العزلة الشعورية وقرار العيش في المجتمع المحلي

نواف القديمي يكتب

في أيام دراستي بالجامعة، وفي استراحة على أطراف الرياض، التقيت بكاتب سعودي معروف كان له حضور واسع ومؤثر في الوسط الإسلامي المحلي آنذاك. وهو حاصل على شهادة الدكتوراه من أمريكا وعاش فيها قرابة عشرة أعوام. وكان للتو قد خرج من تجربة اعتقال.

دار بيننا حديث متشعب، وسألته يومها عن تجربته في أمريكا وطبيعة المجتمع والحياة السياسية والثقافية هناك. وبعد إجابات عامة ومختصرة قال لي جملة لافتة لم أنسها: صحيح أنني درست هناك، لكنني عشت الحالة التي وصفها سيد قطب ب “العزلة الشعورية”، فلم أخالط المجتمع المحلي، وكان احتكاكي اليومي مقتصراً على الوسط الطلابي السعودي وتواصل محدود مع المجتمع العربي والمسلم هناك.. كان واضحاً أنه أثناء دراسته انهمك بالنقاشات الثقافية الموجودة في بلده واستمر يكتب عنها بانتظام في بعض الصحف والمجلات المحلية، وكأنه لم يغادرها.. كانت هذه العبارة كافية لتفسير فقر معرفته بالمجتمع والسياسة والتاريخ والثقافة والاقتصاد في بلدٍ عاش فيه لعشرة أعوام.

في ديسمبر 2016 كنتُ في زيارة لإسطنبول، والتقيتُ في أحد المقاهي باثنين من الأصدقاء العرب، يومها ضاع معظم الوقت وهم يتناقشون بحماسٍ حول بيان أصدرته مجموعة مُنشقة من جماعة محلية وعن مواقف البعض وتعليقات آخرين في فيسبوك حول ذلك. قلت لهم وهم وسط حماستهم: بالمناسبة اليوم سقطت حلب! استعادها النظام. والقنوات الإخبارية ليس على شاشاتها منذ أيام إلا تغطية هذا الحدث الكبير.. ورغم أن استقرار العرب في إسطنبول في هذا التوقيت يعني غالباً العيش وسط مجتمع سوري، إلا أنه بدا عليهم أنهم لم يسمعوا بهذا الخبر قبل الآن.

سألني صديق مرة: هل تعتقد أن العامل الهندي أو البنغالي الذي عاش في السعودية عشرة أعوام أو عشرين عاماً يعرف جيداً المجتمع المحلي؟ هل يعرف طبيعته وتنوعاته واختلاف “سلومه” وثقافاته وتاريخه السياسي؟ كان السؤال كافياً للدلالة على أن العيش في مجتمع ولو امتد لسنين لا يعني بالضرورة معرفته وفهمه.. وفي تجربة اسطنبول التي عاشت فيها مجموعات عربية كبيرة ومتنوعة، رأينا كيف عاش كثيرون داخل أسوار نفسية واجتماعية معزولة عن الوسط العربي المحيط بهم، فضلاً عن التداخل بالمجتمع التركي.. وفي دول الخليج رأينا تجارب مشابهة لعربٍ عاشوا فيها لسنين ولا يكادون يعرفون شيئاً عن المجتمع والناس والتاريخ السياسي والتنوع السكاني فضلاً عن معرفة ما تم إنتاجه من أدب وفن وثقافة ومرويات.

العيش في مجتمع آخر لا يعني بالضرورة “تجربة” مختلفة، ولا تراكماً في الخبرة. قد تعيش جسدياً في مجتمع آخر وأنت لم تخرج نفسياً ومعرفياً من بلدك. فالجيتو قرار، والعيش في فقاعة هو اختيار محض. ووسائل التواصل التي مثّلت فرصة للتعرف على ثقافات ومجتمعات أخرى، قد تكون جداراً عازلاً لك عن آخرين تعيش معهم فيزيائياً ولكنك منفصل عنهم ثقافياً واجتماعياً ونفسياً، وتجد في وسائل التواصل – التي تربطك ببلدك – تعويضاً يجعلك تنكفئ داخل مجتمعك المحلي، وتغرق أكثر في عزلتك.

اترك تعليقا