الخامنئية الثانية.. إيران ما بعد خامنئي
بقلم سالمة الموشي
- Ali Ahmed
- 7 يوليو، 2026
- اخبار العالم, مقالات وتحليلات
- تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد
** سالمة الموشي
شهدت شاشات العالم مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي تمهيداً لدفنه الذي سينطوي معه مفهوم السلطة الدينية المركزية وشرعية الجيل الأول الذي استمد نفوذه من ثورة 1979 وتنتهي معه إيران كما عرفها العالم على مدى نصف قرن. نعم في العلن كانت هناك دموع وحشود ملأت الميادين وشعارات أيديولوجية شعبية وسياسية، أما خلف واجهة المراسم فثمة دولة عميقة تعيد تشكيل كيانها بسرعة فائقة مستغلة فراغاً وظيفياً خطراً فرضه الغياب المفاجئ لرأس الهرم.
وبدا من اللافت حضور وفود من العواصم المجاورة في خطوة مدروسة لتجريد النظام الإيراني من اللعب بورقة (العدو الخارجي). النخبة الإيرانية في لحظات الاضطراب تحتاج إلى شماعة إقليمية لتوحيد جبهتها الداخلية، والوجود الدبلوماسي هنا لدول الجوار يُحيّد هذا الخيار تماماً ويجبر أجنحة الحكم الجديدة على مواجهة صراع النفوذ بعيداً من أي تعبئة شعبية.
عبر قراءة المشهد فإن الحضور لم يكن يعني التهدئة بل وأبعد من التعزية فهو يعني إجبار الوريث الإيراني الفعلي للسلطة على بدء حكمه من نقطة الالتزامات القائمة من دون منح المتشددين أي ذريعة للتصعيد الإقليمي لهربهم من أزمتهم الداخلية.
وبدا أن غياب مجتبى خامنئي عن طقوس التشييع ليس غياباً غير محسوب، بل يبدو تمويهاً استراتيجياً إذ إن الظهور في طليعة موكب التشييع كان سيمنح خصومه الذريعة لتفجير المشهد مبكراً تحت شعار “رفض التوريث”. هذا التواري ليس إلا مناورة لتصدير جنرالات الحرس الثوري وحدهم لواجهة الأزمة وتحميلهم التبعات السياسية والأمنية المباشرة أمام الشارع الإيراني بينما ينكفئ هو على تحصين شبكاته المالية والأمنية في الظل منتظراً احتراق أوراق الوجوه الانتقالية ليعود لاحقاً كخيار تسوية حتمي.
هنا يتساءل الجميع: من سيكون مرجع الشيعة القادم في إيران بعد غياب الهيبة الفقهية للخامنئي. إن الإجابة العميقة كما يُظهر المشهد الحالي لا تكمن في صراع الأجنحة التقليدي الذي تلوكه النشرات الإخبارية بل في رغبة النظام الإيراني الجديد في التخلص من هذا العبء كلياً. فالنخبة العسكرية النفعية في طهران تجد مصلحة استراتيجية عميقة في إضعاف حوزة قم وتراجع دورها السياسي لتدفع بالفراغ الفقهي نحو النجف في العراق.
عبر هذه المناورة السياسية يتخلص الحرس الثوري من وجود مرجعية دينية داخلية قوية قد تمتلك حق النقض على تحركاته مفضلاً التعامل مع مؤسسة دينية خارجية يمكن مساومتها والضغط عليها سياسياً. هذا المسار يؤسس لواقع يتم فيه تجريد منصب المرشد من هيبته التاريخية ليصبح وظيفة إدارية وبروتوكولية بحتة، فالمؤسسات الأمنية اليوم في طهران لا تبحث عن حاكم مطلق يعوق مشاريعها بل تفضل شخصية باهتة تعتمد كلياً على القوة العسكرية ليكون المرشد القادم مجرد موقّع على قرارات يطرحها أو يتبناها فعلياً مجلس إدارة تديره النخبة العسكرية.
في الكواليس حُسمت معركة الخلافة قبل أن تنتهي مراسم الدفن. مجتبى خامنئي الذي غاب عن المشهد يمسك الآن بالخيوط الرئيسة بالتحالف مع مركز الثقل داخل الحرس الثوري. الفارق الجوهري بين الأب والابن لا يكمن في طبيعة العقيدة السياسية للجيل الجديد الذي يتولى القيادة الآن أمثال القائد العام للحرس الثوري أحمد وحيدي ومحمد باقر ذو القدر، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، إذ لا يملكان العمق الفقهي لعلي خامنئي ولا يحتاجان إليه أصلاً. فهم في جوهرهم تكنوقراط عسكريون نتاج عقود من العقوبات وحروب الظل، يرون في المؤسسة الدينية أداة بيروقراطية بينما يرون في القوة العسكرية والشبكات المالية جوهر الدولة الحقيقي.
نحن أمام خامنئية ثانية بلا خامنئي، نظام يتخلى عن شعاراته لمصلحة كفاءته الأمنية، فالذي سيحدث أنه بمجرد غياب السلطة التقليدية لن تقف إيران على حافة انهيار فوري بل ستشهد انطلاق أكبر عملية استحواذ مالي وأمني في التاريخ الحديث. فالإمبراطورية المالية الأضخم المتمثلة في المؤسسات الاقتصادية السيادية والمتعلقات التابعة للولي الفقيه لن تنتظر مرشداً جديداً ليديرها. سيتم تسييل هذه الأصول وتحويلها بصمت إلى شركات مساهمة مغلقة تديرها عائلات قادة الحرس الثوري وتكنوقراط الداخل ليتحول اقتصاد النظام من واجهة أيديولوجية لدعم الفئات الهشة إلى نظام حكم القلة المتنفذة بصورة صريحة ومحمية بالسلاح يفصل الاقتصاد تماماً عن أي طابع عقائدي لينتج نموذجاً شبيهاً بنظام حكم القلة المتنفذة في روسيا إبان التسعينيات ولكن ببدلات عسكرية.
إن المفارقة الاستراتيجية الأعمق هنا هي أن هذه النخبة التي تدير اقتصاد الظل لا ترغب فعلياً في رفع شامل للعقوبات الغربية. إذ إن الانفتاح الكامل يعني عودة البنوك التقليدية والشركات الكبرى مما يسحب البساط كلياً من تحت شبكات التمويل السرية. لذلك ستتجه القيادة نحو وضع إطار رسمي للتعامل مع العقوبات عبر خطة مواجهة دقيقة مع الغرب تضمن استمرار العقوبات كجدار حماية لاحتكاراتهم وتمنع في الوقت نفسه الانزلاق نحو حرب شاملة. هذا السلوك جزء من عقيدة تمويل الحرب الذاتي حيث تدرك القيادة الإيرانية أن فترات الهدنة هي الوقت المثالي لتحصين المنشآت الحيوية تحت الأرض.
إن المستقبل القريب لإيران ما بعد خامنئي لن تصنعه حاملات الطائرات الأميركية ولا الضربات الخارجية فالنظام أثبت قدرة على إدارة الأزمات وتحويلها لوقود للتعبئة.
الخطر الحقيقي الذي يواجه الخامنئية الثانية يكمن في القطيعة الفعلية بين السلطة والمجتمع. فبينما كانت الطائرات تنقل جثمان المرشد الأعلى كانت الأسواق في طهران تعيش على وقع عملة تتراجع كل ساعة وكان الملايين الذين اختاروا البقاء في منازلهم يمثلون الكتلة الصامتة والموقوتة.
مع استنزاف الخطاب الثوري لرصيده تدرك القيادة ببراغماتية واضحة أن أول ما تضحي به لتأمين بقائها هو التوجهات الاجتماعية المتشددة داخل عمق المجتمع الإيراني، سنشهد تراجعاً جذرياً في تطبيق القوانين الصارمة وإسقاطاً لفرضية الحجاب على سبيل المثال في مقايضة صريحة مفادها منح المجتمع حرياته الشخصية مقابل احتفاظ النخبة بالسلطة.
غير أن هذا ليس تحولاً نحو ديمقراطية متسامحة، بل هو استبدال خبيث وذكي لأدوات السيطرة بالانتقال إلى القمع الرقمي الصامت عبر نظام رقابة سيبراني يعاقب المعارضين بحظر الحسابات البنكية ومنع السفر وغيرها.
على ما يبدو تتجاوز الطموحات العسكرية في هذه المرحلة تأمين الخلافة إلى محاولة إعادة تعريف الشرعية نفسها إذ تسعى النخبة الحاكمة إلى سحب البساط من تحت (حوزة قم) عبر احتكار الخُمينية وتحويلها من مدرسة فقهية حية قابلة للاجتهاد والتغير إلى أيديولوجية دولة جامدة ومقدسة لا تمس. إنهم يعملون على خلق مرجعية غيبية ثابتة لا تحتاج إلى فقهاء لتفسيرها إذ يُستخدم تراث الخميني كنص مطلق وغير قابل للتأويل ليكون هو الغطاء الشرعي الأبدي لقرارات الحرس الثوري.
وبهذا التحول يتحول الإرث الديني من مؤسسة نقدية تراقب أداء السلطة إلى صوت إلهي مسجل تحت مظلة نص مقدّس لا يخطِئ ولا يُناقش، مما يفرغ الحوزة من دورها ويجعلها مجرد واجهة دينية لا تملك سلطة الاجتهاد.
معركة المضيق أم حصان طروادة؟
وعلى جبهة الأقليات والحدود لن يكون التهديد الأكبر متمثلاً في النزعات الانفصالية في سيستان وبلوشستان وكردستان والأحواز بل سيعمد النظام إلى إدارة هذه التوترات وتغذيتها بأسلوب مدروس، الهدف منه هو تقديم إيران للعالم بوصفها السد الوحيد المنيع أمام الفوضى والإرهاب وقوافل اللجوء المليونية. وستتحول الاضطرابات الحدودية إلى صناعة أمنية وقاعدة ابتزاز صريحة: إما بقاؤنا عسكرياً أو تفجر الشرق الأوسط بأكمله.
ولإحكام هذه القبضة ستُدار السياسة الخارجية عبر صناعة حالة متعمدة من الفوضى الدبلوماسية المؤسسية، ستنقسم الدولة إلى واجهات تخاطب العالم بلغات متناقضة في آن واحد: وزارة خارجية تكنوقراطية ناعمة تعرض صفقات اقتصادية ونووية مغرية وتعمل بالتوازي مع أجنحة استخباراتية تنفذ عمليات تصعيدية وتدير شبكة الوكلاء الإقليميين. هذا التناقض لن يكون مؤشراً على صراع داخلي بل حالة مقصودة لتوزيع الأدوار لابتزاز المجتمع الدولي والترويج المستمر لفكرة أن الاستجابة لمطالب الجناح التكنوقراطي هي السبيل الأوحد لمنع المتشددين من تفجير المنطقة.
في المحصلة تؤكد هذه التحولات الهيكلية أن إيران القادمة ما بعد خامنئي لن تكون مجرد دولة منبوذة أو كياناً يتجه نحو فوضى شاملة، بل ستكون كياناً نفعياً هجيناً يجيد توظيف أزماته الداخلية لابتكار أوراق قوة جديدة.
المشهد الذي يتشكل الآن يعلن بصمت نهاية السلطة الدينية المطلقة وولادة ديكتاتورية عسكرية وتقنية تستخدم تحالف المال والنفوذ المحمي بالسلاح والانفتاح الاجتماعي الانتقائي كدروع واقية لتثبت أن القيادة الجديدة ببدلاتها العسكرية وأنظمتها الذكية ستكون أشد إحكاماً للسيطرة في الداخل وأكثر دهاءً وخطورة في الابتزاز الدولي من سابقتها، إذ ستتحول إيران من سلطة دينية تقليدية استهلكت شعاراتها القديمة إلى ديكتاتورية شابة باردة ومبتزة تدير منظومة عسكرية تستعين بالحلول الرقمية لفرض نفوذها وسياستها بنفعية تامة.
** سالمة الموشي باحثة وكاتبة سعودية
*المصدر: إندبندنت عربية
