تركيا والناتو.. زواج المصلحة
عبد العزيز مجاهد يكتب
- dr-naga
- 3 يوليو، 2026
- مقالات وتحليلات
- الناتو, تركيا, تركيا والناتو
علاقة عمرها 74 عاماً؛ مليئة بالأزمات و الطلاق فيها .. مستحيل!
البداية: المهر المعمد بالدم
لم تدخل تركيا حلف الناتو بعد مناقشات في غرف مغلقة ولا بعد مفاوضات هادئة وإنما شقت طريقها للعضوية هناك في أقصى شرق آسيا في شبه الجزيرة الكورية عام 1950. هناك، عندما أرسلت أنقرة جنودها ليحاربوا تحت راية الأمم المتحدة. في ذلك الوقت حسمت أنقرة تحالفاتها واختارت المعسكر الغربي على ما سواها : على محيطها التاريخي وعلى الشرق السوفيتي ،
حاربت تركيا في كوريا لتثبت جدارتها بالانضمام إلى المعسكر الغربي.
قدمت تركيا 1000 جندري في تلك الحرب بين قتيل ومفقود
بعدها تحديدا في فبراير عام 1952، فُتحت البوابة رسمياً، ودخلت أنقرة الحلف لتصبح حارس الجناح الجنوبي الشرقي وأقوى ترسانة بشرية في وجه الأطماع السوفيتية. إلى أن واجهت علاقة أنقرة بالناتو أول تحدياتها :
سنوات تركيا الأولى مع الحلف كانت مستقرة، حتى جاءت عام 1962 أزمة الصواريخ الكوبية لتضع هذه العلاقة أمام أول اختبار حقيقي:
بعد محاولة انقلاب فاشل أمريكية في جارتها كوبا نشر الاتحاد السوفيتي صواريخ نووية هناك على حدود أمريكا
الرد الأمريكي جاء في تركيا عن طريق نشر صواريخ نووية قادرة على ضرب موسكو على الأراضي التركية
لكن صفقة سرية للتهدئة بين القوتين النوويتين أدت الى سحب كل منهما صواريخهما من جوار الأخرى ،أدركت أنقرة أنها استخدمت لدفع ثمن أزمة لا تخصها ولم تستشر فيها و لم تكد تركيا تفيق من الصدمة حتى تلقت الطعنة الثانية عام 1964؛ برسالة الرئيس الأمريكي جونسون الشهيرة التي حذرت أنقرة بوضوح إبان الأزمة القبرصية : “إذا تدخلتم في الجزيرة وحَميتم الجبهة مع السوفييت، فالناتو لن يدافع عنكم”.
هنا تنبهت العقلية الاستراتيجية التركية، وأعادت النظر في طبيعة العلاقة : تحالفنا من الناتو ليس شيكاً على بياض، وأمننا القومي لا يُشترى من الخارج. و من رحم هذه الخيبة ولد القرار التركي التاريخي بإنشاء صناعة دفاعية وطنية مستقلة. شاركت تركيا بعدها بفاعلية في مهام الحلف في البلقان وأفغانستان لتؤكد حضورها، لكنها كانت تبني بصمت قوتها الذاتية حتى تجرأت أخيرا على التغريد خارج الحلف :
فمع حلول عام 2017، بلغت الإثارة ذروتها ودخلت العلاقة نفقاً مظلماً. أنقرة سئمت من مماطلة الغرب في تزويدها بمنظومات دفاع جوي في وقت اكتشفت فيه انكشاف سائها لحظة الانقلاب العسكري الفاشل ،
كسرت أنقرة المحظور الأطلسي واشترت منظومة “إس-400” من الخصم الروسي. جن جنون الحلفاء، وانتفضت واشنطن لتفرض عقوبات قاسية، وأخرجت تركيا من برنامج المقاتلة الأحدث “إف-35”. بدا المشهد للجميع وكأن ورقة الطلاق قد كُتبت، وأن الفراق مسألة وقت.
استمرت المناوشات بين الطرفين وبدا في كثير من المحطات أن الطلاق واقع لا محالة الى أن جاء عام 2022
الاستغناء المستحيل والواقع الجديد
مع اندلاع الحرب في أوكرانيا. فجأة، تذكر الجميع لماذا لا يمكن الاستغناء عن تركيا
؛ أنقرة خنقت حركة السفن الروسية بإغلاق المضائق بموجب اتفاقية مونترو، وهندست اتفاقيات الحبوب، بل واستخدمت “حق الفيتو” بجرأة لفرض شروطها الأمنية الصارمة قبل قبول السويد وفنلندا في الحلف. وفي ذات الوقت، كانت المسيّرات التركية الصنع تصنع الفارق في الميدان وتُصدّر لدول الحلف نفسها. في تلك اللحظة أدرك الحلف الواقع الجديد : شبت تركيا عن الطوق وباتت حاجة الحلف لها لا تقل عن حاجة أنقرة للحلف .
اليوم، وفي الوقت الذي تتأهب فيه أنقرة لاستضافة قمة تاريخية للحلف يتأكد أن التحالف محكوم بالواقعية السياسية البحته.
قد تختلف الزوجة مع زوجها، وقد تبحث عن بدائل، لكن الخريطة والجغرافيا والمصالح المشتركة تفرض شروطها
في النهاية؛ ستبقى تركيا شريك الغرب المشاكس، الصعب، والمستقل، الذي يثير الصداع في أروقة بروكسل، لكنه يظل دائماً الجدار الذي لا يمكن للناتو الاستغناء عنه.
وستمستر العلاقة على ذات المنوال إلى أن يكون يستغني أحد الشريكين عن الآخر
