“الاستيطان الرعوي” يطوق القدس.. هل اقتربت ساعة التهجير؟

بؤرة جديدة عند "معازي جبع" و269 اعتداءً في 6 أشهر

الرائد: في الوقت الذي تتصاعد فيه التحذيرات الدولية من “البيئة القسرية” التي تُفرض على التجمعات البدوية في الضفة الغربية، أقدم مستعمرون إسرائيليون، مدعومين بحماية عسكرية كاملة، على إقامة بؤرة استعمارية رعوية جديدة بالقرب من تجمع “معازي جبع” البدوي شمال القدس المحتلة.تأتي هذه البؤرة لتضاف إلى شبكة معقدة من البؤر الرعوية التي تحولت إلى “سلاح دمار بطيء” يهدف إلى تهجير آلاف البدويين قسراً. وفي الوقت الذي وثقت فيه محافظة القدس “269 اعتداءً ” من قبل المستعمرين خلال النصف الأول من عام 2026 فقط، راق فيها “ثلاثة مقدسيين” ، يطرح التقرير تساؤلاً ملّحاً: هل نحن أمام ساعة الصفر لإفراغ ما تبقى من التجمعات البدوية في أطواق القدس؟

المعطيات الميدانية: “معازي جبع” الحلقة الأحدث في الطوق

أفادت محافظة القدس بأن المستعمرين أقاموا البؤرة الرعوية الجديدة بالقرب من تجمع “معازي جبع”، في إطار التوسع المتسارع لهذا النوع من الاستيطان. وتوضح المعطيات أن عدد البؤر الاستعمارية في محافظة القدس بلغ نحو  (23 بؤرة) ، تتركز غالبيتها في الحزامين الشرقي والشمالي للمحافظة.

وتواجه هذه البؤر وجود “37 تجمعاً بدوياً “يقطنها أكثر من 7,000 مواطن،يمتدون على شريط جغرافي حيوي من “مخماس” شمالاً وحتى “وادي النار” جنوباً.

وفي تعليق مباشر على خطورة هذه الخطوة، نقلت وسائل الإعلام المحلية عن محافظة القدس قولها في بيانها الأخير:

“إن البؤر الرعوية لم تعد تمثل تجمعات استيطانية مؤقتة، بل أصبحت أداة استعمارية منظمة تعتمدها سلطات الاحتلال لتوسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية خارج حدود المستعمرات القائمة، عبر الاستيلاء على قمم الجبال والتلال والمراعي الطبيعية، قبل تحويلها تدريجياً إلى نقاط استيطانية دائمة”.

الخلفية التاريخية: من “مزارع جلعاد” إلى جبال القدس

لفهم الآلية التي تتحرك بها إسرائيل في القدس، لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية لظاهرة “الاستيطان الرعوي” (بالعبرية: התנחלויות רועות).
نشأت هذه الفكرة في تسعينيات القرن الماضي في غور الأردن عبر ما عُرف بـ “مزارع جلعاد” (Chavat Gilad)، حيث كانت الفكرة تقوم على إقامة بؤر زراعية/رعوية صغيرة بتكلفة منخفضة. ولكن ما بدأ كـ “تجربة اقتصادية” تحول بسرعة إلى **عقيدة استيطانية أمنية**.

وفي تصريح سابق لـ  “حركة “الآن للسلام” (Peace Now) الإسرائيلية، وهي منظمة ترصد الاستيطان، أكدت أن: “الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة استخدمت البؤر الرعوية كـ ‘طليعة استيطانية’ (Chazit Halamim)؛ حيث يتم إرسال مجموعة من المستعمرين إلى قمة جبل، ومع مرور الوقت تقوم الدولة بتمهيد الطرق، ومد شبكات المياه والكهرباء، لتصبح هذه البؤرة جزءاً من مستوطنة أم قائمة” .

اليوم، يتم تصدير هذا “النموذج” بكثافة إلى محافظة القدس، وتحديداً في المنطقة المصنفة “ج” وفي المناطق العازلة حول القدس (مثل منطقة E1)، بهدف قطع الاتصال الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، وعزل القدس الشرقية تماماً عن امتدادها الطبيعي.

المنهجية المدمرة: حصار 7,000 بدوي بين الفم والمزرعة

لا تقتصر خطورة البؤر الرعوية على مجرد وجودها الجغرافي، بل تمتد إلى “الحرب اليومية” التي تشن على السكان. وتبين محافظة القدس أن الهجمات تتبع نمطاً منهجياً: تبدأ بالسيطرة على المرتفعات، ثم منع المواطنين من الوصول إلى أراضيهم، وصولاً إلى حرمانهم من البنية التحتية.

وفي هذا السياق، يؤكد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA) في تقاريره الدورية حول “البيئة القسرية” في المنطقة (ج): “إن تقييد الوصول إلى المراعي، وتدمير الممتلكات، وهدمstructures الممولة من المانحين الدوليين (مثل الألواح الشمسية وخزانات المياه)، هي ممارسات ممنهجة تخلق بيئة قسرية لا يمكن للمجتمعات البدوية العيش فيها، مما يدفعها نحو التهجير القسري” .

وعلى الأرض، يترجم هذا التقرير الأممي إلى واقع مأسوي يعيشه سكان التجمعات من “مخماس” إلى “وادي النار”، حيث يتعرضون لاعتداءات يومية تشمل:
* مهاجمة المواطنين والرعاة وسرقة المواشي.
* إتلاف محاصيل القمح والشعير عمداً (كعقاب جماعي).
* قطع خطوط المياه ومنع الوصول إلى المراعي الطبيعية.
* توفير قوات الاحتلال الحماية الكاملة للمستعمرين، بينما تنفذ في الوقت ذاته عمليات اقتحام واعتقال بحق المواطنين.

تصاعد دموي: 269 اعتداءً و3 شهداء في 6 أشهر

كشف التقرير الإحصائي لمحافظة القدس عن تصاعد ملحوظ وخطير في وتيرة العنف خلال النصف الأول من عام 2026. حيث وثقت المحافظة 269 اعتداءً من قبل المستعمرين في محافظة القدس وحدها.

الأخطر من ذلك، أن  52 اعتداءً  من هذه الاعتداءات تضمنت إيذاءً جسدياً مباشراً ووحشياً بحق المواطنين، أسفرت عن سقوط ضحايا. وفيما يلي أسماء الشهداء المقدسيين الذين ارتقوا نتيجة هذا التصعيد:
1. الشهيد نصر الله محمد جمال أبو صيام  (من بلدة مخماس).
2. الشهيد مراد شويكي (من بلدة العيزرية).
3.  الشهيد محمد فرج المالحي  (من بلدة شرفات).

التوقعات المستقبلية وسيناريوهات النصف الثاني من 2026

بناءً على المعطيات الميدانية والتحليلات الجيوسياسية، يمكن استشراف عدة سيناريوهات للفترة القادمة في محافظة القدس:

*التقنين الرسمي للبؤر الرعوية: من المتوقع أن تواصل اللجان الوزارية الإسرائيلية في النصف الثاني من 2026 دفع مخططات “تقنين” البؤر الرعوية الـ 23 في القدس، وربطها رسمياً بالبنية التحتية للدولة، مما ينهي أي أمل في إزالتها.
*تفعيل مخطط “E1” وعزل القدس: إن التوسع في الحزام الشمالي (مثل معازي جبع ومخماس) هو تمهيد ميداني لتفعيل مخطط “E1” الاستيطاني الضخم، والذي يهدف إلى بناء آلاف الوحدات الاستيطانية لربط مستوطنة “معاليه أدوميم” بالقدس، مما يقسم الضفة الغربية تماماً.
*انهيار اقتصادي قسري وتصعيد المقاومة: مع استمرار تدمير المحاصيل وسرقة المواشي، تواجه التجمعات البدوية خطر المجاعة الاقتصادية. هذا الضغط قد يؤدي إلى أحد أمرين: إما نزوح قسري صامت نحو أطراف المدن، أو تصعيد أشكال “المقاومة الشعبية والمواجهة المباشرة” لحماية المراعي، مما ينذر بمواجهات دموية يومية مع جيش الاحتلال.

إن ما يحدث في “معازي جبع” والتجمعات البدوية الممتدة من مخماس إلى وادي النار ليس مجرد اعتداءات حدودية عابرة، بل هو “حرب وجود” تهدف إلى محو الوجود الفلسطيني في أطواق القدس. الأرقام الصادمة للنصف الأول من 2026 (269 اعتداءً و3 شهداء) تؤكد أن “الاستيطان الرعوي” قد تجاوز كونه أداة استيطانية، ليصبح أداة “تطهير عرقي بطيء” وممنهج، يتطلب وقفة دولية جادة قبل فوات الأوان.

المصادر والمراجع

-بيان محافظة القدس الرسمي (نصف الأول 2026):”تقرير حول تصاعد الاستيطان الرعوي واعتداءات المستعمرين في محافظة القدس”، الصادر عن دائرة المتابعة والحشد في محافظة القدس، يوليو 2026. (المصدر الأساسي للأرقام: 23 بؤرة، 37 تجمعاً، 7000 مواطن، 269 اعتداءً، وأسماء الشهداء).
-مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA): “تقارير الرصد الأسبوعية للأراضي الفلسطينية المحتلة – الانتهاكات في المنطقة (ج) والتجمعات البدوية”، إصدارات النصف الأول من 2026. (المرجع الخاص بمفهوم “البيئة القسرية” وتهجير البدو).
-حركة “الآن للسلام” (Peace Now): “بيانات رصد البؤر الاستيطانية الجديدة ونموذج الاستيطان الرعوي في غور الأردن والقدس”، تقارير الرصد الاستيطاني لعام 2025-2026. (المرجع الخاص بالخلفية التاريخية لـ “مزارع جلعاد” وطليعة الاستيطان).
-منظمة “بتسيلم” الحقوقية (B’Tselem): تقرير “السيطرة على المنطقة (ج): البيئة القسرية وتهجير الفلسطينيين”، والذي يوثق آليات منع الوصول إلى المراعي وتدمير الممتلكات كوسيلة للتهجير.
-شهادات ميدانية:مقابلات مع نشطاء في لجان مقاومة الاستيطان في تجمعات “مخماس” و”وادي النار” (تمت مراجعة تصريحاتهم مع بيانات محافظة القدس ومنظمة OCHA لضمان دقة نقل الوقائع).

اترك تعليقا