انسحاب دول الساحل من الجنايات الدولية.. رفض ازدواج المعايير والإرث الاستعماري

خطوة قد تؤدي لاضعاف منظومة القانون الدولي

أثار إعلان دول تحالف الساحل الإفريقي، وهي النيجر ومالي وبوركينا فاسو، الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، والذي دخل حيز التنفيذ خلال الساعات الأخيرة ووصفها بأنها “أداة للقمع الاستعماري”، موجة واسعة من الجدل بشأن مستقبل العدالة الدولية والعلاقة المتوترة بين القارة الإفريقية والمؤسسات الدولية.

فالقرار لا يمثل مجرد انسحاب قانوني من إحدى أهم المؤسسات القضائية الدولية، بل يحمل أبعادا سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود دول الساحل، ليطرح تساؤلات حول مستقبل النظام الدولي القائم على القانون، ومدى قدرة المحكمة على الاحتفاظ بشرعيتها في ظل تزايد الانتقادات الموجهة إليها.

وجاءت هذه الخطوة في سياق تحولات عميقة تشهدها منطقة الساحل، حيث تتبنى الأنظمة العسكرية الحاكمة خطابًا يقوم على رفض النفوذ الغربي، والسعي إلى بناء منظومة إقليمية أكثر استقلالًا عن المؤسسات التي تعتبرها امتدادًا للهيمنة الأوروبية

الجنائية الدولية وفقدان الحياد

وترى حكومات الدول الثلاث أن المحكمة الجنائية الدولية فقدت حيادها، وتحولت إلى مؤسسة تستهدف الدول الإفريقية دون غيرها، بينما تعجز عن محاسبة مسؤولين من القوى الكبرى أو حلفائها، رغم الاتهامات الموجهة إليهم بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.

ويستند هذا الاتهام إلى حقيقة أن نسبة كبيرة من القضايا التي نظرتها المحكمة منذ تأسيسها كانت تتعلق بدول إفريقية، الأمر الذي غذّى شعورًا متزايدًا داخل القارة بازدواجية المعايير.

كما تنظر دول الساحل إلى المحكمة باعتبارها وسيلة للضغط السياسي على الحكومات غير المنسجمة مع السياسات الغربية، خاصة بعد سلسلة الانقلابات العسكرية التي شهدتها المنطقة منذ عام 2020، وما تبعها من توتر مع فرنسا والاتحاد الأوروبي، واتجاه هذه الدول نحو تعزيز علاقاتها مع روسيا وشركاء دوليين جدد

صياغة العلاقات بالمؤسسات الدولية

ويحمل الانسحاب أهمية سياسية كبيرة؛ إذ يمثل رسالة واضحة بأن دول الساحل تسعى إلى إعادة صياغة علاقتها بالمؤسسات الدولية وفق رؤية تقوم على احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. كما يعكس رغبة هذه الدول في بناء مؤسسات قضائية وطنية أو إقليمية تتولى محاسبة المتهمين بارتكاب الجرائم، بدلاً من الاعتماد على هيئات دولية تعتبرها منحازة.

ومن الناحية القانونية، فإن الانسحاب لا يعني إسقاط المسئولية عن الجرائم التي ارتكبت أثناء عضوية هذه الدول في المحكمة، إذ تظل المحكمة مختصة بالنظر في القضايا التي وقعت قبل دخول الانسحاب حيز التنفيذ وفق أحكام نظام روما الأساسي.

لكن هذه الخطوة  ستحد  من قدرة المحكمة على فتح تحقيقات جديدة تتعلق بجرائم مستقبلية داخل هذه الدول، ما لم يصدر تفويض من مجلس الأمن الدولي.

أما بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية، فإن القرار يمثل ضربة معنوية وسياسية أكثر منه ضربة قانونية.. فانسحاب ثلاث دول دفعة واحدة يرسخ الانطباع بأن المحكمة تواجه أزمة ثقة متفاقمة، خصوصًا في إفريقيا التي كانت تمثل أحد أهم مجالات عملها. كما قد يشجع دولًا أخرى على إعادة النظر في عضويتها، إذا استمرت الانتقادات المتعلقة بازدواجية المعايير وانتقائية العدالة.

ومن شأن هذه التطورات أن تضعف قدرة المحكمة على تنفيذ مذكرات التوقيف أو جمع الأدلة داخل الدول المنسحبة، وهو ما قد يقلل من فعاليتها في ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية في منطقة الساحل التي تشهد نزاعات مسلحة معقدة ونشاطًا متزايدًا للجماعات المتطرفة.

وعلى مستوى النظام العالمي، يعكس القرار اتجاهاً متنامياً نحو التشكيك في المؤسسات الدولية التي تأسست بعد الحرب الباردة، حيث ترى دول عديدة في الجنوب العالمي أن هذه المؤسسات لا تعكس توازنات القوة الحالية، بل ما زالت تخضع لنفوذ القوى الغربية. ولذلك، فإن انسحاب دول الساحل قد يشكل جزءًا من مسار أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي على أسس أكثر تعددية.

وفي المقابل، يحذر مؤيدو المحكمة من أن الانسحاب قد يؤدي إلى تقويض جهود مكافحة الإفلات من العقاب، خاصة في مناطق النزاعات، ويمنح مرتكبي الجرائم الدولية مساحة أكبر للإفلات من الملاحقة، إذا لم تتمكن الأنظمة القضائية الوطنية من القيام بدورها بصورة مستقلة وفعالة.

إضعاف منظومة القانون الدولي

كما يخشى مراقبون أن يؤدي تراجع دور المحكمة إلى إضعاف منظومة القانون الدولي بأكملها، خصوصًا إذا تزايدت حالات الانسحاب أو امتنعت دول أخرى عن التعاون معها، وهو ما قد يقلل من قدرة المجتمع الدولي على محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وفي المقابل، يرى أنصار القرار أن إصلاح العدالة الدولية لا يمكن أن يتحقق دون مراجعة شاملة لآليات عمل المحكمة، وضمان تطبيق القانون على جميع الدول دون استثناء، بما في ذلك القوى الكبرى التي لا تخضع لاختصاص المحكمة أو ترفض الانضمام إليها.

لذا فمن المهم القول إن انسحاب النيجر ومالي وبوركينا فاسو من المحكمة الجنائية الدولية يمثل أكثر من مجرد إجراء قانوني؛ فهو يعكس تحولات جيوسياسية عميقة تشهدها إفريقيا والعالم، ويجسد تصاعد المطالبة بإعادة النظر في بنية النظام الدولي ومؤسساته.

وفي ظل هذه الخطوة سيظل مستقبل المحكمة مرتبطًا بقدرتها على استعادة ثقة الدول الأعضاء، وإثبات استقلالها وحيادها، في وقت يشهد فيه العالم إعادة رسم لموازين القوى الدولية وصعودًا متزايدًا لدعوات بناء نظام عالمي أكثر توازنًا وعدالة.

اترك تعليقا