غيره ليقول الكلام نفسه، كأنَّ مصر ليست وطناً ممتداً، بل سبورة يمسحها كلُّ حاكم قبل أن يكتب اسمه عليها!
مشكلتنا التاريخية في مصر أنَّ معظم مشروعات الإصلاح كانت مشروعات حكام أكثر منها مشروعات أمة؛ سُمّيت مشروعات وطنية، ورفعت لها الرايات، وكُتبت فيها الخطب، لكنَّها بقيت في جوهرها مرتبطة بمزاج الحاكم، لا بعقد المجتمع، ولذلك حدثت لها نكسة سريعة، ونكوص فوري، بعد رحيل الحاكم أو غيابه!

كانت تجربة محمد علي مشروعاً ضخماً، ولم تكن المشكلة في أنَّ المشروع بدأ بقيادة مركزية؛ فالتاريخ مليء بدول تأسست بهذه الطريقة، لكنَّ المشكلة أنَّه لم يتحول، بالقدر الكافي، إلى مؤسسات يملكها المجتمع، ويصعب على الحاكم التالي هدمها أو الانقلاب عليها. ولذلك، حين تبدَّل الحاكم، حتى وهو من صلبه وذريته (عباس الأول)، نكصت الدولة على عقبيها.. والخديوي إسماعيل حلم بمصر كقطعة من أوروبا؛ لكنَّ مشروع إسماعيل مات قبل أن يموت الرجل؛ خرج إسماعيل من الحكم، وجاء ابنه توفيق بمسار مناقض تماماً لمشروع أبيه.. الرئيس عبد الناصر صنع حلماً جباراً في وجدان المصريين؛ لكنَّ الحلم، مع عظمته، ارتبط كثيراً بصوت الرجل، وصورته، وتنظيمه، وإعلامه، وحزبه الواحد! وحين جاء الرئيس السادات، لم يستكمل المشروع، بل أعاد تعريف الطريق كله و”مشى على خطى عبد الناصر بأستيكة”: من الاشتراكية إلى الانفتاح، من موسكو إلى واشنطن، من خطاب الثورة إلى خطاب السلام!

ليس معنى ذلك أنَّنا نعتقد أنَّ تغير السياسات بين العهود خطأ في ذاته؛ فهذا أمر طبيعي في كل الدول الحية، بل قد يكون دليلاً على حيوية النظام السياسي واستجابته للمتغيرات، لكنَّ الفرق كبير بين مراجعة السياسات داخل إطار مؤسسي مستقر، وبين أن يبدأ كلُّ عهد وكأنَّه يؤسس “جمهورية جديدة”، ويقدم نفسه بوصفه القطيعة الكاملة مع ما سبقه: ففي الحالة الأولى تتغير السياسات وتبقى الدولة، أما في الثانية فيتغير كل شيء تقريباً بتغير الحاكم!

والمشاهد، أنَّ كلُّ رئيس في مصر يبدأ من نقطة الإنكار نفسها: لم يكن قبلي شيء! وكلّ رئيس ينتهي إلى النقطة نفسها: لولا المؤامرات، ولولا الظروف، ولولا الشعب، ولولا العالم، لرأيتم المعجزة كاملة! وبين البداية والنهاية يعيش الناس في وضع الانتظار: ينتظرون أن تكتمل الخطة، أن تظهر النتائج، أن تنتهي المرحلة، أن يؤتي الصبر ثماره.. ثم يغادر الرئيس، أو يموت، أو يتراجع، أو يسقط، فيكتشف الناس أنَّ ما ظنوه مشروعاً كان مرحلة انقضت بانقضاء صاحبها!

ليست المشكلة أن يحلم الرئيس؛ فهذا فرض عين عليه؛ المشكلة أن يصبح هو الحلم نفسه، وأن يصدق ذلك! وليست المشكلة أن يكون للرئيس مشروع؛ المشكلة أن يكون المشروع محتاجاً إلى الرئيس كي يتنفس! وليست المشكلة أن يبني الرئيس نظاماً قوياً بتكلفة مرتفعة؛ المشكلة أن ينهار أو يتعثر برحيله! إنَّ أهم معيار للحكم على أي مشروع وطني هو قدرة المشروع على البقاء بعد غياب صاحبه، وقدرته على الاستمرارية دون وجوده.

“يوم يغيب الرئيس” ليس دعوة إلى موت أحد، ولا شماتة في نهاية إنسان؛ “فكلُّنا زائلون، والوطن باقٍ”؛ إنَّما هو اختبار سياسي بارد وقاسٍ: ماذا يبقى عندما يغيب صاحب القرار؟ هل تبقى مؤسسة قوية؟ هل يبقى قانون محترم؟ هل يبقى اقتصاد قادر؟ هل يبقى مواطن يشعر أنَّ الدولة دولته؟ أم لا يبقى إلا صور تُنزع، وشعارات تُراجع، ومشروعات تُجمّد، وحاشية تبحث عن سيد جديد؟
نحتاج إلى مشروع وطني لا يموت يوم وفاة الرئيس، ولا يتوقف يوم خروجه من الحكم، ولا ينتظر مزاج خلفه كي يكتمل.. نحتاج إلى أن ننقل مصر من دولة “الرجل الضرورة” إلى دولة “المؤسسة الضرورة”، ومن سياسة “المنقذ” إلى سياسة “العقد”، ومن مجد الرئيس إلى كرامة المواطن..

أيُّها السادة، دعونا لا نسأل: من سيأتي بعد الرئيس؟ بل لنسأل السؤال الأهم: ماذا سيبقى بعد الرئيس؟ ففي الإجابة عن هذا السؤال وحده نعرف هل خرجنا حقاً من الدائرة الصفرية، أم أنَّنا لم نفعل سوى أن قطعنا دورة جديدة داخلها، لنعود في النهاية إلى نقطة الصفر!

اترك تعليقا